
عمال بالقرب من إحدى الحراقات في الحسكة – 11 كانون الثاني 2016 (مجلة صور)

عمال بالقرب من إحدى الحراقات في الحسكة – 11 كانون الثاني 2016 (مجلة صور)
أعادت وزارة الطاقة السورية ترتيب أسعار المازوت في السوق، بعد أيام من رفع سعر الليتر إلى 175 ليرة سورية جديدة، لتطرح ثلاثة أنواع من المادة بأسعار ومواصفات مختلفة، بينها مازوت مدعوم بسعر 115 ليرة لليتر، بالتزامن مع قرار إعادة تشغيل عدد من المصافي المحلية، بينها مصافٍ كهربائية في شمال شرقي سوريا.
ويأتي القرار في وقت تواجه فيه سوريا ضغوطًا متزايدة في سوق المحروقات، على خلفية ارتفاع تكاليف تأمين المشتقات النفطية، ودخول مصفاة بانياس في أعمال صيانة، إلى جانب احتجاجات شهدتها مناطق سورية عدة بعد رفع أسعار المحروقات.
وبحسب وزارة الطاقة، ستخصص كامل كمية المازوت الناتجة عن المصافي المحلية التي ستعاد إلى العمل لتأمين الفئة المدعومة البالغ سعرها 115 ليرة لليتر، والمخصصة للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، بينما سيباع نوع آخر بسعر 150 ليرة لليتر لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة، إلى جانب المازوت النظامي بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة لليتر.
وتصل الطاقة المستهدفة للمصافي المحلية إلى 35 ألف برميل من النفط الخام يوميًا، على أن تعمل بإدارة وإشراف الشركة السورية للبترول، وفق ما أعلنته الوزارة في 17 من أيلول.
جاء قرار تعدد أسعار المازوت بعد أيام من رفع السعر الرسمي للمادة من 125 إلى 175 ليرة لليتر، في قرار قالت وزارة الطاقة إنه ارتبط بارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية في الأسواق العالمية، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة لنحو شهرين، وما يرافق ذلك من زيادة الحاجة إلى استيراد المشتقات النفطية الجاهزة.
وفي 17 من أيلول، أعلنت الوزارة اعتماد ثلاث فئات للمادة، وفق الاستخدام والمواصفات.
وحددت الفئة الأولى بسعر 115 ليرة لليتر، وخصصتها للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، بينما حددت سعر الفئة الثانية بـ150 ليرة، للاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة، في حين بقي المازوت بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة لليتر.
وقال وزير الطاقة محمد البشير إن الحكومة قررت تخصيص كامل إنتاج المصافي المحلية من المازوت لتأمين الفئة المدعومة بسعر 115 ليرة، على أن ينظم توزيعها بالتنسيق بين الشركة السورية للبترول والمحافظات والجهات المعنية، لضمان وصولها إلى المستفيدين.
تعود قصة المصافي المحلية في الحسكة إلى السنوات التي أعقبت خروج المؤسسات الحكومية من معظم حقول النفط في المنطقة، وسيطرة “الإدارة الذاتية” على أجزاء واسعة من شمال شرقي سوريا.
وكانت حقول رميلان والسويدية من أبرز مصادر النفط في المنطقة، بينما أدى توقف خطوط نقل النفط إلى مصافي حمص وبانياس إلى البحث عن وسائل محلية لتكرير الخام وتأمين المشتقات للسكان.
وخلال سنوات الحرب، ظهرت في مناطق عديدة من أرياف الحسكة وكذلك دير الزور مصافٍ بدائية عرفت محليًا باسم “الحراقات”، وكانت تعتمد على تسخين النفط الخام داخل أحواض وخزانات معدنية لاستخراج البنزين والمازوت والكاز.
هذه الحراقات بدأت بالانتشار خلال فترة سيطرة الفصائل المسلحة على عدد من آبار النفط عام 2012، قبل أن تعمل “الإدارة الذاتية” بعد سيطرتها على حقول رميلان على إلغاء المصافي البدائية واستبدالها بمصافٍ تعمل بالكهرباء.
“الإدارة الذاتية” اعتمدت في مرحلة لاحقة على المصافي البدائية لتأمين احتياجات المناطق الخاضعة لسيطرتها من المحروقات، قبل أن تتطور منظومة التكرير المحلية في الحسكة. فحقول رميلان كانت تضم بنية نفطية واسعة، حيث عملت “الإدارة الذاتية” على تشغيلها والاستفادة من إنتاجها.
كان الهدف من تطوير المصافي الكهربائية تأمين جزء من احتياجات المنطقة من المشتقات النفطية محليًا، في ظل صعوبة نقل النفط الخام إلى المصافي الحكومية في الساحل، لاسيما مع العلاقة المضطربة بين “قسد” والنظام السابق.
انقطاع الطرق وخطوط النقل الواصلة إلى المصافي دفع “الإدارة الذاتية” إلى الاعتماد على التكرير المحلي، بينما ظهرت لاحقًا منشآت تكرير أكثر تطورًا مقارنة بالحراقات البدائية.
وعملت شركة “الجزيرة” المرتبطة بإدارة الملف النفطي في المنطقة، على استيراد تجهيزات وقطع غيار للمصافي الكهربائية بهدف زيادة تكرير النفط المحلي.
وتتركز أبرز المنشآت التي ارتبط اسمها بالتكرير المحلي في مناطق حقول رميلان والسويدية وكرزيرو (تل عدس).
وخلال السنوات السابقة، كانت هذه المنشآت جزءًا من منظومة اقتصادية وخدمية محلية اعتمدت على النفط المستخرج من حقول المنطقة لتأمين المشتقات اللازمة للنقل والمولدات والأفران وبعض القطاعات الخدمية.
برزت أهمية هذه المنشآت مجددًا في آب الماضي، عندما توقف تزويد المصافي المحلية بالنفط الخام، ما أدى إلى توقف إنتاج كميات المازوت التي كانت مخصصة للاستخدام الخدمي في محافظة الحسكة.
في 30 من آب، دخلت المحافظة في انقطاع كامل للمازوت الخدمي بعد توقف تزويد المصافي المحلية بالنفط الخام الذي كانت تعتمد عليه لإنتاج المادة، فالكميات كانت مخصصة لوسائل النقل العام والسرافيس ومولدات الأمبيرات والأفران والمطاحن ومنشآت خدمية أخرى.
وبحسب مصدر في مديرية المحروقات بالحسكة، كانت المحافظة تحصل يوميًا على نحو ثلاثة آلاف متر مكعب من النفط الخام، ترسل إلى المصافي المحلية، وينتج عنها نحو 19 صهريجًا من المازوت يوميًا مخصصة للاستخدام الخدمي.
وجاء توقف الخام في سياق انتهاء آلية توريد النفط التي استفادت منها شركة “الجزيرة” للخدمات النفطية، بالتزامن مع انتقال إدارة ملف الحقول النفطية إلى مؤسسات الدولة.
وكانت هذه الآلية قد ارتبطت بترتيبات مؤقتة لتوزيع إنتاج النفط، قبل انتهاء مدتها.
وقبل إعلان وزارة الطاقة عن الفئات الثلاث للمازوت، عادت بعض المصافي المحلية في الحسكة إلى العمل.
ففي 10 من أيلول، أفادت مصادر محلية بإعادة تشغيل مصافي ووحدات التكرير في حقلي كرزيرو، أو تل عدس، والسويدية، بعد توقفها منذ آب.
سمح بتشغيل المصافي والحراقات في كرزيرو والسويدية لمدة ستة أشهر، وفق كميات ونسب إنتاج محددة بموجب اتفاق مع الشركة السورية للبترول. كما تحدثت مصادر عن احتمال تمديد عقد شركة “الجزيرة” ستة أشهر، لكن ذلك لم يكن معلنًا رسميًا حينها.
وجاءت إعادة التشغيل في الحسكة قبل إعلان وزارة الطاقة، في 17 من أيلول، قرار إعادة تشغيل المصافي المحلية على مستوى سوريا وتخصيص كامل إنتاجها من المازوت للفئة البالغ سعرها 115 ليرة.
وبذلك أصبحت المصافي المحلية في الحسكة جزءًا من القرار الحكومي الأوسع الخاص بالمازوت، بعدما كانت في الأسابيع السابقة مرتبطة بصورة أساسية بأزمة المحروقات في شمال شرقي سوريا.
ويرى الخبير الاقتصادي محمد عبد الله، في حديث لعنب بلدي، أن إعادة تشغيل المصافي المحلية يمكن أن تؤدي دورًا مؤقتًا في تأمين المازوت المخصص للفئة البالغ سعرها 115 ليرة، خصوصًا أن وزارة الطاقة ربطت بين إنتاج هذه المصافي وبين هذه الفئة بصورة مباشرة.
ويقول عبد الله إن أهمية الخطوة في المرحلة الحالية تتمثل في توفير مصدر محلي للمادة، بدل الاعتماد الكامل على المشتقات المستوردة، مشيرًا إلى أن تشغيل المصافي المحلية يمكن أن يساعد في توفير كميات من المازوت المدعوم خلال الفترة التي تشهد فيها المصافي الكبرى أعمال صيانة أو تحتاج فيها السوق إلى مصادر إضافية.
ويضيف أن المصافي في الحسكة تمتلك ميزة وجودها بالقرب من مناطق إنتاج النفط الخام، ما يقلل الحاجة إلى نقل الخام لمسافات طويلة قبل تكريره، لكن الكمية التي يمكن أن تصل إلى السوق ستبقى مرتبطة بالطاقة الفعلية للمصافي ونوعية الخام ونسب المشتقات الناتجة عن التكرير.
ويشير عبد الله إلى أن اعتبار المصافي حلًا مؤقتًا لا يعني أنها قادرة وحدها على تأمين احتياجات سوريا من المازوت، وإنما يمكن أن تشكل جزءًا من منظومة التزويد خلال المرحلة الحالية، على أن يتحدد أثرها بحسب الكميات المنتجة وآلية توزيعها.
ويضيف أن الفارق بين سعر المازوت المدعوم، البالغ 115 ليرة، والسعر النظامي، البالغ 175 ليرة، يجعل آلية التوزيع عنصرًا أساسيًا في تطبيق القرار، خصوصًا أن الوزارة حددت الفئة الأرخص وفق الاستخدامات والمستفيدين، وليس باعتبارها سعرًا موحدًا لجميع المستهلكين.
تضع خطة وزارة الطاقة المصافي المحلية في مرحلة جديدة من العمل، بعد سنوات ارتبط خلالها التكرير المحلي في مناطق مختلفة من سوريا بالحراقات البدائية، وبالأخص في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام السابق.
لكن حالة الحسكة تختلف عن بعض مواقع التكرير البدائي في البلاد، إذ شهدت المنطقة خلال فترة سيطرة “الإدارة الذاتية” انتقالًا من الحراقات التقليدية إلى منشآت تكرير كهربائية، في محاولة لتأمين المشتقات محليا.
واليوم، تعود هذه المنشآت إلى العمل ضمن إدارة وإشراف الشركة السورية للبترول، وفق ما أعلنته وزارة الطاقة، وبهدف معلن هو إنتاج المازوت الذي سيخصص للفئة المدعومة البالغ سعرها 115 ليرة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى