إخصاء الاستبداد

tag icon ع ع ع

غزوان قرنفل

الاستبداد في جوهره ليس سوى تركيز للقوة وأدواتها بلا رقابة، وبالتالي لا يمكن لنا أن نتخلص من الاستبداد بمجرد إسقاط مستبد أو تغيير سلطة بأخرى أو استبدال منظومة من الحاكمين بمنظومة جديدة، فالتجارب التاريخية تعلمنا، وليس كالتاريخ معلم، أن الاستبداد ليس شخصًا فقط ولا حزبًا ولا جماعة، ولا حتى مؤسسة بعينها، إنه قبل كل ذلك قابلية سياسية وقانونية واجتماعية لإعادة إنتاج نفسه، لهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله بعد الخلاص من مستبد هو أن نترك البيئة التي أنجبته كما هي ثم نتوقع ألا يعود إلينا من جديد غالبًا بثوب مختلف ووجه آخر وشعارات جديدة، فنحن لم يعد يكفينا فقط أن نسقط الاستبداد، بل نحتاج حتمًا إلى إخصائه ومنعه من التناسل لقطع الطريق أمام إعادة إنتاجه والقضاء على الشيفرة الوراثية التي تسمح باستيلاده مرة بعد أخرى.

ولكي نفعل ذلك فنحن نحتاج على المستوى الشخصي والمجتمعي أولًا أن نؤمن أن الاستبداد هو الوباء الذي يدمر كل فرصة لنا للعيش آمنين في حياتنا ومعاشنا كبشر، وأننا قادرون على أن نحدث قطيعة جذرية معه وألا نكون أداة من أدواته، وذلك بألا نكون أسرى لأفكار ماضوية سواء أكانت دينية أو قومية أو مذهبية بوصفها المادة الأولية لصناعة الاستبداد، وأن تتحرر عقولنا حقًا من ركام أفكار تعفنت في رؤوسنا دون أن يمارس عليها العقل فعله الواجب في تفنيدها ونقدها وإسقاط الحصانة عنها ومن ثم طرحها كما تطرح كل الفضلات الضارة خارج الجسم الصحيح. وهذا يتطلب إلى جانب الدور الفردي، دورًا مجتمعيًا شاملًا تنهض به نقابات حرة ومؤسسات مجتمع مدني مستقلة تأخذ على عاتقها مسؤولية التوعية والتمكين بما يؤسس لخلق قوة مجتمعية ضاغطة ورافضة لأن يكون للطغيان أي فسحة يستعيد فيها قوته مجددًا.

وفي السياق ذاته، لا بد لنا من العمل على تبني نظام حكم لامركزي تُسحب فيه الكثير من الصلاحيات من سلطة المركز، وتُمنح لمجالس الحكم المحلي المنتخبة في المحافظات لتقرر الكثير من شؤونها المحلية بنفسها دون الحاجة للرجوع الى المركز في كل شاردة وواردة ، وهذا يوجب تبني دستور لا يكون مجرد نص لتنظيم شكل السلطة، بل يشكّل سدًا في وجه تغولها، دستور يكرس مجموعة من المبادئ والقيم الدستورية الأساسية التي لا يجوز العبث بها أو تعديلها وفقًا لأهواء السلطة أو الأغلبية السياسية العابرة، فثمة مبادئ دستورية يجب أن تبقى ثابتة وفوق المساومات السياسية، لأنها تمثل جوهر الدولة الحديثة، من هنا تأتي ضرورة بناء نظام دستوري يقوم على فصل وظيفي حقيقي وتوازن رقابي متبادل بين السلطات الثلاث، فلا تكون السلطة التنفيذية قادرة على ابتلاع البرلمان، ولا البرلمان أداة لتكريس هيمنة الحكومة، ولا القضاء تابعًا لأي منهما، فالقضية ليست أن نكتب في الدستور عبارة “فصل السلطات” ثم نترك للسلطة التنفيذية مفاتيح تعيين القضاة والتحكم بمؤسساتهم ومواردهم، أو تجعل البرلمان مجرد صالة تصفيق جماعي لكل ما تفعله، فالفصل الحقيقي يعني توزيع القوة والصلاحيات بحيث لا تطغى سلطة على أخرى.

كما أن تحصين منظومة الحقوق والحريات من العبث والتلاعب عبر إحالة تفاصيل ممارستها إلى قوانين تعيد تقييدها والحد منها مسألة غاية في الأهمية، فليس من المنطقي أن يقول الدستور إن حرية التعبير حق ثم تأتي السلطة لتحاكمك بتهمة النيل من هيبة الدولة إذا ما كتبت مقالًا تنتقدها فيه أو تعري انتهاكاتها، وليس من المنطقي أن يقول الدستور بحرية الاجتماع والتظاهر، ثم يجعل القانون ممارستها رهنًا بإرادة الأجهزة التنفيذية، أو ينص على استقلال القضاء ثم يضع قوانين تجعل القضاء تابعًا للسلطة التنفيذية، فالقانون يجب أن ينظم ممارسة الحق، لا أن يقرر ما إذا كان الإنسان يستحق الحق أصلًا، فالحقوق ليست هبة من السلطة بل هي لصيقة بالإنسان باعتباره إنسانًا فحسب، وتأتي وظيفة الدولة لتوفير الحماية اللازمة لممارستها ضمن قواعد تمنع التفلت والتجاوز على حقوق الآخرين.

لهذا نحن نحتاج إلى تبني فلسفة جديدة للتشريع تنطلق من حقيقة مؤداها أن الإنسان هو جذر أهداف التشريع،  وأن الغاية من الدولة والقانون والمؤسسات هي الارتقاء بالإنسان وحماية حقوقه وتحسين شروط حياته، وتوفير الأمن والعدالة والحرية والرفاه له، فعندما يصبح الإنسان غاية التشريع حقًا، تتغير وظيفة الدولة بأكملها، فلا يعود الناس مجرد رعايا ينتظرون عطاء الحاكم، ولا يصبح القانون سوطًا يلهب ظهورهم، ولا تسخر مؤسسات الدولة لتكون أدوات لمراقبتهم وإخضاعهم، عندها فقط نستطيع القول إننا بدأنا بتفكيك بنية الاستبداد.

إن المهمة الحقيقية بعد سقوط الاستبداد هي في حرمانه من أي قدرة على الإنجاب، فإخصاء الاستبداد يعني تمامًا قتل أي إمكانية لأن يصبح أي حاكم مستبدًا باعتماد دستور أقوى من الحاكم وقوانين أقوى من السلطة، وقضاء مستقل عنها، وحقوق محصنة منها، ومؤسسات قادرة على مراقبتها، فليس المطلوب أن نعتمد مبدأ الثقة بالحاكم، ولا أن نراهن على أخلاق الأشخاص ونياتهم كضمان لحياتنا ومستقبلنا، بل المطلوب أن نبني نظامًا يجعل حتى الحاكم الصالح عاجزًا عن التحول إلى مستبد، ويجعل الحاكم السيئ محاصرًا بالمؤسسات والقواعد والرقابة والمساءلة، عندها فقط نكون قد قضينا على الشيفرة الوراثية للاستبداد، وعندها يصبح سقوط المستبد حقًا نهاية مرحلة ولّت، وليس بداية دورة استبداد جديدة.

 



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة