كيف نحمي الأطفال من هلع أزمات الفقر والمناخ؟

احتواء مخاوف الطفل وتعزيز أمانه وقدرته على التأثير هو أثمن ما تقدمه الأسرة له في ظل الأزمات الاقتصادية والمناخية (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

camera iconاحتواء مخاوف الطفل وتعزيز أمانه وقدرته على التأثير هو أثمن ما تقدمه الأسرة له في ظل الأزمات الاقتصادية والمناخية (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – شعبان شاميه

لم تعد التغيرات المناخية أو الأزمات الاقتصادية مجرد عناوين عابرة في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى واقع مألوف يمتد أثره المباشر إلى الأطفال، فالصغار باتوا يستمعون يوميًا إلى أخبار الحرائق والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة، بالتوازي مع التقاطهم عبارات القلق المتداولة داخل المنازل مثل “الغلاء المستمر” و”غموض المستقبل”.

ورغم عدم استيعاب الطفل التفاصيل المعقدة لهذه الأزمات، فإنه يستشعر رسالتها الأعمق، التي تمس تساؤلاته الوجودية حول مدى أمان هذا العالم، وقدرة أسرته على توفير الحماية له.

وفي تحليلها لكيفية تسلل هذا الخوف إلى عالم الطفل النفسي، قالت استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، إن الصغار لا يحتاجون إلى متابعة المؤشرات الاقتصادية أو نشرات الأخبار ليدركوا أبعاد الأزمة، إذ يكفيهم التقاط نقاش جانبي بين الوالدين حول غلاء المعيشة، أو ملاحظة إلغاء نشاط ترفيهي اعتادوه، فضلًا عن مشاهدة صور الكوارث التي تزدحم بها شاشات الهواتف من حولهم.

الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس،

الطمأنة الذكية

ردًا على التساؤل حول جدوى حجب هذه الأزمات عن الطفل، لفتت العرنوس إلى أن الحل لا يكمن في الصمت، ولا في إغراق الطفل بتفاصيل تفوق استيعابه، إذ إن تجاهل قضايا يتردد صداها في المدرسة، وبين الأقران، وعلى منصات التواصل، يتركه فريسة لخياله، الذي قد ينسج سيناريوهات أكثر رعبًا من الواقع ذاته.

بناء على ذلك، يتمثل البديل التربوي الناجح في تقديم المعلومة بجرعات مدروسة تناسب عمر الطفل واستيعابه، بحيث ترتكز على حقيقة مبسطة، تتبعها طمأنة واقعية، ثم إبراز لدور الكبار في إدارة الموقف.

فعلى سبيل المثال، وعوضًا عن إطلاق تحذيرات مثل “العالم يتجه نحو كارثة”، يمكن صياغة الرسالة بنبرة إيجابية: “هناك تغيرات في الطقس، لكن العلماء والدول يعملون جاهدين للتعامل معها، ونحن بدورنا يمكننا القيام بخطوات بسيطة لحماية بيئتنا”.

وتشير الأدبيات التربوية والنفسية الحديثة إلى أن غياب هذا الحوار المتوازن، وشعور الجيل الناشئ بالعجز عن التأثير أو الفعل، يمهد الطريق لظهور مشاعر الحزن واليأس والغضب، وهو ما يُصطلح على تسميته بـ”القلق المناخي”.

“القلق المناخي” بين الاستجابة الطبيعية والتفكير القهري

في إطار تحديد المفاهيم، تُعرّف الاستشارية “القلق المناخي” بأنه حالة من الضيق أو الخوف المرتبطة بالتغيرات المناخية، ومستقبل البيئة، ومصير الحياة البشرية على كوكب الأرض.

ومع ذلك، تؤكد أن وجود هذا القلق لا يعني بالضرورة تصنيف الطفل كـ”مريض نفسي”، أو أنه يعاني من اضطراب نفسي بالمفهوم الإكلينيكي (السريري)، فالشعور بالقلق بدرجات معقولة ومحدودة يعد استجابة نفسية مفهومة وطبيعية في مواجهة أخطار حقيقية وملموسة.

وقالت إن الخطورة الحقيقية تبدأ عندما يتجاوز هذا القلق حدوده الطبيعية، ليتحول إلى نمط تفكير قهري أو خوف مستمر ينعكس سلبًا على تفاصيل حياة الطفل اليومية.

التداعيات النفسية للأزمات المعيشية على الأطفال

أما فيما يتعلق بالمخاوف الناشئة عن الأزمات الاقتصادية، فترى العرنوس أن انعكاساتها تصل إلى الطفل عبر بوابته الأسرية وليس من خلال الأرقام أو المؤشرات المالية المجردة، إذ يمتص هذه الضغوط عندما يلاحظ والديه في حالة توتر دائم، أو عند تصاعد المشاحنات العائلية حول الإنفاق، أو حين يشعر بأن متطلباته أصبحت عبئًا ثقيلًا.

ونتيجة لذلك، يبدأ ببناء تصورات ومخاوف تفوق عمره، مثل خشية الفقر الشديد، أو الخوف من فقدان المسكن، وصولًا إلى جلد الذات وتحميل نفسه مسؤولية إرهاق والديه.

وتفاديًا لهذه التداعيات، شددت الاستشارية على أهمية حماية الطفل من تحمل الأعباء المالية التي تتجاوز استيعابه، إذ يمكن للوالدين استثمار الأزمة كفرصة تربوية لتعليم الصغار قيم الأولويات والادخار وتأجيل بعض الرغبات، ولكن دون تحويلهم إلى شركاء في مخاوف الكبار وهواجسهم، أو إشعارهم بالذنب تجاه احتياجاتهم الطبيعية.

قلق متقاطع وأمان بديل

في سياق متصل، تحذر التقارير المتخصصة بالصحة النفسية من خطورة تداخل الضغوط المالية والأسرية مع نظيرتها المرتبطة بالمناخ، إذ يؤدي هذا التقاطع إلى مضاعفة العبء النفسي والإجهاد العقلي الواقع على كاهل الأطفال والشباب.

واعتبرت الاستشارية أن الطمأنة الصحية للطفل لا تعتمد على الوعود الوهمية، بل على بناء “أمان قابل للتصديق” يقر بالصعوبات مع تأكيد وجود ركائز وحلول للدعم.

كما أوضحت أن قلق الوالدين يرتد عكسيًا على الأبناء، فالمفارقة تكمن في محاولتهما حماية الطفل في حين ينقلان إليه مخاوفهما بطريقة غير مباشرة.

واستندت إلى دراسة حديثة ربطت بين ارتفاع “القلق المناخي” لدى الأبوين وزيادة بعض أنماط التحكم النفسي وعدم الاتساق في الممارسات الوالدية، مما يفرض على الكبار ضبط انفعالاتهم أولًا، إذ إن المطلوب ليس التجرد من المشاعر، بل يتمثل الهدف في تقديم نموذج لبالغ يشعر بالأزمة، ولكنه يمتلك القدرة على إدارتها.

من الإنصات إلى العلاج

تختزل استشارية علم النفس الأسري القاعدة الذهبية للحديث مع الأطفال عن المستقبل في ثلاث كلمات: “اسمع، فسّر، ثم مكّن”.

وفي هذا الإطار، تنصح بالبدء بسؤال الطفل: “ماذا سمعت؟ وما الذي أخافك؟” قبل المبادرة بتقديم أي تفسير، ليعقب ذلك تصحيح المعلومة بلغة تلائم عمره، ثم منحه مساحة خاصة للفعل والمشاركة، كترشيد استهلاك المياه، أو العناية بالنباتات، أو تدوير المخلفات، أو حتى الادخار لهدف معيّن.

وفي المقابل، تحث العرنوس على طلب التدخل المهني عندما يتحول الخوف إلى حالة مستمرة تؤثر في نوم الطفل أو شهيته أو تحصيله الدراسي، أو في حال دفعه هذا القلق إلى العزلة وتجنب المدرسة والأنشطة اليومية.

كما توصي بضرورة طلب الاستشارة المختصة عند ظهور نوبات هلع، أو سيطرة أفكار كارثية متكررة، أو شكاوى جسدية مستمرة مرتبطة بالقلق، مؤكدة أهمية اللجوء إلى معالج نفسي متخصص بالأطفال في هذه الحالات.




×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة