
الاجتماع الوزاري الثلاثي بين سوريا والأردن ولبنان في عمان لبحث تعزيز التعاون في مجالي الغاز الطبيعي والطاقة الكهربائية- 4 أيار 2026 (وزارة الطاقة السورية)

الاجتماع الوزاري الثلاثي بين سوريا والأردن ولبنان في عمان لبحث تعزيز التعاون في مجالي الغاز الطبيعي والطاقة الكهربائية- 4 أيار 2026 (وزارة الطاقة السورية)
بينما تتفاقم أزمة الكهرباء في لبنان، تبرز سوريا كحلقة وصل محتملة لتأمين مصادر جديدة للطاقة، عبر ربط لبنان بمصادر الكهرباء الإقليمية، ولا سيما تركيا.
ويطرح هذا الدور من خلال مسارين رئيسيين: الأول يعتمد على آلية تبادل الكهرباء بين تركيا ولبنان عبر الأراضي السورية، فيما يقوم الثاني على مشروع إنشاء خط كهربائي بحري يربط تركيا بالساحل السوري وصولًا إلى مدينة طرابلس اللبنانية.
ويأتي هذا الطرح في وقت تبحث فيه بيروت عن حلول سريعة لأزمة قطاع الكهرباء، وسط استعداد تركي معلن لتزويد لبنان بالطاقة، إلا أن غياب الربط المباشر بين الشبكتين التركية واللبنانية يجعل المرور عبر سوريا الخيار الأكثر قابلية للنقاش.
وفي هذا السياق، أكد وزير الطاقة والمياه اللبناني جو الصدي، أن تركيا أبلغت لبنان منذ فترة استعدادها لبيع الكهرباء، مشيرًا إلى أن الشبكة التركية غير مرتبطة مباشرة بلبنان، لذلك اقترحت أنقرة تزويد سوريا بالكهرباء، على أن تقوم دمشق بدورها بتزويد لبنان بالكمية نفسها عبر شبكتها.
إلا أن الجانب السوري كان قد أبلغ لبنان سابقًا عدم قدرته على تنفيذ هذا الترتيب، بسبب تحديات تقنية مرتبطة بواقع الشبكة الكهربائية.
كما أعاد رئيس الحكومة اللبناني، نواف سلام، طرح الملف خلال زيارته إلى تركيا، حيث تم الاتفاق على إطلاق اتصالات ثلاثية بين لبنان وتركيا وسوريا، لإعادة بحث إمكانية تنفيذ هذا الخيار، باعتباره المسار الأسرع في حال تم تجاوز العقبات القائمة، وفق ما أوضح الصدي.
ويعتمد المسار الأول على نجاح آلية التبادل الكهربائي مع سوريا، إذ يمكن أن يصبح قابلًا للتنفيذ خلال فترة قصيرة نسبيًا في حال موافقة دمشق، بينما يحتاج الخيار الثاني، المتمثل بمد كابل كهربائي بحري يربط تركيا بالساحل السوري ثم لبنان، إلى فترة أطول بسبب متطلبات الدراسات الفنية والتمويل والكلفة المرتفعة.
الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، ذكر لعنب بلدي، أن الموقع الجغرافي لسوريا يمثل عنصرًا استراتيجيًا مهمًا في حركة التجارة والطاقة العالمية، مشيرًا إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة، ومنها أزمة مضيق هرمز، أعادت التأكيد على أهمية موقع سوريا كحلقة وصل بين مختلف دول المنطقة.
وأضاف أن تلاقي الأزمات المرتبطة بنقص الكهرباء في سوريا والعراق ولبنان، دفع باتجاه البحث عن حلول مشتركة، ومن بين هذه الحلول مشروع الربط الكهربائي بين تركيا ولبنان عبر الأراضي السورية.
وبيّن أن تركيا في ظل احتضانها للحكومة السورية، تسعى إلى تعزيز حضورها الاقتصادي وفتح أسواق جديدة عبر البوابة السورية.
ويشكل واقع قطاع الكهرباء في سوريا التحدي الأكبر أمام أي مشروع إقليمي، بحسب الجاموس، موضحًا أن البنية التحتية تعاني من تراجع كبير، إذ انخفض إنتاج الكهرباء من نحو 6000 ميغاواط عام 2010 إلى ما يقارب 1900 ميغاواط حاليًا، في وقت تعاني فيه شبكات النقل والمحطات وخطوط الربط من أضرار واسعة.
وأضاف أن حتى عمليات التبادل الكهربائي تحتاج إلى شبكات حديثة وقدرات إنتاجية كافية، في حين أن الطلب الداخلي في سوريا مرتفع، والحكومة تسعى حاليًا للوصول إلى إنتاج نحو 3000 ميغاواط، لتغطية جزء كبير من الاحتياجات المحلية المتزايدة.
كما يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، عبد الرحمن محمد، أن مشروع تزويد لبنان بالكهرباء عبر الأراضي السورية يتجاوز كونه حلًا تقنيًا لأزمة الكهرباء اللبنانية، ليشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة سوريا على إعادة تعريف دورها الجيوسياسي والاقتصادي بعد سنوات من العزلة.
وفي حديثه لعنب بلدي، أوضح الخبير عبد الرحمن محمد أن هذا السيناريو قد يمنح سوريا دورًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا مهمًا، ويحول موقعها الجغرافي إلى عنصر قوة في سوق الطاقة الإقليمي، لكنه شدد على أن ذلك يتطلب ألا تبقى سوريا مجرد ممر لعبور الكهرباء، بل أن تتحول عوائد المشروع إلى استثمارات حقيقية ترفع قدرة الإنتاج وتحسن واقع الشبكة الداخلية.
يواجه تنفيذ المشروع عدة تحديات فنية واقتصادية وسياسية تتعلق بواقع قطاع الكهرباء في سوريا، وقدرة الشبكة على استيعاب عمليات التبادل، إضافة إلى الإطار القانوني والتمويلي للمشروع.
وأشار الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، إلى أن أي عملية نقل للكهرباء إلى لبنان ستواجه تحديات فنية كبيرة، لا سيما أن خطوط النقل تمر عبر دمشق التي تستهلك نسبة كبيرة من الطاقة الكهربائية في سوريا، إضافة إلى ارتفاع تكاليف إنشاء الشبكات الجديدة وتأهيل البنية التحتية.
وأكد الجاموس أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تكون لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء داخل سوريا، خصوصًا في المحافظات والمناطق التي تعرضت شبكاتها لأضرار كبيرة، وتحسين قدرة الإنتاج والنقل قبل التوجه إلى مشاريع تخدم دولًا أخرى.
كما تواجه سوريا أيضًا تحديات مرتبطة بتأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد، حيث لا تزال تعتمد على الاستيراد، ما يزيد من صعوبة توسيع مشاريع الربط الكهربائي في الوقت الراهن.
ومن جانبه، قال أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، عبد الرحمن محمد، إن أبرز التحديات التي تواجه المشروع تتمثل أولًا في الجانب القانوني والسيادي، ولا سيما ما يتعلق بالعقوبات الأمريكي، والتي قد تعرض أي جهة تشارك في مشاريع تعود بالنفع على الحكومة السورية لعقوبات ثانوية، لافتًا إلى أن تجاوز هذا التحدي يحتاج إلى ضمانات دولية أو تمويلًا من البنك الدولي بصيغة مشاريع إنسانية.
وحذر محمد من أن تحول سوريا إلى ممر إلزامي للطاقة قد يمنح تركيا، أوراق ضغط سياسية مستقبلية، معتبرًا أن ملف الكهرباء قد يتحول إلى أداة تأثير تستخدم في الخلافات السياسية.
وفي ظل هذه التحديات، يبرز التساؤل حول الخيار الأفضل لربط تركيا بلبنان، وما إذا كان المسار البري عبر الأراضي السورية قادرًا على توفير حل أسرع وأكثر جدوى مقارنة بمشروع الخط البحري، بينما تبقى عوامل الزمن والكلفة وجاهزية البنية التحتية عناصر حاسمة في تحديد المسار القابل للتنفيذ ضمن الظروف الحالية.
وأكد الخبير عبد الرحمن محمد أن المسار البري عبر الأراضي السورية يبدو الأكثر قابلية للتنفيذ مقارنة بالخط البحري، بسبب عامل الوقت والكلفة، موضحًا أن لبنان يحتاج إلى حلول سريعة، بينما يتطلب إنشاء كابل بحري عالي الجهد سنوات من الدراسات والتمويل والتنفيذ، فضلًا عن تكلفته المرتفعة.
كما أن إعادة تأهيل خطوط الربط البرية القائمة، قد تكون أكثر جدوى اقتصاديًا، كونها أقل تكلفة ويمكن أن تحقق فوائد مزدوجة من خلال تطوير الشبكة السورية نفسها وتعزيز الربط الإقليمي، بحسب محمد.
وأوضح أن الظروف الدولية الحالية قد تكون أكثر ملاءمة للمشاريع البرية المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية الإقليمية، باعتبارها مشاريع يمكن أن تحظى بدعم وتمويل دولي أكبر مقارنة بالمشروع البحري الذي قد ينظر إليه كاستثمار تركي بعيد المدى.
فيما يعتقد الجاموس أن السيناريو الأقرب في المدى المنظور هو تبادل الكهرباء بين سوريا وتركيا من جهة، سوريا ولبنان من جهة أخرى، بعد تحسن واقع الشبكة الكهربائية، مؤكدًا أن مجرد طرح هذه المشاريع يحمل مكاسب سياسية واقتصادية لسوريا، لكنه يبقى مرتبطًا أولًا بقدرة البلاد على معالجة تحديات قطاع الكهرباء داخليًا.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى