سندات بمليار دولار لتمويل العجز.. من يمول الخزينة السورية بالخفاء؟

وزير المالية السوري محمد يسر برنية يعقد اجتماعًا مع لجنة إعداد مشروع الموازنة العامة للدولة في مقر الوزارة - 27 حزيران 2026 (وزارة المالية السورية/تلجرام)

camera iconوزير المالية السوري محمد يسر برنية يعقد اجتماعًا مع لجنة إعداد مشروع الموازنة العامة للدولة في مقر الوزارة - 27 حزيران 2026 (وزارة المالية السورية/تلجرام)

tag icon ع ع ع

سجلت المالية العامة في سوريا عجزًا ماليًا حادًا، بلغ نحو مليار دولار أمريكي خلال النصف الأول من عام 2026.

وحسب التقرير الشامل المعتمد على الأرقام الرسمية الصادرة عن وزير المالية السوري محمد يسر برنية، والمنشورة على حسابه في “لينكد إن“، فإن هذا العجز جاء محصلة مباشرة للفجوة الواسعة بين الإيرادات المحققة التي بلغت 2.7 مليار دولار، والإنفاق العام المتسارع الذي قفز إلى 3.7 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي.

ويكشف التحليل التفصيلي لهيكل الإنفاق الفعلي عن جنوح واضح نحو الإنفاق الجاري والتشغيلي على حساب الإنفاق الاستثماري التنموي، إذ استحوذت كتلة الرواتب والأجور والتعويضات على الحصة الأكبر بواقع 1.34 مليار دولار (أي ما يعادل 36.1% من إجمالي المدفوعات).

إيرادات بأكثر من 100% مقارنة بالعام الماضي

في المقابل، حسب تقرير المالية السورية، لم تبتعد النفقات الإدارية والتشغيلية للمؤسسات الحكومية عن الصدارة، حيث بلغت 1.03 مليار دولار بنسبة مستقطعة بلغت 27.6% من الموازنة الكلية.

وعلى صعيد الشق التنموي، واكب الإنفاق الاستثماري خطى النفقات الإدارية، مسجلًا 1.02 مليار دولار بنسبة بلغت 27.5 % من الإنفاق الإجمالي.

ومن ناحية الإيرادات، نجحت الخزينة في مضاعفة عوائدها بنسبة 111% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، مدفوعةً بصدارة الرسوم الجمركية التي حصّلت 1.08 مليار دولار (40 % من الإيرادات)، تليها عوائد استثمارات الدولة بـ 763 مليون دولار.

كما شكّل بدء توريد عائدات النفط والغاز إلى حسابات وزارة المالية اعتبارًا من أيار الماضي بقيمة 601 مليون دولار نقطة تحول محورية رفدت الموارد الجارية، بانتظار ظهور أثرها الكامل خلال النصف الثاني من العام.

عجز ممول بقرض وهوية المقرض مجهولة

في قراءته التحليلية لنسبة العجز في موازنة 2026، قال الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم، لعنب بلدي، “مليار دولار اقترضتها الخزينة السورية في ستة أشهر، ولا نعرف من أقرضها”، وهو ما بدا واضحًا من خلال القراءة الحرفية للتقرير المالي عن النصف الأول لـ2026، وكل ما ورد عن مصدر تمويل العجز البالغ 1,005 مليون دولار هو عبارة واحدة: تمويل استثماري من خلال سندات قصيرة الأجل، يسدد خلال عام.

“لا جهة مقرضة، ولا عملة، ولا عائد، ولا جدول استحقاق”، أضاف الدكتور عبد الكريم، والصفحة تحمل عنوان “مصادر تمويل العجز” بصيغة الجمع وهي تعرض بندًا واحدًا بلا رقم، وهذا يدل على أن المشكلة أعمق من الغموض، فحتى منتصف تموز 2026، أي بعد انتهاء الفترة التي يغطيها التقرير بأسبوعين، كانت المالية ما تزال تناقش مسودة الخطة الاستراتيجية لإصدار أذون وسندات الخزينة والصكوك السيادية.

ولم يكن متوقعًا، أن يخرج الإصدار الأول للموازنة، قبل الربع الأخير من العام، أي أن الأداة التي يقول التقرير إنها موّلت عجز كانون الثاني إلى حزيران لم تكن قائمة قانونيًا في تلك الأشهر، وفقًا للخبير السوري.

ما هي احتمالات مصادر تمويل العجز؟

نظرًا لغموض وزارة المالية السورية في تفسير مصدر تمويل العجز، يرى الدكتور محمود عبد الكريم أن ذلك يترك أربعة احتمالات فقط، لكل منها ثمن مختلف تمامًا على المواطن:

  • أن يكون الاقتراض من المصرف المركزي، وهذا تمويل نقدي يعني تضخمًا إضافيًا وضغطًا على سعر الصرف، أي أن الفاتورة تصل إلى الناس في صورة أسعار لا في صورة ضريبة.
  • أن يكون اكتتابًا من المصارف العامة والتجارية، وهذا يعني مزاحمة القطاع الخاص على السيولة وتضييق التمويل على المشاريع في اللحظة التي تحتاج فيها البلاد إلى استثمار خاص.
  • أن يكون ترتيبًا ثنائيًا غير معلن، وإن كان بالدولار فالخزينة منكشفة على مخاطر عملة مقابل إيرادات معظمها بالليرة.
  • أن يكون تراكم متأخرات على الموردين والمقاولين، وهو دين خفي لا يظهر في أي جدول لكنه يجفف سيولة القطاع الخاص فعليًا.

أما عبارة “يسدد خلال عام” الواردة في تقرير المالية، فأوضح الدكتور عبد الكريم أنها تضيف طبقة أخرى: كامل المليار مستحق خلال 12 شهرًا، ومصدر السداد غير محدد، بينما الإيرادات نفسها تتجه إلى تحقيق أقل من هدفها، وهذه هي بداية ما يسميه الاقتصاديون “خطر التدوير”، أي الاقتراض الجديد لسداد القديم.

وتأتي هذه القفزة حسب التقرير انعكاسًا للقرارات الحكومية المتتالية الرامية لترميم القوة الشرائية للعاملين في القطاع العام وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية لمواجهة موجات التضخم المتلاحقة وغلاء الأسعار المتأثر بالاضطرابات الإقليمية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة