خيمة سيرك.. لا أكثر

tag icon ع ع ع

غزوان قرنفل

من المسلّم به أن المقدمات تكشف عن محتوى النتائج بالضرورة، وأن المقدمات الخاطئة لا يمكن أبدًا أن تفضي إلى نتائج صحيحة، وأن اجترار وتكرار نفس المقدمات يجب ألا يدفعنا إلى توقع نتائج مغايرة أبدًا، وإلا فإننا نعاني حقًا من مشكلة في الإدراك، وأن أولئك الذين خاب فألهم وتهاوت توقعاتهم بأن يكون البرلمان أو المجلس التشريعي أو مجلس الشعب، سمّه ما شئت، مساحة حرة تمارس فيها الرقابة والمساءلة عن أعمال السلطة التنفيذية المتورمة بالصلاحيات، وأنه سلطان قراره وتشريعاته، لم يدركوا بعد حجم الأزمة والاستعصاء الانتقالي الذي يفترض أنه المهمة الرئيسة للسلطة الحالية، وأن المقدمات التي ابتدأت بما سُمّي زورًا مؤتمرًا للحوار الوطني، والإعلان الدستوري ذي الصلاحيات المطلقة، والتي صفّق معظمهم لها، لن تفضي إلا لما أفضت إليه، مجرد خيمة سيرك سُمّيت مجلسًا للشعب!

في خيمة السيرك عادة هناك مهرجون بملابس فاقعة ألوانها، وحواة يخرجون الأرنب من القبعة أو يحولون المنديل إلى حمامة بيضاء تخرج من وعاء مغطى لتطير في فضاء الخيمة على غير هدى، ولاعبو الأكروبات يستعرضون مهاراتهم في القفز على الحبال حتى دون أن تكون ثمة شبكة أمان منصوبة تحتهم حماية لهم من عقابيل السقوط إن حصل، كل ذلك لا قيمة له دون جمهور يراقب تلك العروض فاغر الفاه، لا يملك إلا “فضيلة” التصفيق عقب كل فقرة.

على الأقل بالنسبة لي وربما لكثيرين غيري، هذا هو الانطباع الذي يتركه مجلس الشعب السوري في تشكيلته الحالية، لا لأني أرغب في ذلك ولا لأني سوداوي الرؤية، وإنما لأن الوظيفة التي يفترض أن يؤديها تكاد تكون غائبة بالكامل، فالبرلمان في أي دولة تحترم نفسها هو السلطة التي تراقب عمل وأداء الحكومة وتسائلهم أو تسائل بعضهم وتتخذ القرار بحجب الثقة عنهم أو عن بعضهم، وهذه الوظيفة انتُزعت منه قبل تشكيله ابتداء، فماذا بقي لديه من أدوات ضغط على السلطة التنفيذية إذا ما انحرفت أو فشلت في أداء مهامها، وما قيمة الرقابة التي قد يمارسها المجلس إن كانت أظافره قد تم تقليمها؟

حتى مهمة تشكيل اللجان واختيار أعضائها أنيطت برئيس المجلس منفردًا (وهو الذي قال يومًا إن مسودة الإعلان الدستوري قُدمت لهم جاهزة واقتصر دورهم على مجرد الصياغة القانونية)، دون أي دور ملحوظ للأعضاء في ذلك، وسُحب منه حق تشكيل لجنة للشؤون للخارجية فلا يملك المجلس حتى حق السؤال والاطلاع على ما يُرسم وما يُقرر في محمية وزارة الخارجية! وأعضاء المجلس لا يملكون الحق في تشكيل كتل وتحالفات ويتعين عليهم أداء عملهم فرادى! والوظيفة الوحيدة المتبقية له هي التشريع، لكن وأمام هذا التغول والتورم في الصلاحيات التي تستحوذ عليها السلطة التنفيذية يمكننا أن نتوقع طبيعة ومحتوى التشريعات التي قد تصدر عن هذا المجلس.

هذا المجلس يُفترض أنه وُجد ليكون شريكًا فاعلًا في إعادة بناء الدولة على أسس جديدة ومغايرة عما سبق، وليكون شريكًا في إنجاز ما يُفترض أنه عملية تحول ديمقراطي مأمول بوصفه أحد أهم أهداف ثورة السوريين، لكنه مع هذه الحال لن يكون أكثر من شاهد زور على عملية تحول نحو دولة سلطوية مطلقة تديرها أدوات السلطة الحالية وفي القلب منها “هيئة تحرير الشام”.

كان السوريون يأملون أو يحلمون أن تكون المرحلة الجديدة فرصة لكسر الإرث الاستبدادي الثقيل، وأن يولد مجلس شعب مختلف، يعكس بحق إرادة المجتمع بكل تنوعه لا إرادة السلطة، وأن يجسد مبدأ الفصل بين السلطات ويستعيد هيبة ودور المؤسسة التشريعية، وأن يكون النائب نائبًا عن الشعب ومواجعه ومطالبه وليس مندوبًا يعكس إرادة السلطة التنفيذية ويسبغ عليها وعلى أفعالها وسياساتها المشروعية فحسب.

مشهد الخيمة والسيرك والمهرجين والحواة ربما يُضحك الجمهور بعض الوقت، لكنه في الجوهر يبعث برسالة إلى المجتمع مفادها أن شيئًا لم يتغير في بنية الحكم وأدواته، وأن المؤسسات لا تزال تؤدي أدوارًا مرسومة سلفًا بعيدًا عن أي استقلالية حقيقية، حينها سيفقد المواطن ثقته بفكرة الدولة نفسها وبقدرتها على تصحيح أخطائها من داخل مؤسساتها، وعندها أيضًا يكون قد فات الأوان حقًا على الخروج من تلك المتاهة التي ستبتلع الجميع دون أن يكون لدينا أي سبيل للنجاة هذه المرة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة