
أهالي بلدة غباغب بريف درعا ينظمون وقفة تضامنية للمطالبة بمحاسبة قتلة الطفلة فرح حمود - 21 تموز 2026 (تجمع أحرار حوران/فيسبوك)

أهالي بلدة غباغب بريف درعا ينظمون وقفة تضامنية للمطالبة بمحاسبة قتلة الطفلة فرح حمود - 21 تموز 2026 (تجمع أحرار حوران/فيسبوك)
عنب بلدي – آلاء شعبو
خبّأ وجهه بيديه الصغيرتين واحتمى بشرشف أبيض على السرير، بينما كان يبكي ويحاول الابتعاد عن مصدر الخوف أمام الكاميرا.
في مقطع مصور متداول لطفل لم يتجاوز عامه الثاني، يظهر شخص بالغ وهو يعنّفه، ويوجه إليه عبارات قاسية في أثناء ضربه، بينها قوله: “يلا موت، خلصني”، قبل أن يرمي عليه كرسيًا، بينما يستمر الطفل بالبكاء والاختباء.
هذا المشهد، وهو ليس حالة منفردة، أثار نقاشًا عامًا حول حماية الأطفال، وفتح ملفًا أوسع حول أشكال العنف التي قد تبقى مخفية داخل الأسر، قبل أن تظهر إلى العلن أو تتحول إلى أذى يصعب تداركه.
جاء ذلك بعد سلسلة حوادث مقتل أطفال خلال فترة زمنية قصيرة، بدأت بمقتل الطفلة فرح عمار الحمود في بلدة غباغب بريف درعا، بعد العثور عليها متوفاة عقب أيام من اختفائها، قبل أن تُسجل قضيتا الطفلة نور مهند الدوس في درعا، والطفلة غلا في دير الزور، وسط تحقيقات أشارت إلى تعرض الضحايا لأفعال جنائية.
لا ترى الباحثة في علم الاجتماع غدران نجم أن جرائم قتل الأطفال الأخيرة يمكن التعامل معها كحالات فردية منفصلة، بل تعتبرها مؤشرًا على بيئة اجتماعية ونفسية أكثر تعقيدًا تحيط بالأطفال والأسر.
وأوضحت نجم، لعنب بلدي، أن العنف الذي يصل إلى أقصى درجاته لا يظهر غالبًا بشكل مفاجئ، بل قد يكون نتيجة تراكم عوامل عدة، من بينها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وآثار سنوات الحرب والنزوح، وضعف شبكات الدعم الاجتماعي التي كانت تشكل في السابق مساحة للتدخل أو الحماية.
وترى أن بعض الأسر تعيش تحت ضغوط متواصلة تؤثر في طريقة تعاملها مع الأطفال، سواء بسبب الظروف المعيشية الصعبة، أو التوترات داخل الأسرة، أو غياب المعرفة بأساليب التعامل التي تحمي الطفل وتحافظ على سلامته النفسية.
وأشارت نجم إلى أن ضعف آليات الحماية والإنذار المبكر يمثل أحد العوامل التي تسمح باستمرار الخطر، موضحة أن مؤشرات العنف قد تظهر قبل وقوع الجرائم، سواء عبر الإهمال، أو التوتر الأسري المزمن، أو استخدام العنف كوسيلة للتربية، أو غياب شخص يستطيع الطفل اللجوء إليه عند تعرضه للأذى.
وأضافت أن الطفل الذي يعيش في بيئة يسودها الخوف قد يفقد تدريجيًا قدرته على التعبير عن معاناته أو طلب المساعدة، ما يجعل اكتشاف الخطر أكثر صعوبة، ويزيد احتمال استمرار دائرة العنف.
وترى الباحثة أن التعامل مع هذه الجرائم يحتاج إلى تجاوز رد الفعل بعد وقوعها، نحو بناء منظومة حماية تبدأ من اكتشاف الإشارات المبكرة، ودعم الأسر، وتعزيز دور المؤسسات القادرة على التدخل قبل أن يتحول العنف إلى جريمة.
العنف الذي يصل إلى أقصى درجاته لا يظهر غالبًا بشكل مفاجئ، إنما يتكون نتيجة تراكم عدة عوامل.
غدران نجم
باحثة اجتماعية
لا يرتبط العنف ضد الأطفال فقط بالحالات التي تصل إلى المحاكم أو تتحول إلى جرائم، إذ تبدأ بعض أشكاله داخل المنزل من ممارسات يعتبرها بعض الأهالي وسائل للتأديب أو ضبط السلوك، مثل الصراخ أو الإهانة أو الضرب، ولا تبدأ كل أشكال العنف بالاعتداءات التي تصل إلى العلن، إذ قد تمر بعض الممارسات اليومية تحت مسميات تربوية قبل أن تكشف آثارها على الطفل.
وأوضحت الباحثة في علم الاجتماع غدران نجم أن المشكلة لا تكمن في حادثة العنف وحدها، بل في الطريقة التي يُنظر بها إلى بعض أشكاله داخل المجتمع، عندما يصبح الصراخ أو الضرب أو الإهانة سلوكًا عاديًا لا يستدعي التدخل.
وأضافت أن كسر هذه الدائرة يحتاج إلى تغيير النظرة إلى التربية، بحيث لا تكون السيطرة على الطفل مرتبطة باستخدام القوة، وإنما بوجود أساليب بديلة تقوم على الحوار ووضع الحدود الواضحة دون إيذاء.
كما أن انتشار مقاطع التعنيف التي تظهر على منصات التواصل الاجتماعي بشكل متكرر كشف أن بعض الأطفال يعيشون أشكالًا من الأذى قبل أن تصل قضاياهم إلى الجهات المختصة، ما يطرح تساؤلات حول دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في اكتشاف هذه الحالات والتعامل معها مبكرًا.
تشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، في حزيران 2024، إلى أن نحو 400 مليون طفل دون سن الخامسة حول العالم يتعرضون بانتظام لعنف نفسي أو عقاب جسدي، ما يعكس انتشار أشكال من العنف تبدأ في مراحل مبكرة من حياة الطفل.
وترى دراسات ومنظمات دولية أن آثار هذه الممارسات لا تتوقف عند الألم الجسدي، بل قد تمتد إلى جوانب متعددة من حياة الطفل، بينها ثقته بنفسه، وقدرته على التعلم، وطريقة بناء علاقاته مع الآخرين.
ويظهر هذا الجانب في الحالات التي لا تصل إلى العلن، إذ قد ينظر بعض الأهالي إلى “الضرب الخفيف” أو العقاب الجسدي باعتباره وسيلة تربوية مقبولة، رغم أن مختصين في العلوم التربوية يرون أن اعتماد الخوف في العلاقة بين الطفل ومقدمي الرعاية قد يؤثر في شعوره بالأمان ويغير طبيعة العلاقة داخل الأسرة.
رغم أهمية وجود تشريعات تجرّم العنف ضد الأطفال، لا يمكن أن تعتمد حماية الطفل على القانون وحده، إذ تحتاج إلى منظومة أوسع تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمؤسسات الاجتماعية والجهات المعنية بالحماية.
وأشارت نجم إلى أن التدخل المبكر يمثل أحد أهم العوامل في الحد من تحول العنف إلى نتائج خطيرة، موضحة أن كثيرًا من الحالات تسبقها إشارات يمكن ملاحظتها، مثل التوتر الأسري المستمر، أو تغير سلوك الطفل، أو تعرضه للإهمال والعزلة.
وأوضحت أن وجود جهات متخصصة قادرة على استقبال الشكاوى ومتابعتها، إلى جانب تدريب العاملين في المدارس والخدمات الاجتماعية على اكتشاف مؤشرات الخطر، يمكن أن يساعد في الوصول إلى الأطفال قبل تفاقم المشكلة.
كما ترى أن دعم الأسر يشكل جزءًا أساسيًا من عملية الحماية، لأن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تواجه بعض الأهالي قد تزيد من احتمالات استخدام أساليب عنيفة في التعامل مع الأطفال، ما يجعل توفير الإرشاد والدعم جزءًا من الوقاية.
ولا تقتصر مسؤولية حماية الطفل، بحسب نجم، على محاسبة المعتدي بعد وقوع الجريمة، بل تشمل بناء بيئة تمنح الطفل شعورًا بالأمان، وتتيح له التعبير عن الخوف أو الأذى دون أن يواجه الصمت أو التجاهل.
لا تتوقف حماية الأطفال من العنف عند تشخيص أسبابه الاجتماعية والنفسية، إذ يبقى وجود إطار قانوني واضح وآليات تدخل فعالة عاملًا أساسيًا في منع تكرار الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة العدل السورية إعداد مشروع قانون لمواجهة العنف الأسري، يتضمن آليات للحماية والوقاية، وإنشاء جهات متخصصة للتعامل مع قضايا العنف الأسري، إضافة إلى إجراءات لحماية الضحايا وتشديد العقوبات على مرتكبي العنف.
وأوضح المحامي ضياء بدر الدين، في حديث إلى عنب بلدي، أن مشروع القانون المقترح يتضمن منظومة متكاملة للحماية والوقاية تستهدف أفراد الأسرة، ولا سيما النساء والأطفال، إلى جانب استحداث آليات شرطية وقضائية متخصصة للتعامل مع قضايا العنف الأسري.
وأشار بدر الدين إلى أن المشروع يتجه نحو تعزيز إجراءات حماية الضحايا، وتوفير الرعاية والدعم اللازمين لهم، بدل اقتصار التعامل مع قضايا العنف على مرحلة ما بعد وقوع الضرر.
وترى الباحثة في علم الاجتماع غدران نجم أن وجود التشريعات يمثل خطوة مهمة، لكن الحماية الفعلية للأطفال تبقى مرتبطة بقدرة المؤسسات على تحويل النصوص القانونية إلى إجراءات عملية تبدأ برصد مؤشرات الخطر والتدخل المبكر.
وأوضحت أن فعالية أي قانون لا تقاس فقط بالعقوبات التي يفرضها، بل بمدى قدرة المؤسسات المعنية على الوصول إلى الحالات المعرضة للخطر، وتوفير بيئة آمنة للأطفال قبل تحول العنف إلى جريمة يصعب تدارك نتائجها.
الجريمة ليست دائمًا نقطة البداية، بل قد تكون نهاية لمسار طويل من الإهمال والصمت وغياب التدخل.
غدران نجم
باحثة اجتماعية
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى