خبير يحلل الأثر ويطرح البدائل..

من يدفع كلفة انزياح دمشق عن استيراد النفط الروسي؟

ناقلة محملة بمادة البانزين ترسو في مصب بانياس البحري - 21 شباط 2026 (الشركة السورية للبترول)

camera iconناقلة محملة بمادة البانزين ترسو في مصب بانياس البحري - 21 شباط 2026 (الشركة السورية للبترول)

tag icon ع ع ع

في خطوة عكست تحولًا في سياسة الطاقة السورية، وافقت دمشق على خفض وارداتها من النفط الروسي، في إطار مناقشاتها الجارية مع واشنطن بشأن رفع آخر العقوبات الرئيسية المفروضة على سوريا، والمتمثلة في إدراجها على قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ويأتي هذا التطور في وقت تحولت فيه روسيا إلى المورد الرئيسي للنفط الخام إلى سوريا، مع قفز شحناتها بنسبة 75% منذ بداية 2026 لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يوميًا، وسط تساؤلات عن قدرة دمشق على تأمين بدائل دون المخاطرة بأزمة وقود حادة، وعن التكلفة الاقتصادية والسياسية لهذا التحول.

دمشق توافق على خفض استيراد النفط الروسي

وكانت وكالة “رويترز“، كشفت في تقرير نشرته في 4 من آب، أن مسؤولين سوريين كبارًا أبلغوا الولايات المتحدة، خلال الأشهر الأخيرة، باستعدادهم لتقليل واردات النفط الروسي أثناء مناقشتهم قيام واشنطن بإزالة سوريا من القائمة، وفقًا لمصدر سوري مطلع على المحادثات ومسؤول أمريكي ومصدر آخر مطلع على الأمر.

وذكر المسؤول الأمريكي والمصدر المطلع أن واشنطن طلبت وحصلت على التزام من سوريا بخفض واردات النفط الروسي بشكل كبير، فيما أوضح المصدر السوري أن المسؤولين الأمريكيين أبلغوا نظراءهم في دمشق أن إنهاء شراء النفط الروسي من شأنه أن “يحسن فرص رفع تصنيف SST (قائمة الدول الراعية للإرهاب) بسرعة ودون تعقيدات”.

تنويع المصادر.. ضرورة استراتيجية لا رفاهية

الباحث في مجال الطاقة الدكتور مصعب الشبيب، يرى من منظور الطاقة والجيوسياسة أن التعامل مع النفط الروسي يجب أن ينطلق من الواقعية لا من العواطف السياسية، فتنويع مصادر الطاقة هدف استراتيجي مهم بدأته سوريا فعلًا بعد سقوط النظام السابق.

وأوضح شبيب، في حديث إلى عنب بلدي، أن الاعتماد على النفط الروسي خلال عهد النظام السابق كان مرتفعًا جدًا، وقد اقترب في بعض الفترات من 70% من الواردات النفطية، لكنه تراجع تدريجيًا مع تنوع المصادر ليقترب من حدود 35% أو أقل وفق تقديرات متفاوتة.

لكنه حذّر من أن هذا التراجع لا يعني أن التخلي السريع عن النفط الروسي هو الخيار الأفضل اليوم، فسوريا لا تزال في مرحلة إعادة بناء قطاعها النفطي، وإنتاج الآبار والحقول المحلية لم يستعد بعد مستويات مقبولة، فيما تشهد المنطقة تحولات واضطرابات متسارعة.

وشدد على أن النفط الروسي، حتى مع الاختلاف السياسي مع موسكو وموقفها السابق من النظام البائد، يبقى موردًا مهمًا يمكن الاستفادة منه ضمن سلة متعددة المصادر، فسوريا اليوم بحاجة إلى الجميع، ولا تريد استبدال تبعية بتبعية أخرى، بل تريد شبكة علاقات متوازنة مع روسيا والولايات المتحدة وتركيا والدول العربية وسائر الشركاء.

خفض الواردات ليس محركًا لتطوير الإنتاج المحلي

من منظور الطاقة، لم يرَ شبيب أن خفض الواردات الروسية بحد ذاته سيكون العامل الذي يسرّع تطوير الإنتاج المحلي، فتطوير القطاع النفطي عملية تراكمية تحتاج إلى سنوات من العمل والاستثمار، ولا تقتصر على إعادة تأهيل الآبار فحسب.

وأشار إلى أن العملية تشمل منظومة متكاملة: استقدام وتوطين التكنولوجيا، وإعادة تنشيط الآبار المتضررة أو المستنزفة عبر تقنيات مثل التحفيز الحمضي والتكسير الهيدروليكي والرفع الاصطناعي وإعادة الحقن بالماء أو الغاز، إضافة إلى تأهيل محطات المعالجة والفصل والضخ وشبكات النقل وأنظمة المراقبة والتحكم الصناعي مثل “SCADA” و”PLC” و”DCS”.

العقوبات السابقة لم تكن تؤثر فقط في التمويل، وإنما في القدرة على استقدام المعدات والتقنيات والخبرات والشركات المتخصصة، لذلك فإن الوصول من أكثر من 100 ألف برميل يوميًا إلى 200 ألف برميل ليس مجرد هدف إنتاجي، بل يحتاج إلى بيئة استثمارية مستقرة وتكنولوجيا وتمويل وشراكات دولية.

وخلص الخبير إلى أن الأفضل لسوريا هو تأمين احتياجاتها الحالية من مصادر متعددة، بما فيها النفط الروسي، بالتوازي مع بناء قطاع نفطي محلي قادر تدريجيًا على تقليص الحاجة إلى الاستيراد، فالهدف النهائي ليس استبدال مورد بمورد، وإنما استعادة أمن الطاقة والسيادة على القرار النفطي.

مخاطر الاستغناء السريع

قال شبيب إن استبدال كميات النفط الخام الروسي لا يمكن أن يتم بين عشية وضحاها دون المخاطرة بوجود نقص في الوقود، فالتجربة الأخيرة أثبتت أن سوق الطاقة السورية لا يزال هشًا أمام الاضطرابات الإقليمية.

وأوضح أنه عند حدوث اضطرابات في خطوط الملاحة أو في مضيق هرمز، تظهر سريعًا اختناقات في الإمدادات، وهذا يعني أن المشكلة ليست فقط في كمية النفط المتاحة، وإنما في قدرة سوريا على تأمين تدفق مستمر ومستقر للطاقة، ويزداد هذا التحدي مع محدودية طاقات التخزين الاستراتيجي المحلية.

ولذلك، يرى شبيب أن الحل ليس الاستمرار في الاعتماد على مصدر واحد، ولا التخلي عنه بشكل مفاجئ، وإنما بناء منظومة أمن طاقة متعددة الطبقات، تشمل عقود توريد طويلة الأمد مع أكثر من مورد، وتطوير الإنتاج المحلي، وإنشاء احتياطي استراتيجي.

واقترح أن تدرس سوريا، في المرحلة الانتقالية، استئجار خزانات نفطية كبيرة في دول مجاورة تمتلك بنية تخزينية متطورة، مثل تركيا، بحيث تُستخدم هذه المخزونات كاحتياطي يُسحب منه عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات، ما يمنح سوريا هامش أمان زمنيًا، فلا تتحول كل أزمة إقليمية عابرة إلى أزمة وقود داخلية.

كلفة الاستبدال

أما عن احتمال أن يؤدي التحول المفاجئ إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد على سوريا في حال اضطرارها للجوء إلى أسواق بديلة بأسعار أعلى أو عبر وسطاء، فأكد شبيب أن هذا أحد أهم المخاطر الاقتصادية للتحول المفاجئ.

وأوضح أن استبدال النفط الروسي لا يعني بالضرورة شراء الكمية نفسها بالسعر نفسه، فقد تضطر سوريا إلى التعامل مع موردين أبعد أو وسطاء إضافيين أو خامات تختلف في مواصفاتها، ما يرفع كلفة النقل والتأمين والتمويل والتكرير.

ولإعطاء صورة تقريبية، قدّر شبيب أنه إذا افترضنا أن سوريا اضطرت إلى استبدال نحو 60 ألف برميل يوميًا من الواردات الروسية، وأن البديل كلّفها فقط 5 دولارات إضافية للبرميل، فإن العبء الإضافي يبلغ نحو 110 ملايين دولار سنويًا، وإذا ارتفع الفارق إلى 10 دولارات فالرقم يصل إلى نحو 219 مليون دولار، وقد يبلغ نحو 328 مليون دولار سنويًا إذا بلغ الفارق 15 دولارًا للبرميل.

وهذه ليست توقعات مؤكدة، وإنما سيناريوهات مالية لتقدير حجم المخاطرة.

صندوق أمان طاقي ..وآلية لامتصاص الصدمات

في ضوء هذه المخاطر، طرح شبيب مقترحًا للتفكير جديًا في إنشاء “صندوق الأمان الطاقي السوري”، يموّل تدريجيًا من جزء من عوائد النفط والغاز، ورسوم أو هوامش محددة على تجارة المشتقات، ومساهمات استثمارية أو تمويلية خارجية.

وأوضح أن مهمة الصندوق المقترح ليست دعم الاستهلاك بشكل دائم، وإنما امتصاص الصدمات المؤقتة، فإذا ارتفعت كلفة الاستيراد العالمية بصورة استثنائية يتدخل الصندوق لتعويض جزء من الفارق والحفاظ على استقرار أسعار الوقود داخليًا، ثم يُعاد تكوين احتياطه عندما تنخفض الأسعار.

وقدّر أنه إذا كان الفارق الاستثنائي 10 دولارات للبرميل مثلًا، فإن صندوقًا بحجم أولي يتراوح بين 200 و300 مليون دولار يمكن أن يوفر هامش حماية مهمًا لسوريا في مواجهة صدمات مؤقتة بهذا الحجم.

وشدد على أن الفكرة الأساسية هي ألا يدفع المواطن السوري ثمن كل اضطراب جيوسياسي عالمي مباشرة في سعر البنزين والمازوت، فالسوق بحاجة إلى آلية مالية تمتص الصدمات وتحمي السوق والمستهلك، إلى جانب التخزين الاستراتيجي والعقود طويلة الأجل وتنويع الموردين ورفع الإنتاج المحلي.

المصافي السورية.. هل تستقبل البدائل دون تعديلات؟

وعن جاهزية المصافي السورية لاستقبال نفط غير روسي، أوضح شبيب أن مسألة استبدال النفط الروسي ليست بالبساطة التي قد توحي بها عبارة “يمكن للمصافي السورية استقبال النفط الأمريكي أو الخليجي”.

المصفاة لا تتعامل مع النفط بوصفه مادة واحدة، وإنما مع ما يسمى سلة الخام، ولكل خام كثافته ونسبة الكبريت والمعادن والمنحنى التقطيري ومحتوى الشوائب، وهذه الخصائص تحدد كيف ستعمل وحدات التقطير والتحويل والمعالجة.

مصفاتا حمص وبانياس قادرتان من حيث المبدأ على التعامل مع أنواع مختلفة من الخامات، وقد شهدت بانياس بالفعل أعمال صيانة وتحديث، كما طُرحت مناقصات رسمية لخام خفيف.

لكن تشغيلهما بكفاءة عالية على خامات جديدة وبكميات كبيرة يحتاج، بحسب الخبير، إلى دراسات توافقية وقد يستدعي تعديلات في وحدات التقطير والمبادلات الحرارية ووحدات نزع الكبريت والهيدروجين والمحولات الحفزية وأنظمة استرجاع الغازات.

سوريا تقوم حاليًا بأعمال عمرات وإعادة تأهيل للمصافي، وهي خطوة ضرورية لاستعادة القدرة التشغيلية، بحسب شبيب، لكنه لا يعتقد أنها وحدها كافية لبناء صناعة تكرير تنافسية وحديثة، فالعمرات تعيد للمعدات جزءًا كبيرًا من كفاءتها، بينما المصفاة الجديدة هي فرصة لإعادة تصميم المنظومة من الأساس وفق مواصفات عالمية ومرونة أكبر في استقبال الخامات.

ويرى شبيب أن الإعلان عن مشروع مصفاة جديدة في منطقة الفرقلس، بطاقة تصميمية تقارب 150 ألف برميل يوميًا مع مجمع بتروكيميائي، مهم جدًا استراتيجيًا، وقدرت التقديرات المعلنة مدة التنفيذ بنحو ثلاث إلى أربع سنوات، مشددًا على أن المطلوب ليس فقط مصفاة أكبر، بل مصفاة حديثة ذات مرونة عالية ووحدات تحويل عميق ومعالجة هيدروجينية وأنظمة تحكم رقمية متقدمة.

حقول النفط.. هل تتحمل خطة الـ200 ألف برميل؟

أما عن خطة رفع الإنتاج المحلي إلى 200 ألف برميل يوميًا، فيرى الخبير مصعب شبيب أنها هدف طموح لكنه ليس مستحيلًا من الناحية الفنية، غير أن المشكلة أن رفع الإنتاج من أكثر من 100 ألف برميل إلى 200 ألف لا يعني ببساطة مضاعفة عدد الآبار المنتجة، بل يتطلب رفع قدرة المنظومة النفطية كاملة، من رأس البئر وحتى المصفاة.

وأوضح أن هناك آبارًا تحتاج إلى إعادة تأهيل، ومحطات ضخ وتجميع وفصل وخزانات وخطوط نقل تعرض جزء كبير منها للتضرر أو التوقف خلال سنوات الحرب، وقد بدأت فرق الشركة السورية للبترول بالفعل بإعادة تأهيل الآبار ومحطات الضخ ومنشآت التخزين والنقل، وهو أمر مهم لكنه يمثل المرحلة الأولى فقط.

وحذّر شبيب من عكس المعادلة: لا ينبغي خفض الواردات أولًا ثم انتظار ارتفاع الإنتاج المحلي، والأفضل أن يكون هناك مسار متوازٍ يجمع بين عقود استيراد انتقالية تضمن أمن السوق، وتوجيه جزء متزايد من التمويل إلى إعادة تأهيل الآبار وإعادة بناء خطوط النقل وإنشاء محطات التجميع والمعالجة وتحديث أنظمة التحكم والأتمتة.

وشدد على أن الوصول إلى 200 ألف برميل يوميًا يجب أن يُنظر إليه كمشروع وطني متكامل لإعادة بناء سلسلة القيمة النفطية، وإذا نجحت سوريا في ذلك فإن كل 10 آلاف برميل يوميًا إضافية من الإنتاج المحلي لا تعني فقط تقليل فاتورة الاستيراد، وإنما زيادة المرونة في مواجهة الأزمات السياسية والإقليمية.

المخزون الاستراتيجي.. هامش أمان لا يتجاوز شهرين

وبخصوص المخزون الاستراتيجي السوري، قدّر شبيب أن هامش الأمان أمام سوريا ليس كبيرًا، ويمكن تقدير المخزون القابل للاستخدام بنحو شهرين كحد أقصى في الظروف الحالية، مع التأكيد أن الرقم الدقيق غير معلن رسميًا.

وحذّر من أن أي انقطاع طويل أو متكرر في الإمدادات لن يبقى محصورًا في قطاع النفط، بل سينتقل سريعًا إلى الكهرباء والنقل والتدفئة وسائر القطاعات الاقتصادية، متوقعًا أن تكون سوريا أمام احتمال تقنين الكهرباء والتدفئة خلال الشتاء المقبل إذا اجتمعت عدة عوامل في وقت واحد: تأخر شحنات الوقود، ارتفاع الطلب الشتوي، محدودية الإنتاج المحلي، وعدم كفاية المخزون الاستراتيجي.

ودعا إلى البدء بالتحضير من الآن عبر عقود توريد طويلة الأجل ومتعددة المصادر، وزيادة المخزون الاستراتيجي، وتأمين خزانات إضافية داخل سوريا أو عبر استئجار سعات تخزينية في دول مجاورة، بالتوازي مع تسريع إعادة تأهيل الحقول والمصافي.

ويرى أن الهدف يجب أن يكون بناء مخزون يغطي 60 يومًا على الأقل في المرحلة الأولى، وصولًا إلى 90 يومًا، مع وجود آلية مالية مثل “صندوق الأمان الطاقي” للتدخل عند ارتفاع الأسعار أو انقطاع الإمدادات.

الفارق السعري.. أرقام تقريبية لكلفة التنويع

وعن التكلفة الإضافية المتوقعة على ميزانية الدولة عند التحول للنفط الأمريكي أو الخليجي، أوضح شبيب أن الخصم الذي يُمنح على بعض الخامات الروسية هو في الأساس تخفيض في سعر البيع من جانب المورد الروسي نتيجة ظروف السوق ومخاطر العقوبات والنقل والتأمين، وليس دعمًا ماليًا يقدم لسوريا.

وقدّر أنه إذا افترضنا أن فقدان هذا الخصم وفروقات الشحن والتأمين والتمويل ستضيف في المتوسط نحو 10 دولارات إلى كلفة البرميل، فإن استبدال 50 ألف برميل يوميًا سيعني عبئًا إضافيًا يقارب 500 ألف دولار يوميًا، أو 15 مليون دولار شهريًا، ونحو 182.5 مليون دولار سنويًا على أساس استمرار الكميات والأسعار نفسها.

وخلص إلى أن الانتقال يجب أن يكون تدريجيًا ومدروسًا، مع عقود طويلة الأجل ومصادر متعددة، حتى لا تتحول كلفة التنويع إلى عبء كبير على الخزينة أو المستهلك السوري، مؤكدًا أن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت سوريا تستطيع الاستغناء عن النفط الروسي، بل هل لديها اليوم البدائل والمخزون والبنية التحتية التي تسمح لها بذلك دون أن يدفع المواطن والاقتصاد ثمنًا باهظًا.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة