
تتحمل المدرسة مسؤولية في غرس عادات الغذاء الصحي لدى الطفل لأنها البيئة القادرة على تحويل النصائح النظرية إلى سلوك ممتع ومستدام يضمن بناء جيل يتغذى جيدًا ليتعلم أفضل (كانفا)

تتحمل المدرسة مسؤولية في غرس عادات الغذاء الصحي لدى الطفل لأنها البيئة القادرة على تحويل النصائح النظرية إلى سلوك ممتع ومستدام يضمن بناء جيل يتغذى جيدًا ليتعلم أفضل (كانفا)
مع اقتراب العودة إلى المدارس، لا تقتصر قصة الطفل مع الطعام على “اللانش بوكس” الذي يضعه الأهل في حقيبته، بل تبدأ من البيئة الغذائية المحيطة به داخل المدرسة.
اختصاصية التغذية العلاجية، الدكتورة نور قهوجي، قالت، في حديث إلى عنب بلدي، إن المقصف المدرسي، والوجبة التي يحملها الطالب، وما يراه عند زملائه، وحتى المعلومات التي يتلقاها في الصف، كلّها عوامل يمكن أن تشكل عاداته الغذائية لسنوات.
قد نجد طفلًا يتناول فطورًا جيدًا في المنزل، ثم يقضي ساعات المدرسة في تناول العصائر المحلاة والشيبس والحلويات، لأن هذه الخيارات هي الأسهل والأكثر توفرًا أمامه.
وهنا تظهر المشكلة، عندما تكون الخيارات غير الصحية هي الأكثر حضورًا، يصبح اتخاذ القرار الصحي أصعب على الطفل، حتى لو كان يعرف نظريًا أن الخضار والفواكه أفضل.
تختلف المقاصف المدرسية في تفاصيلها من مبنى إلى آخر، لكنها تتشابه في مشهد متكرر ترصده اختصاصية التغذية، إذ تسيطر الأطعمة الغنية بالسكريات والأملاح والدهون على الأرفف، فنجدها مليئة بالحلويات، والثلاجات معبأة بالمشروبات المحلاة، والسلال مكدسة بالمقرمشات، وفي المقابل تتوفر الفاكهة والوجبات المتوازنة، إن وجدت، في زوايا محدودة الخيارات.
المشكلة هنا، كما تراها قهوجي، لا تكمن في قطعة شوكولاته عابرة أو كيس مقرمشات يتناوله الطفل بين الحين والآخر، فالاعتدال أمر ممكن دائمًا.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه الأطعمة إلى الخيار اليومي المتاح، والأسهل، في عيون الطلاب.
تخيّل المشهد في أثناء الاستراحة المدرسية: يقف طالب صغير حائرًا أمام خيارين، إما قطعة فاكهة تحتاج منه وقتًا للغسل والتقشير، أو قطعة حلوى مغلفة وجاهزة تمنحه متعة فورية ويشتريها في ثوانٍ معدودة.
عندما تدفعه البيئة المدرسية بأكملها نحو الخيار الثاني، يصبح من الإجحاف التام أن نطلب منه مقاومة الإغراء، أو أن يتصرف كخبير تغذية صغير في عالم يحاصره بالسكريات.
توضح قهوجي أن الدماغ يحتاج إلى تدفق مستمر للطاقة ومجموعة متنوعة من العناصر الغذائية ليعمل بكفاءة عالية، لذا فإن تخطي وجبة الإفطار، أو الاعتماد على وجبات فقيرة بالقيمة الغذائية، يؤثر سلبًا في مستويات الطاقة، ويزيد الشعور بالجوع، مما يشتت انتباه الطالب خلال الساعات الدراسية.
على سبيل المثال، الطالب الذي يذهب إلى المدرسة دون تناول وجبة الإفطار، ثم يعتمد على المشروبات المحلاة والحلويات خلال الاستراحة، يمنح جسده دفعة سريعة ومؤقتة من السكر، لكنها وجبة تخلو من البروتين، والألياف، والدهون الصحية التي تضمن له الشعور بالشبع لفترة أطول.
وفي المقابل، فإن فطورًا بسيطًا يتكون من البيض مع خبز القمح الكامل والخضار، أو اللبن مع الشوفان والفواكه، يقدم مزيجًا متكاملًا من البروتينات والكربوهيدرات والألياف، مما يسهم في بناء نمط غذائي متوازن.
لا يعني ذلك بالطبع أن وجبة واحدة بمفردها ستصنع طفلًا متفوقًا دراسيًا، لكن النمط الغذائي المتكامل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالصحة، والنشاط، والقدرة المستمرة على التعلّم، في حين يؤدي سوء التغذية ونقص العناصر الأساسية إلى مشكلات صحية تمتد لتؤثر في النمو، والتركيز، والصحة العامة للطالب.
تلفت اختصاصية التغذية إلى أن مرحلة الدراسة تُعدّ واحدة من أهم مراحل النمو البدني، والتي يحتاج فيها الطفل بشكل حيوي إلى البروتين، والحديد، والكالسيوم، والزنك، والفيتامينات، وغيرها من العناصر الأساسية لبناء جسمه.
وتبيّن قهوجي أن الاعتماد المتكرر على الأطعمة الفقيرة بقيمتها الغذائية قد يؤدي إلى حصول الطفل على سعرات حرارية كافية -أو حتى زائدة عن حاجته- ولكن دون أن يتلقى جسده الحد الأدنى من العناصر الضرورية للنمو السليم.
وهنا تبرز مفارقة صحية خطيرة، إذ يمكن للطفل أن يُعاني من زيادة الوزن (أو السمنة) وفي الوقت ذاته يواجه نقصًا غذائيًا حادًا في المعادن والفيتامينات، مما يؤكد أن وفرة السعرات الحرارية وحدها لا تعني أبدًا أن الغذاء متكامل أو صحي.
تشير الاختصاصية إلى أن المدرسة يمكنها أن تصبح جزءًا أساسيًا من الحل عبر تحسين بدائل المقصف، وذلك من خلال توفير خيارات مغذية مثل الماء، الحليب واللبن غير المحلّى، الفواكه الطازجة، الشطائر المتوازنة، والمكسرات المناسبة للفئات العمرية المختلفة، بالموازاة مع تقليص توفير المشروبات السكرية والأطعمة فائقة التصنيع.
وتوصي قهوجي بضرورة دمج الثقافة الغذائية في الأنشطة المدرسية اليومية، إذ يمكن تعليم الأطفال كيفية قراءة الملصقات الغذائية، وفهم أدوار البروتينات والألياف، ومعرفة أهمية الحديد والكالسيوم للجسم، فضلًا عن التمييز بين شعوري العطش والجوع، أو حتى تنظيم أنشطة تفاعلية تكشف للطلاب كميات السكر الصادمة المخبأة في بعض المشروبات الشائعة.
كما تشدد على أن مشاركة الأهل تظل ركيزة أساسية لا غنى عنها، فالمدرسة بمفردها لن تنجح في تغيير سلوكيات غذائية تتكرر يوميًا داخل المنزل.
في النهاية، ليست المدرسة مجرد مقاعد وكتب للتحصيل العلمي الفكري فحسب، بل هي منظومة تربوية متكاملة، يتعلم فيها الطفل كيف يختار، وماذا يأكل، وكيف يعتني بصحة جسده.
وعندما تتحوّل الخيارات الغذائية الصحية داخل أسوارها إلى واقع سهل وممتع ومتاح أمام الطلاب، بدلًا من أن تظل مجرد نصائح جافة معلقة على لوحات الحائط، نكون قد وضعنا اللبنة الأولى في بناء جيل يعي كيف يُغذّي جسده، قبل أن نطالبه بمعرفة كيف يدرس.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى