
"الخوابي" حصن أثري فريد بريف طرطوس يختزل التاريخ العسكري للعصور الوسطى ويمتزج بطبيعة ساحلية ساحرة - 1 تموز 2026 (دائرة آثار طرطوس/فيسبوك)

"الخوابي" حصن أثري فريد بريف طرطوس يختزل التاريخ العسكري للعصور الوسطى ويمتزج بطبيعة ساحلية ساحرة - 1 تموز 2026 (دائرة آثار طرطوس/فيسبوك)
عنب بلدي – شعبان شاميه
تتربع قلعة “الخوابي” التاريخية على قمة جبلية في منطقة الشيخ بدر بريف طرطوس، مشكّلة واحدة من أبرز الحصون الأثرية في الساحل السوري، إذ تبعد نحو 20 كيلومترًا إلى الشمال الشرقي من مركز المحافظة، لتقف شاهدًا حيًا على التاريخ العسكري والسياسي لسوريا خلال العصور الوسطى.
تختزل القلعة في تفاصيلها مزيجًا فريدًا يجمع بين القيمة التاريخية والمعمارية الاستثنائية، وبين المقومات الطبيعية الساحرة، إذ تمنح زوارها إطلالات بانورامية خلابة على سلاسل الجبال الساحلية المحيطة بها.
هذا التناغم بين الحصانة العسكرية وجمال الموقع، يجعل منها مقصدًا سياحيًا وثقافيًا واعدًا، وكنزًا أثريًا يختصر قرونًا من الصراعات والاستراتيجيات الدفاعية، يترقب الاستثمار والترميم لتستمر جدرانه في البوح بأسرار المعارك التي غيّرت وجه المنطقة.
في قراءة للمرتكزات التاريخية واللغوية لهذا الحصن، أوضح الاختصاصي في التاريخ الاجتماعي الثقافي والعمراني الحديث الدكتور رفعت عثمان، في حديث إلى عنب بلدي، أن اسم “الخابي” يعود في أصله إلى الكلمة الآرامية “الخابية”، التي تعني مكان الحفظ والتخزين.
وقال عثمان، إن بعض المصادر التاريخية تطلق على القلعة أيضًا اسم “الخوابي”، وهي تسمية ترتبط مباشرة بالطبيعة المعمارية للموقع، ونسبة إلى الأقبية والمخازن الكثيرة المنتشرة تحت الأرض في القلعة، والتي كانت تُستخدم لتأمين المؤن والذخائر.
يمتد العمر الزمني للقلعة إلى القرن العاشر الميلادي، إذ بُنيت، بحسب الدكتور عثمان، في عهد الدولة العباسية لتكون مركزًا عسكريًا متقدمًا لـ”جند حمص”.
ومع تبدّل موازين القوى في المنطقة، خضعت القلعة لسيطرة البيزنطيين الذين أعادوا ترميمها وتدعيمها خلال القرن الـ11 الميلادي.
ومع مطلع القرن الـ12، وتحديدًا في عام 1109 م، تولى حكم القلعة أحد الزعماء المحليين وهو محمد بن علي بن حامد، الذي قام لاحقًا بتسليمها إلى الصليبيين في فترة تمددهم على الساحل السوري، إذ عُرفت في وثائقهم وتأريخهم باسم حصن “Cable”.
المحطة الأبرز في تاريخ القلعة بدأت نحو عام 1140، حين انتقلت إلى حكم النزاريين بقيادة “أبو محمد المينقي”، لتنضم رسميًا إلى منظومة “قلاع الدعوة الإسماعيلية”.
ونوّه الأكاديمي رفعت عثمان إلى ملمح مهم في هوية القلعة خلال تلك الحقبة، إذ لم تكن “الخوابي” مركزًا دينيًا بالمعنى المباشر، بل تميزت بوصفها مقرًا متكاملًا لإدارة المجتمع المحلي المحيط بها، ومكانًا استراتيجيًا لإقامة الحاميات العسكرية وتنظيم الموارد الاقتصادية والزراعية.
وقد بلغت القلعة أوج قوتها وتحصينها في عهد راشد الدين سنان (المعروف بـ”شيخ الجبل”)، الذي أشرف على عملية توسيعها وتعزيز تحصيناتها الهندسية عام 1160، لتتحول إلى ركيزة أساسية وعقدة وصل حيوية ضمن شبكة القلاع النزارية الحصينة في جبال الساحل، إلى جانب قلعتي “مصياف” و”الكهف”.
وأشار عثمان إلى أن القلعة واجهت حصارًا إبان الحروب الصليبية، برز منه حصار عام 1213، الذي سُوّي عبر الوساطة.
وعقب تلك الحقبة، ضمّها السلطان الظاهر بيبرس إلى الدولة المملوكية عام 1273، لتغدو لاحقًا خلال العهد العثماني مركزًا إداريًا وناحية تتبع مناطق عدة في الساحل السوري، قبل أن تطورها سواعد سكانها تدريجيًا وتصبح قرية سكنية أثرية قائمة حتى يومنا هذا.

“الخوابي” حصن أثري فريد بريف طرطوس يختزل التاريخ العسكري للعصور الوسطى ويمتزج بطبيعة ساحلية ساحرة – 1 تموز 2026 (دائرة آثار طرطوس/فيسبوك)
فيما يتعلق بالهندسة العمرانية، قال الدكتور عثمان إن القلعة تربض فوق هضبة صخرية استراتيجية، تطوقها الوديان ومجرى نهر “الخوابي” من جانبين، وتمتد على مساحة بطول 350 مترًا وعرض 200 متر.
ولا يمكن الدخول إلى هذا الحصن إلا عبر بوابة رئيسة وحيدة من الجهة الشرقية يتم الوصول إليها عبر سلم حجري، إذ تتركز في هذا الجانب أبرز التحصينات العسكرية، بينما تتوسط القلعة منطقة محمية بجدران مزدوجة وطريق ضيق يتفرع إلى أزقة.
وبالانتقال إلى الحارات والأقسام الداخلية، تنقسم القلعة إلى مستويين، يبرز في أولهما “حارة سنان راشد الدين” التي تشكل القسم العلوي، وتضم أقبية قديمة ومرابط للخيل، إلى جانب مسجد أُعيد تجديده في العهد العثماني.
أما المستوى الثاني فتجسده “حارة السقي”، التي تحتضن أطلالًا وجدرانًا وأقبية تعود إلى العصور الوسطى، فضلًا عن غرف مخصصة لتخزين المياه.
تحت الأرض، تشتهر القلعة بشبكة من الأقبية الحجرية الشاسعة التي وُظفت تاريخيًا للأغراض العسكرية والتموين، إذ يتكامل هذا المشهد المعماري، وفق عثمان، بالاعتماد على الصخور الكلسية في البناء، مع تطويع التضاريس الطبيعية بحرفية لتعزيز المنظومة الدفاعية، وهو ما أكسب هذا المعلم الأثري حصانة استثنائية جعلته من أكثر قلاع المنطقة صمودًا في وجه الحصارات.
اعتبر الأكاديمي أن هذا المعلَم التاريخي يمر بمرحلة حرجة جراء تحديات متداخلة، يأتي في صدارتها تآكل جدرانه ومنشآته جراء التقادم وعوامل التعرية الطبيعية.
ولفت إلى الخطورة البالغة التي يشكلها التمدد العمراني الحديث داخل الحرم الأثري، الذي أدى إلى تشويه ومحو بعض ملامحه الأصلية، منتقدًا في الوقت ذاته غياب أعمال الترميم الدوري، وتأرجح التدفقات السياحية، داعيًا إلى التدخل العاجل عبر برامج توثيق وحفظ علمية تضمن صون هذا الإرث للأجيال القادمة.
يرسم الدكتور عثمان، في حديثه لعنب بلدي، خارطة طريق متكاملة لإنعاش قلعة “الخوابي” بريف طرطوس، واضعًا الرأي العام والجهات المعنية أمام رؤية استراتيجية لإنقاذ هذا المعلَم التاريخي الفريد.
وشدد في رؤيته على الجانب الهيكلي والمعماري للموقع، مبينًا أن الخطوة الأولى والأساسية تنطلق من تنفيذ أعمال ترميم علمية دقيقة تخضع بالكامل للمعايير الدولية، بهدف الحفاظ الصارم على المواد الأصلية للقلعة قدر الإمكان وحمايتها من التشويه.
ويتكامل هذا المسار مع ضرورة إزالة أو تنظيم المباني الحديثة العشوائية التي تشوّه الطابع الأثري العام للموقع، بالتوازي مع إطلاق مشروع وطني لإجراء توثيق رقمي شامل وجامع للقلعة، يعتمد على تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد والمسح الليزري، لضمان أرشفة تفاصيلها هندسيًا وتاريخيًا.
وينتقل عثمان إلى ملف الخدمات والربط اللوجستي، مؤكدًا ارتباط النهوض بالقلعة بالتطوير الحقيقي لبنيتها التحتية السياحية، عبر تحسين وتوسيع الطرق المؤدية إليها وتأهيل مواقف منظمة للسيارات والحافلات.
ويأمل عثمان في تأسيس مركز متطور يضم خرائط تفصيلية، ومجسمات توضيحية، ومادة علمية وتاريخية موثقة بعدة لغات لتسهيل تجربة السائح الأجنبي والمحلي، ونشر لوحات إرشادية في زوايا الموقع تشرح المعالم الأثرية ومسارات الزيارة المعتمدة، مع الارتقاء بخدمات النظافة وتجهيز أماكن استراحة تليق بالزوار.
وفيما يخص آليات التسويق وجذب الأنظار للموقع، يرى الأكاديمي أن الترويج السياحي لقلعة “الخوابي” يتطلب خطة عصرية، تبدأ بإدراجها رسميًا ضمن المسارات السياحية الكبرى التي تضم قلاع الساحل السوري الشهيرة.
وحث على مواكبة التطور عبر إنتاج أفلام وثائقية احترافية وجولات افتراضية تفاعلية تعرّف بالموقع، مع استغلال قوة وسائل التواصل الاجتماعي للتسويق للقلعة على الصعيدين المحلي والدولي، تزامنًا مع تنظيم فعاليات ومهرجانات ثقافية وتراثية دورية تعكس عمق تاريخ هذه المنطقة.
وربط عثمان نجاح هذه الخطة السياحية بمدى احتضان المجتمع المحلي لها وبُعدها التنموي المستدام، داعيًا إلى تدريب وتأهيل أبناء المنطقة للعمل كمرشدين سياحيين، وتشجيع الحرف التقليدية والصناعات اليدوية التراثية عبر توفير منافذ لبيعها للزوار.
كما طالب بتقديم الدعم الفني والتسهيلات للمشاريع الصغيرة كالمطاعم الريفية وبيوت الضيافة التقليدية التي تمنح الزائر تجربة أصيلة، مركّزًا في الوقت ذاته على أهمية التوعية الشعبية والأكاديمية من خلال نشر الوعي بحماية الموقع من التخريب والتعديات، وإعداد برامج تعليمية مخصصة وتنظيم زيارات مدرسية وجامعية دورية لربط الأجيال الشابة بتاريخ وجذور قلعة “الخوابي”.
يرى عثمان أن تطبيق هذه الخطة المتكاملة سيُحدث نقلة نوعية تضمن صون القيمة التاريخية والمعمارية الاستثنائية لقلعة “الخوابي”، بما يسهم في تعميق الهوية الثقافية والتراثية لدى المجتمع المحلي ويرسخ ارتباطه بجذوره الحضارية.
ويتوقع الأكاديمي أن يؤدي ذلك إلى تدفق سياحي لافت ينعش الحركة الاقتصادية في المنطقة بأسرها، مفسحًا المجال أمام فرص عمل حقيقية ومتنوعة للسكان المحليين ترتقي بمستواهم المعيشي وتجعلهم شركاء أساسيين في حماية هذا الإرث المستدام.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى