بين الشاشة والشارع.. كيف تبدو علاقة العرب والكرد؟

camera iconالسوق المركزية في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة - 26 آب 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

قبل أكثر من 22 عامًا، جمع مقعد دراسي في إحدى مدارس الحسكة موسى رمضان وزبير محمود.

موسى عربي، وزبير كردي، لكن الاختلاف بينهما لم يكن في ذلك الوقت أكثر من تفصيل لا يحول دون الصداقة. بدأت العلاقة بين الطالبين في المرحلة الثانوية، واستمرت بعد انتهاء الدراسة، لتتحول مع مرور السنوات إلى صداقة تجاوزت عقدين من الزمن، شهدت خلالها الحسكة وسوريا تحولات سياسية وأمنية واجتماعية واسعة.

يتذكر موسى رمضان بداية علاقته بزبير من المدرسة الثانوية، ثم استمرارها بعد انتهاء الدراسة من خلال اللقاءات والزيارات والمناسبات الاجتماعية.

يقول موسى، لعنب بلدي، إن السنوات الـ22 التي مرت على علاقته بزبير شهدت أحداثًا وتغيرات كثيرة في المحافظة، لكن ذلك لم يغير طبيعة صداقتهما، مضيفًا أن اختلاف الانتماء القومي لم يكن يومًا حاجزًا أمام علاقتهما.

أما زبير محمود، فيستعيد الفترة نفسها باعتبارها بداية علاقة بدأت بين طالبين في المدرسة، ثم تحولت إلى صداقة استمرت حتى اليوم.

ويقول زبير، لعنب بلدي، إن علاقته بموسى لم تقم على الانتماء القومي، وإن ما جمعهما خلال السنوات الطويلة كان من الدراسة إلى الحياة الاجتماعية، مشيرًا إلى أن وجود علاقات بين العرب والكرد في الحسكة لم يكن أمرًا جديدًا، بل جزءًا من الحياة اليومية في المحافظة.

خلال أكثر من عقدين، مرت الحسكة بمراحل مختلفة، من سنوات ما قبل الحرب، إلى الحرب وسيطرة قوى مختلفة على أجزاء من المحافظة، وصولًا إلى المرحلة الحالية التي تشهد تحولات سياسية وأمنية وإدارية مرتبطة بمسار دمج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ومؤسساتها ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ومع كل مرحلة، بقيت العلاقات الاجتماعية بين أبناء المحافظة قائمة، رغم أن الخطاب السياسي والإعلامي حولها شهد تغيرات كبيرة.

اليوم، تبدو مواقع التواصل الاجتماعي واحدة من أبرز المساحات التي يجري فيها النقاش حول مستقبل الحسكة، لكنها في الوقت نفسه أصبحت مساحة تظهر فيها أحيانًا لغة حادة تجاه العرب والكرد، خصوصًا عند تناول الملفات السياسية والعسكرية والأمنية.

ما الذي يظهر على الشاشة؟

في الحياة اليومية، لا تبدو العلاقات بين أبناء المحافظة دائمًا كما تظهر في بعض المنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

العرب والكرد يعيشون في المدن والبلدات والقرى نفسها، ويلتقون في أماكن العمل والأسواق والمؤسسات والمدارس، وتربط بينهم علاقات جيرة وصداقة ومصاهرة وعلاقات اقتصادية واجتماعية تعود إلى عقود.

لكن مع انتشار الهواتف ومواقع التواصل، أصبح الخلاف السياسي ينتقل بسرعة من المجال العام إلى مساحة أوسع، ويمكن لمنشور أو مقطع مصور أن يفتح نقاشًا واسعًا خلال وقت قصير.

وفي بعض الحالات، لا يبقى النقاش مرتبطًا بالحدث نفسه، بل ينتقل إلى تعليقات ومنشورات تتناول الانتماء القومي، أو تستخدم حادثة فردية لتعميم موقف على العرب أو الكرد، أو تستعيد أحداثًا وقعت خلال سنوات الحرب في سياق سجال جديد.

يقول موسى إن ما يراه على مواقع التواصل لا يشبه بالضرورة العلاقات التي يعرفها في حياته اليومية، مشيرًا إلى أن معرفة الإنسان بالآخر لسنوات طويلة تجعل الحكم عليه مختلفًا عن الحكم الذي قد يتشكل من منشور أو تعليق.

ويضيف أن علاقته بزبير استمرت 22 عامًا، وإن هذه السنوات تضمنت أحداثًا كثيرة كان من الممكن أن تؤثر في العلاقات الاجتماعية، لكنها لم تغير طبيعة صداقتهما.

من جهته، يرى زبير أن مواقع التواصل لا ينبغي أن تتحول إلى معيار للحكم على المجتمع، مشيرًا إلى أن كثيرًا من أبناء الحسكة يعرفون بعضهم منذ سنوات طويلة، وأن العلاقات بينهم لا تقوم على الانتماء القومي وحده.

ويقول إن الاختلاف في المواقف السياسية أمر طبيعي، لكن تحويل هذا الاختلاف إلى خصومة بين العرب والكرد يمكن أن يؤثر في العلاقات الاجتماعية التي استمرت رغم الظروف المختلفة.

الدمج يعيد النقاش إلى الواجهة

يتزامن ذلك مع مرحلة جديدة في الحسكة، مرتبطة بمسار تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية و”قسد”، وما تبعه من خطوات تتعلق بالدمج، وإعادة ترتيب المؤسسات والقوى العسكرية والأمنية، إلى جانب ملفات الإدارة المحلية وعودة السكان والمهجرين.

ومع تقدم هذا المسار، أصبحت تفاصيل الاتفاق وإجراءات تنفيذه موضوعًا يوميًا في النقاش العام، سواء داخل المحافظة أو عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

وتختلف المواقف من هذه التطورات، بين من يراها خطوة باتجاه توحيد مؤسسات الدولة، ومن يركز على تفاصيل أخرى مرتبطة بالحقوق والتمثيل والإدارة ومستقبل المنطقة.

لكن جزءًا من النقاش يتجاوز هذه الملفات، ليتحول إلى سجال بين العرب والكرد.

ويقول موسى إن المرحلة الحالية تحتاج إلى الابتعاد عن التعامل مع التطورات من زاوية الانتماء القومي، والتركيز على ما يخص حياة الناس ومستقبل المحافظة.

ويضيف أن أبناء الحسكة سيبقون يعيشون معًا، بغض النظر عن التغيرات السياسية، ولذلك فإن الحفاظ على العلاقات بينهم يجب أن يكون أولوية.

ويشارك زبير هذا الطرح، معتبرًا أن أي نقاش حول الدمج أو مستقبل المؤسسات يجب أن يبقى في إطاره السياسي والقانوني، وألا يتحول إلى خلاف بين مكونات المجتمع.

الإعلام الرسمي أمام المسؤولية

في ظل هذا المشهد، يبرز دور الإعلام في التعامل مع الخطاب المتداول على منصات التواصل، خصوصًا في مرحلة تشهد تحولات سياسية وإدارية وأمنية في المحافظة.

ويرى مدير مديرية الإعلام في محافظة الحسكة، نوار رهاوي، في حديث لعنب بلدي، أن “الإعلام الرسمي في هذه المرحلة أمام مسؤولية وطنية تتجاوز نقل الخبر إلى حماية السلم الأهلي وتعزيز وحدة المجتمع”.

وقال رهاوي إن هذه المسؤولية تشمل “مواجهة خطاب الكراهية والتحريض”، والتأكيد على أن “ما يجمع العرب والكرد في الحسكة أكبر بكثير مما يفرقهم، من تاريخ وجغرافيا ومصالح مشتركة إلى الجيرة والمصاهرة والتعايش المتجذر”.

ونوه إلى أهمية عدم اختزال ما شهدته المحافظة خلال السنوات الماضية باعتباره “صراعًا عربيًا كرديًا”، موضحًا أن “التعقيدات التي رافقت المرحلة كانت سياسية وعسكرية بالدرجة الأولى، ولم يكن المجتمع الأهلي يومًا قائمًا على هذا الفصل أو الخصومة”.

ومع تقدم مسار الدمج، أضاف رهاوي أن مسؤولية الإعلام تتمثل في “مواكبة هذا المسار وترجمة ما يتحقق على الأرض إلى خطاب يصل إلى الناس بوضوح”، إلى جانب “فتح منابر للحوار بين الأهالي، وإجراء استطلاعات للرأي تعكس حقيقة المزاج الشعبي”، حتى لا تبقى منصات التواصل الاجتماعي، بحسب تعبيره، “ساحة مفتوحة لصناعة التوتر والانطباعات المغلوطة”.

وشدد رهاوي على الحاجة إلى “إعلام يبني الثقة لا إلى إعلام يلاحق الاستقطاب”، معتبرًا أن المطلوب هو “إعلام يبرز الواقع ويقرب أبناء المحافظة من بعضهم”، ويؤكد أن “مستقبل الحسكة لا يُبنى على الانقسام، بل على الشراكة الوطنية ووحدة المجتمع والدولة”.

المشهد الإعلامي

يأتي هذا الدور في وقت أصبحت فيه مواقع التواصل مصدرًا رئيسيًا للمعلومات بالنسبة إلى شريحة واسعة من السكان، ومكانًا للنقاش حول الملفات التي تشهدها المحافظة.

ويرى الناشط الإعلامي محمد الأحمد، في حديث لعنب بلدي، أن مواقع التواصل أصبحت جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي، وأن التعامل معها لم يعد ممكنًا من خلال تجاهل تأثيرها في الجمهور.

ويقول الأحمد إن المشكلة لا تكمن في وجود النقاش أو اختلاف الآراء، وإنما في الطريقة التي يجري فيها تقديم هذا الاختلاف، خصوصًا عندما ينتقل الحديث من نقد قرار أو جهة إلى مهاجمة مكون اجتماعي كامل.

ويشير إلى أن إعادة نشر الأخبار والمقاطع دون التحقق منها يمكن أن تزيد من حدة التوتر، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالحوادث الأمنية أو السياسية.

ويضيف أن المسؤولية تقع على الصفحات والحسابات والمستخدمين، إلى جانب الإعلاميين، في التمييز بين نقل المعلومة وبين استخدام المحتوى لإثارة الجمهور.

ويؤكد الأحمد أهمية أن يكون الخطاب الإعلامي واضحًا في الفصل بين المواقف السياسية والانتماءات القومية، بحيث لا يجري تحميل العرب أو الكرد مسؤولية مواقف جهات أو أفراد.

كما يدعو إلى الابتعاد عن استخدام مواقع التواصل لخلق الاستقطاب، وإلى استثمارها في نقل المعلومات وفتح النقاشات التي تساعد على تهدئة المخاوف بدل زيادتها.

ويرى أن إبراز العلاقات اليومية بين أبناء المحافظة يمكن أن يكون جزءًا من المعالجة، خصوصًا أن قصص الصداقة والجيرة والعمل المشترك لا تحظى غالبًا بالانتشار نفسه الذي تحظى به المنشورات المثيرة للجدل.

بين الحياة اليومية والمواقع الافتراضية

بالنسبة إلى موسى وزبير، لا تحتاج الصداقة التي بدأت قبل 22 عامًا إلى كثير من الشرح.

كانا طالبين عندما التقيا للمرة الأولى، واستمرت العلاقة بعد المدرسة، ثم مرت السنوات والحرب والتغيرات السياسية، وبقيت الصداقة.

يقول موسى إن علاقته بزبير مثال على أن العلاقات بين الناس يمكن أن تستمر رغم اختلاف الانتماءات، وإن الإنسان عندما يعرف الآخر على مدى سنوات طويلة لا يراه من خلال قوميته فقط.

ويقول زبير إن ما جمعهما خلال هذه السنوات كان أكبر من أي خلاف سياسي أو اختلاف قومي، وإن علاقتهما بدأت في المدرسة واستمرت في ظروف مختلفة.

في محافظة عرفت تاريخيًا بتنوعها القومي والديني والثقافي، تبقى مثل هذه العلاقات جزءًا من الحياة اليومية التي لا تظهر دائمًا على شاشات الهواتف، مقابل خطاب يمكن أن يتغير من منشور إلى آخر، تبعًا للتطورات السياسية والأمنية.

وبينما تتواصل مرحلة الدمج وتترتب معها ملفات جديدة في الحسكة، يبقى الحفاظ على العلاقات الاجتماعية بين أبناء المحافظة أحد العناوين التي يطرحها سكانها، في مواجهة خطاب يدفع أحيانًا باتجاه مزيد من الاستقطاب.




×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة