من تاريخ الكذب في عالم الصحافة
علي عيد
في دمشق، حدثني صحفي مقرب من مالك جريدة أسبوعية عن أكاذيب سياسية كانت تنشرها تلك الجريدة، التي تزعم أنها مرخصة وصادرة في باريس، في حين كان يكتب مضمونها رئيس التحرير وهو مالكها، وشخصان في مكتب صغير ضمن قبو قرب ساحة الأمويين بدمشق.
كنت واحدًا من المعجبين باللغة الرفيعة والمعلومات التي لا مجال للتحقق من صحتها ولا الحصول عليها من مصادر رسمية، ولم أكن أعرف، مثل الكثيرين، أنها كانت تؤلف قصصًا سياسية، وتخرج بعناوين بارزة عن مؤامرات دولية منها “الفتنةـ المؤامرة” حول أحداث القامشلي والمؤامرة الإسرائيلية- الأمريكية، و”عبد الحليم خدام يكسر البيضة السورية” و”ماذا قال الحريري في واشنطن عن سوريا” في إطار اتهام الشخصين بنسج مؤامرة انقلابية على نظام الأسد في سوريا، وغيرها من القصص التي تصاغ حسب الطلب.
ودون ربط، حدثني مؤخرًا صديق عن إعجابه بأعمدة رأي يكتبها أحد الأدباء العرب، وتأثره بمضامينها وعبرها، قبل أن يكتشف بأن الكاتب كان يقدم خيالات لا وقائع، فهوى صرح الكاتب في عينيه، وحدثني صحفي آخر، بلسانه، أنه اقتحم عالم الأبحاث والدراسات، لكنه غرّر بمنظمة إقليمية متخصصة، وقدم لها دراسة في كتاب كامل، مراجعها وأرقامها وهمية.
هناك عشرات القصص في عالم الصحافة المظلم، وهناك صحفيون يجيدون حرفة الكتابة، لكنهم لا يجيدون أخلاقياتها، نعم هناك “راسبوتين” صحفي موجود بيننا على الدوام، وقد لا ينكشف أمره مطلقًا، وربما يموت مع أسراره وعلومه وقصصه “الكاذبة” التي ضلّل بها الجمهور، وربما ينكشف فيحرج نفسه ومؤسسته، بل ويضعف الثقة بالصحافة والصحفيين.
تعيدني هذه السيرة إلى قصص صحفيين مخادعين اشتهرت قصصهم، بينهم ستيفن غلاس، الذي اخترع عالمًا كاملًا من القصص، ونشرها في مجلة “The New Republic”، وكان أحد أكثر الصحفيين الشباب شهرة في واشنطن في الثمانينيات من القرن الماضي.
أغرق غلاس المجلة بقصص قراصنة الإنترنت (الهاكرز)، والسياسيين، والمؤتمرات السرية، وفضائح الشركات، إلى أن شك صحفي آخر يعمل في موقع “Forbes” في قصة عن قراصنة مراهقين، تبين أنها تتحدث عن شركة لم تكن موجودة، وشخصيات وهمية يفترض أن الصحفي قابلها، وتفاصيل واستدلالات من مواقع إلكترونية تبين أنه هو الذي أنشأها بنفسه.
يقول زملاء غلاس، إنه كان “محبوبًا وساحرًا جدًا”، وهي سمة غالبة عند المخادعين، إذ يفترض أن يكونوا أذكياء مثل غلاس.
أما جانيت كوك فهي الأخرى فازت بجائزة “البوليتزر” عبر قصة اخترعتها ونشرتها في صحيفة “The Washington Post”.
قصة تحقيق كوك تحدثت عن طفل أمريكي عمره ثماني سنوات، مدمن على الهيروين، بعنوان “Jimmy’s World”.
نشرت القصة المؤثرة عام 1981، وبعد فوزها بجائزة “بوليتزر” بدأ مهتمون محاولات العثور على الطفل “جيمي”، لكنه كان مخلوقًا من خيال الكاتبة.
اعترفت كوك، ثم جرى سحب الجائزة وقيمتها المالية ثم تمت إعادة فحص إجراءات التحقق داخل المؤسسة “الواشنطن بوست”.
ولمن يكررون استخدام شخصيات وهمية في تقاريرهم، مستغلين بيئات محلية يتعذر التحقق فيها من شخصياتهم وشهودهم، نتذكر قصة الصحفي جيسون بلير، الذي أغرق “The New York Times” بمقابلات وهمية، عام 2003، إذ اقتبس أجزاء واسعة من تقارير منشورة لصحفيين آخرين، كتب عن أماكن لم يكن موجودًا فيها، وأعاد تدوير تفاصيل من قصص قديمة.
كان بلير مراسلًا يكتب تقارير ميدانية من أماكن مختلفة لم يسافر إليها أصلًا.
واضطرت “النيويورك تايمز” لإجراء تحقيق داخلي ونشر نتائجه كاشفة عن فشل تحريري، تسبب في استقالة رئيس التحرير التنفيذي هاول رينز ومدير التحرير جيرالد بويد.
بخلاف زملائها، تورطت الصحفية سابرينا روبن إردلي في تحقيق ليتبين أنها لم تقابل الضحية الأساسية، ما تسبب في اختلاق وقائع غير موجودة، واتهامات لأشخاص دون وجه حق.
كانت إردلي كاتبة مستقلة تسهم في “Rolling Stone”، وهي مجلة أمريكية شهيرة متخصصة في الموسيقا والثقافة الشعبية والسياسة.
في عام 2014 كتبت تحقيقًا مطولًا نشرته المجلة بعنوان “اغتصاب في الحرم الجامعي” (A Rape on Campus)، عن طالبة في جامعة فرجينيا عُرفت في المقال باسم مستعار “جاكي”، مدعية تعرضها لاعتداء جنسي جماعي داخل منزل أخوية طلابية عام 2012.
القصة تحولت إلى قضية رأي عام وأثارت ضجة وطنية هائلة، لكن خلال أسابيع بدأت تظهر تناقضات في الرواية. من أبرز المشكلات أن إردلي لم تتحقق بشكل مستقل وكافٍ من الرواية المركزية، ولم تحصل على تأكيدات من أشخاص كان يفترض أن يكونوا قادرين على تأكيد بعض التفاصيل الأساسية.
بعد ذلك كلّفت المجلة فريقًا بمراجعة ما حدث، خلص إلى أن القصة كانت نتيجة إخفاقات صحفية يمكن تجنبها في جمع المعلومات والتحقق منها.
لاحقًا سحبت المجلة المقال رسميًا واعتذرت، واتهمت الصحفية بالتشهير بمسؤولة سابقة في جامعة فرجينيا ظهرت في المقال بصورة سلبية.
مثل هؤلاء يمكن أن يشكلوا فرصة لمراجعة أساليب التحقق، وكذلك توعية الجمهور بأن هناك صحافة بلغة مدهشة، ومحتوى مدفوع الثمن، مثل صحيفة “قبو الأمويين”، وللكذب مدارس وفنون.. وللحديث بقية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :



