أوغاريت.. ابنة البحر التي كتبت أبجدية غيّرت تاريخ البشرية

مدينة أوغاريت في رأس شمرا شمال مدينة اللاذقية - 7 تموز 2026 (صور اللاذقية)

camera iconمدينة أوغاريت في رأس شمرا شمال مدينة اللاذقية - 7 تموز 2026 (صور اللاذقية)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – يزن قر

على تلة رأس شمرا شمال مدينة اللاذقية، تقف بقايا أوغاريت، المدينة التي تعد واحدة من أبرز الحضارات التي عرفها شرق البحر المتوسط.

هنا ظهرت أوغاريت، المملكة التي جعلت من الكلمة أداة للتواصل، ومن البحر طريقًا للتجارة، ومن التنوع الثقافي جزءًا من حياتها اليومية.

قبل أكثر من 3000 عام، كانت أوغاريت مدينة نابضة بالحياة على الساحل السوري، تتصل بالممالك المجاورة عبر البحر والطرق البرية، وتستقبل التجار واللغات والأفكار القادمة من مناطق مختلفة.

واليوم، بعد مرور قرون طويلة على اندثارها، لا تزال آثارها تحمل شواهد على مجتمع ترك أثرًا في تاريخ الكتابة والفن والعلاقات بين الشعوب.

يشير الباحث في الآثار الدكتور بسام جاموس إلى أن أهمية أوغاريت لا ترتبط بإنجاز واحد فقط، بل بمجموعة من الإسهامات التي قدمتها في مجالات الكتابة والإدارة والفنون، معتبرًا أن المدينة تمثل نموذجًا لحضارة متقدمة استطاعت أن تجعل من المعرفة وسيلة للتواصل مع محيطها.

مدينة ولدت من البحر

تقع أوغاريت في موقع رأس شمرا، على بعد نحو 12 كيلومترًا شمال مدينة اللاذقية، بالقرب من خليج مينة البيضا، حيث كان ميناؤها القديم يشكل بوابتها البحرية نحو العالم الخارجي.

ساعدها موقعها الجغرافي على أن تصبح مركزًا مهمًا للتبادل التجاري في شرق البحر المتوسط، إذ ربطت بين مناطق مختلفة امتدت من مصر وبلاد الرافدين إلى الأناضول وقبرص.

لم تكن التجارة بالنسبة لأوغاريت مجرد حركة اقتصادية، بل وسيلة للتواصل بين ثقافات متعددة.

ويرى الباحث في الآثار بسام جاموس أن موقع أوغاريت البحري كان أحد العوامل الأساسية في ازدهارها، إذ سمح لها بالانفتاح على ممالك مختلفة، وجعلها نقطة التقاء بين طرق التجارة والحضارات في المنطقة.

وتشير المكتشفات الأثرية إلى أن المدينة امتلكت نشاطًا اقتصاديًا متنوعًا، فإلى جانب التجارة البحرية، عُرفت بصناعة السفن والحلي والمنسوجات والأثاث العاجي والأختام، كما طورت أنظمة إدارية وقانونية ساعدتها على إدارة علاقاتها الداخلية والخارجية.

وكان ميناؤها في مينة البيضا جزءًا أساسيًا من هذه الحياة، إذ خرجت منه السفن المحملة بالبضائع، ووصلت إليه سفن من مناطق مختلفة، حاملة معها سلعًا وأفكارًا ولغات جديدة.

مصادفة كشفت مملكة كاملة

لم تبدأ قصة اكتشاف أوغاريت من خلال مشروع أثري مخطط له، بل جاءت مصادفة عام 1928، عندما اصطدم محراث أحد الفلاحين في منطقة رأس شمرا بمدفن حجري، ليتبين لاحقًا أن الموقع يخفي تحت ترابه بقايا مدينة تاريخية كبيرة.

بعد ذلك بعام، بدأت أعمال التنقيب المنهجي في الموقع بقيادة عالم الآثار الفرنسي كلود شيفر، لتكشف الحفريات تدريجيًا عن مدينة واسعة تضم قصورًا ومعابد وأحياء سكنية ومكتبات مليئة بالألواح الطينية.

وأظهرت التنقيبات أن أوغاريت لم تكن مدينة عادية، إذ امتدت على مساحة تقارب 27 هكتارًا، وضمت في قسمها المرتفع معابد مخصصة لآلهة المدينة، إضافة إلى قصر ملكي كبير كان مركزًا للإدارة والحكم.

وتقول الدكتورة خزامى بهلول، التي شاركت في أعمال التنقيب والبحث في موقع رأس شمرا، إن استمرار الدراسات الأثرية في أوغاريت يكشف بشكل متواصل تفاصيل جديدة عن الحياة اليومية والسياسية والاقتصادية في المدينة، مشيرة إلى أن الأرشيف المكتشف فيها يمثل مصدرًا مهمًا لفهم طبيعة المجتمعات في العصر البرونزي المتأخر.

الأبجدية التي غيّرت مسار التاريخ

يرتبط اسم أوغاريت بشكل خاص باكتشاف واحد غيّر تاريخ البشرية هو الأبجدية، فقد طوّر سكان المدينة نظامًا كتابيًا يتكون من 30 حرفًا مسماريًا، حُفرت رموزه على ألواح طينية، ويعد من أقدم الأنظمة الأبجدية المعروفة في العالم.

يرى الدكتور بسام جاموس أن الأبجدية الأوغاريتية تمثل واحدة من أهم إنجازات المدينة، لأنها نقلت الكتابة من أنظمة معقدة إلى نظام يعتمد على الحروف، ما جعل عملية التدوين أكثر سهولة، وأسهم لاحقًا في تطور أنظمة الكتابة في مناطق مختلفة.

ولم تُستخدم هذه الكتابة في المجالات التجارية والإدارية فقط، بل حملت نصوصًا أدبية ودينية وأساطير ورسائل دبلوماسية، ما منح الباحثين فرصة للتعرف إلى جوانب مختلفة من حياة المجتمع الأوغاريتي.

ومن بين أهم ما كشفت عنه الألواح نصوص أدبية تعكس تطور الفكر واللغة، وتوضح أن المدينة لم تكن مركزًا اقتصاديًا فقط، بل مساحة للإنتاج الثقافي والمعرفي.

مدينة تتحدث لغات متعددة

تكشف آثار أوغاريت عن مجتمع متنوع ثقافيًا ولغويًا، فقد عُثر في مكتباتها على نصوص مكتوبة بعدة لغات وأنظمة كتابة، بينها الأوغاريتية والأكادية والحثية والمصرية والسومرية والقبرصية.

هذا التنوع يعكس طبيعة المدينة المفتوحة على محيطها، إذ لم تكن حدودها عائقًا أمام حركة الناس والأفكار، فقد عاش فيها تجار وكتبة وحرفيون من خلفيات مختلفة، وتحولت إلى مساحة تلتقي فيها حضارات شرق المتوسط.

ويشير الباحثون في تاريخ أوغاريت إلى أن هذا التنوع اللغوي لا يعكس فقط حركة التجارة، بل يدل على وجود مجتمع قادر على استيعاب مجموعات مختلفة والتفاعل معها، وهو ما منح المدينة دورًا يتجاوز حدودها الجغرافية.

الموسيقا قبل آلاف السنين

لم تترك أوغاريت أثرها في الكتابة فقط، بل في الموسيقا أيضًا، فقد عُثر في الموقع على لوح طيني يحمل تدوينًا موسيقيًا لأنشودة تُعرف باسم “نيغال”، ويُعد من أقدم الأمثلة المعروفة على كتابة الموسيقا في التاريخ.

يشير هذا الاكتشاف إلى أن سكان المدينة لم يهتموا بالاقتصاد والإدارة فقط، بل امتلكوا معرفة متقدمة بالفنون، وجعلوا من الموسيقا جزءًا من حياتهم الثقافية.

نهاية مدينة وبقاء حضارة

رغم ازدهارها لقرون، تعرضت أوغاريت للدمار حوالي عام 1180 قبل الميلاد، في فترة شهد فيها شرق المتوسط اضطرابات واسعة ارتبطت بتحركات شعوب وأزمات سياسية واقتصادية.

بعد ذلك تراجعت أهمية الموقع، ولم تعد المدينة إلى مكانتها السابقة، لكن ما تركته خلفها بقي حاضرًا، فالألواح الطينية التي حفظت لغتها، والآثار التي كشفت عن طريقة حياتها، جعلت منها إحدى أهم المدن القديمة التي أسهمت في فهم تطور الحضارة الإنسانية.

أكثر من موقع أثري

بالنسبة لأبناء اللاذقية، لا تُختصر أوغاريت في اعتبارها موقعًا أثريًا يعود إلى آلاف السنين، بل تمثل امتدادًا لذاكرة المدينة وعلاقتها القديمة بالبحر.

وقال المرشد السياحي محمد السيد لعنب بلدي، إن أوغاريت ليست مجرد مكان يقصده الزوار للتعرف إلى تاريخ قديم، بل جزء من هوية المنطقة، إذ تعكس مرحلة كانت فيها سواحل سوريا مساحة مفتوحة للتواصل بين الشعوب والحضارات، وليست مجرد حدود جغرافية.

وأضاف السيد أن أهمية أوغاريت لا ترتبط فقط بما تركته من آثار وألواح طينية، بل بالأفكار التي قدمتها للبشرية، وفي مقدمتها الأبجدية التي غيّرت طريقة التواصل والكتابة، مشيرًا إلى أن بقاء اسم المدينة حاضرًا حتى اليوم يعكس قدرتها على تجاوز حدود الزمن والمكان.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة