اليوم الأخير في المخيم.. نازحون من رأس العين يطوون سبع سنوات من النزوح

camera iconأسر نازحة من رأس العين تجمع حاجياتها لمغادرة مخيم الطلائع بالحسكة نحو ديارها – 7 أيلول 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

لم تكن نورة العلي تجمع أغراض عائلتها من خيمة في “مخيم الطلائع” كما اعتادت أن تفعل طوال السنوات السبع الماضية، فهذه المرة كانت تجمعها استعدادًا للرحيل.

بينما كانت تضع حاجياتها القليلة جانبًا، كانت دموع الفرح تسبق كلماتها. غدًا ستغادر الخيمة التي عاشت فيها سنوات طويلة، وتعود إلى منزلها وأرضها الزراعية في رأس العين.

“سنعود غدًا.. تعبنا من الحياة في المخيم منذ سبع سنوات، إنها حياة قاسية”، قالت نورة لعنب بلدي، وهي تستعد مع عائلتها لمغادرة المخيم الواقع في الأطراف الشرقية لمدينة الحسكة.

تتذكر نورة يوم النزوح، حين لم يكن أمامها وزوجها وقت لجمع شيء من المنزل. هربا من المعارك والقصف، وحملا أطفالهما وغادرا.

“لقد هربنا من المعركة دون أن نصطحب شيئًا معنا. خرجنا بثيابنا. وتعاونت أنا وزوجي على حمل الأولاد والفرار من القصف والاشتباكات”، تقول نورة.

بعد سبع سنوات، لم تعد العودة بالنسبة إليها مجرد احتمال بعيد. اسم عائلتها ظهر ضمن القوائم الخاصة بالمستفيدين من برنامج العودة، وأبلغتها إدارة المخيم خلال الأيام الماضية بموعد المغادرة.

تقول نورة إنها تريد العودة إلى منزلها وأرضها الزراعية، بعد سنوات أمضتها في المخيم.

وعلى مقربة منها، كانت رشدة السلمان، وهي امرأة ثمانينية من أهالي ريف رأس العين، تجمع ما تبقى من حاجياتها استعدادًا للعودة. أكياس وأغطية وبعض الأواني كانت من بين الأشياء التي حرصت على أخذها معها خلال الرحلة التي ستعيدها إلى منطقتها بعد سنوات من النزوح.

تقول رشدة لعنب بلدي: “كنت أظن أنني لن أرى قريتي مرة أخرى. سبع سنوات مرت ونحن ننتظر هذا اليوم. خرجنا من منزلنا في 2019 ولم أحمل معي سوى بعض الثياب. تركنا الأرض والبيت وكل شيء خلفنا”.

وبعد سنوات قضتها في المخيم، لا تبحث رشدة عن منزل كامل عند عودتها، بقدر ما تبحث عن المكان الذي أمضت فيه سنوات عمرها.

“أنا كبيرة في السن، ولا أعرف ماذا بقي من منزلنا، لكنني أريد أن أمضي ما تبقى من عمري هناك. حتى لو كان البيت مهدومًا أو احتجنا إلى خيمة، فإن العودة إلى الأرض التي عشنا فيها أفضل من البقاء نازحين”، تقول.

وتضيف أن سنوات النزوح حملت معها فقدان عدد من الأشخاص الذين كانوا ينتظرون العودة إلى مناطقهم، وتقول: “كثيرون رحلوا وهم ينتظرون العودة. كنت أخشى أن أكون واحدة منهم، لكن الله كتب لنا أن نرى هذا اليوم”.

بالنسبة إلى رشدة، لا تبدو العودة طريقًا سهلًا، لكنها تظل اليوم الموعد الذي انتظرته طويلًا.

جمع الأمتعة قبل الرحيل

في مخيم الطلائع، بدأت اليوم عملية الإخلاء الفعلية للعائلات المشمولة ببرنامج العودة. ومنذ الصباح، شرعت الأسر في جمع حاجياتها من الخيام استعدادًا للمغادرة.

وفي الجهة المخصصة لإدارة المخيم، اصطف عشرات الرجال أمام إحدى الكوات للاستفسار عن إجراءات المغادرة، وآليات صرف التعويضات المالية للعائلات العائدة.

وفي الوقت نفسه، دخلت إلى المخيم شاحنات وآليات مخصصة لنقل الأمتعة والعائلات إلى مناطقها الأصلية.

وكانت إدارة المخيم قد بدأت قبل عدة أيام بإبلاغ عدد من العائلات النازحة بأسمائها، بعد وصول القوائم الخاصة بالمستفيدين من برنامج العودة، تمهيدًا لانطلاق القافلة غدًا الثلاثاء.

وتضم القوائم عائلات نازحة من رأس العين وريف تل تمر وناحية زركان، بحسب المعلومات التي رصدتها عنب بلدي.

وتأتي عملية الإخلاء الحالية في إطار ترتيبات جديدة تخص قاطني المخيم وتنظيم وتوزيع العائلات الموجودة فيه، بالتزامن مع بدء تنفيذ دفعة جديدة من برنامج العودة الطوعية.

أسر نازحة من رأس العين تجمع حاجياتها لمغادرة مخيم الطلائع بالحسكة نحو ديارها – 7 أيلول 2026 (عنب بلدي)

منزل محترق.. وعودة لا تنتظر اكتمال الترميم

ليس بعيدًا، كان محمود المجو يقف إلى جانب إحدى الآليات التي دخلت المخيم صباح اليوم لنقل العائدين وأمتعتهم. بالنسبة إليه، الطريق إلى رأس العين لا يعني العودة إلى منزل جاهز لاستقبال أسرته، بل إلى منزل احترق، وإلى بداية جديدة من بين ما تبقى منه.

“لقد احترق منزلي ومنازل إخوتي بالكامل أثناء المعركة. خرجنا بأرواحنا فقط”، قال لعنب بلدي.

التعويضات التي ينتظرها، والبالغة 2000 دولار لكل أسرة، غير كافية لتغطية تكاليف ترميم المنزل، بحسب قوله، لكنه لا يرى في ذلك سببًا لتأجيل العودة.

“إلا أن العودة هي أفضل ما في الأمر. يجب أن أستأنف عملي هناك. مللت من التشرد. أريد العودة ولو اضطررت لنصب خيمة في ساحة المنزل، أو قل ما تبقى من المنزل”، يقول محمود.

خلال سنوات النزوح، كانت الخيمة بالنسبة إلى عائلته مسكنًا دائمًا، لكنها لم تكن مكانًا يستطيعون فيه أن يعيشوا كما يريدون. يقول إن الحياة في المخيم كانت “كارثية”، وإن الخيام لم تكن تقي من ظروف الطقس، ما دفعه خلال السنتين الأخيرتين إلى بناء غرفة إلى جانب الخيمة لتأوي أطفاله خلال الشتاء.

هذه المرة، يريد محمود أن يعود إلى رأس العين، ويبدأ العمل على ترميم منزله وإدخال أبنائه إلى المدرسة.

اثنان من أبنائه ولدا داخل المخيم، ولم يعرفا رأس العين إلا من خلال القصص التي كان والداهما يرويانها عنها.

“يتشوقان لرؤيتها. ولقد وعدتهم بالعودة يومًا ما. والآن يتحقق الوعد. رغم الألم. نحن فرحون”، يقول.

700 عائلة تستعد للعودة

تستعد نحو 700 عائلة من أهالي ناحية رأس العين وريفها، المهجرين إلى مدينة الحسكة، للعودة إلى مناطقها الأصلية غدًا الثلاثاء، ضمن برنامج العودة الطوعية.

وأكد عضو الفريق الرئاسي لتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني مع “قسد”، الدكتور مصطفى عبدي، انتهاء التحضيرات اللوجستية وتأمين المناطق من الألغام والمخلفات الخطرة، بالتنسيق مع قيادة الأمن الداخلي.

وقال عبدي إن الاحتياجات اللوجستية اللازمة لعملية العودة جرى تأمينها، بما في ذلك المساعدات الغذائية ووسائل النقل وشحن الأمتعة، بالتعاون والتنسيق مع المنظمات الدولية العاملة في المنطقة.

وأشار إلى أن العمل جار لتسريع إجراءات العودة الطوعية لأهالي رأس العين، لافتًا إلى أنه من المقرر تنظيم دفعات جديدة من العائدين خلال الفترة المقبلة، ولا سيما قبل حلول فصل الشتاء.

ووفق عبدي، يبلغ العدد الإجمالي للعائلات المهجرة من رأس العين وريفها والمقيمة في مدينة الحسكة نحو 12 ألفًا و500 عائلة.

العشرات من نازحي رأس العين في مخيم الطلائع قرب إدارة مبنى المخيم – 7 أيلول 2026 (عنب بلدي)

قوائم العودة وتبدل الأعداد

وقبل بدء الدفعة الحالية، كانت أعداد العائلات المشمولة بالعودة قد شهدت تغيرًا عن الأرقام الأولية.

وقال المتحدث الرسمي باسم لجنة نازحي رأس العين، محمود جميل، في 5 من أيلول، إن العدد الأولي للعائلات المشمولة بعملية العودة كان يبلغ 1035 عائلة، إلا أن بعض العائلات لم تستكمل إجراءات عودتها حتى ذلك الوقت.

وأوضح جميل أن اللجنة كانت تنتظر استكمال التنسيق مع الوفد الرئاسي واللجنة المعنية بعودة النازحين إلى المدينة، ولا سيما فيما يتعلق بالوضع الأمني داخل مركز رأس العين، بهدف ضمان عدم تكرار ما حدث خلال الدفعة الأولى.

الدفعة الأولى توقفت بعد توترات

وتأتي الاستعدادات لاستئناف عودة العائلات بعد التوترات والاعتداءات التي رافقت الدفعة الأولى من العائدين إلى رأس العين في 10 من آب الماضي.

وضمت الدفعة الأولى 410 عائلات، ضمن ترتيبات كانت تشمل عودة نحو 610 عائلات في المرحلة الحالية.

وقالت قيادة الأمن الداخلي في الحسكة حينها إنها تدخلت لفض مشاجرة أعقبت عودة عائلات إلى منازلها “دون تنسيق مسبق”، وأعلنت توقيف عدد من المتورطين وتعليق رحلات العودة مؤقتًا، كإجراء احترازي إلى حين توفير الحماية اللازمة للعائدين.

وامتدت تداعيات الأحداث إلى مناطق أخرى في محافظة الحسكة، بينها الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية وتل تمر ومعبدة، حيث شهدت مناطق عدة احتجاجات وقطعًا للطرق واعتداءات على مقار وممتلكات عامة وخاصة.

وأعلنت السلطات المحلية في حينها اتخاذ إجراءات قانونية بحق عدد من المتورطين في الأحداث.

ووصلت تداعيات التوتر مساء اليوم نفسه إلى مدينة عين العرب “كوباني”، قبل أن تعلن قيادة الأمن الداخلي في حلب في اليوم التالي عودة الهدوء إلى المدينة عقب انتشار قواتها، مع إعلان إصابة 19 عنصرًا وتوقيف سبعة أشخاص على خلفية الأحداث.

سبع سنوات بعيدًا عن رأس العين

تعود قصة العائلات التي تستعد اليوم لمغادرة مخيم الطلائع إلى خريف عام 2019، عندما نزحت عائلات من رأس العين وريفها إثر المعارك التي اندلعت في تشرين الأول من ذلك العام.

وانتهت المعارك بسيطرة فصائل “الجيش الوطني” على المدينة ومناطق واسعة في ريفها، لتبدأ بالنسبة إلى آلاف العائلات مرحلة نزوح طويلة.

استقرت عائلات في مدينة الحسكة، بينما أقامت أخرى في مخيمي توينة والطلائع على أطراف المدينة، حيث أمضى عدد من الأسر سنوات من حياتها في الخيام.

وخلال هذه السنوات، كبر أطفال داخل المخيمات، وولد آخرون فيها، كما حدث مع طفلي محمود المجو اللذين لم يعرفا رأس العين إلا من خلال ما كان والداهما يحكيانه عنها.

وفي المخيم، أمضت رشدة السلمان، وهي في الثمانينيات من عمرها، سنوات من حياتها بعيدًا عن المكان الذي تقول إنها تريد أن تقضي فيه ما تبقى من عمرها.

عودة ضمن ترتيبات جديدة في الحسكة

تأتي عودة أهالي رأس العين ضمن تغيرات ميدانية وإدارية شهدتها محافظة الحسكة خلال عام 2026.

وشهد مطلع العام تغيرًا في خريطة السيطرة بالمحافظة، مع سيطرة الجيش السوري على الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الأرياف الغربية، مقابل انكفاء قوات سوريا الديمقراطية “قسد” إلى المدن الكبرى، ومنها الحسكة والقامشلي.

وأدى ذلك إلى نشوء واقع جديد في المحافظة، تزامن مع اتفاق الحكومة السورية و”قسد” في 29 كانون الثاني، الذي نص على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في المحافظة ضمن هياكل الدولة ووزاراتها.

وكان تسهيل عودة النازحين إلى مناطقهم أحد الملفات التي رافقت الترتيبات الجديدة، إذ نُقلت خلال الفترة الماضية ثماني دفعات من أهالي عفرين الذين كانوا يقيمون في الحسكة، إضافة إلى دفعة من نازحي رأس العين، في إطار ترتيبات لإعادة السكان إلى مناطقهم.

وخلال الأسابيع الماضية، تركزت الجهود كذلك على ملف أهالي رأس العين الموجودين في الحسكة، بالتوازي مع ترتيبات تتعلق بالسكان من الحسكة المقيمين في رأس العين.

عوائل نازحة تقيم في مخيم الطلائع بالحسكة تتحضر للعودة إلى رأس العين – 7 أيلول 2026 (عنب بلدي)

من الخيمة إلى الطريق

مع اقتراب موعد انطلاق القافلة، تحولت خيام مخيم الطلائع إلى أماكن لجمع الأمتعة الأخيرة. عائلات تطوي ما تبقى من أغراضها، وشاحنات تنتظر نقلها، ورجال يقفون أمام إدارة المخيم للاستفسار عن الإجراءات والتعويضات.

بعد سبع سنوات من النزوح، تستعد نحو 700 عائلة للعودة إلى مناطقها الأصلية.

بعضهم، مثل نورة العلي، يريد الوصول إلى منزل وأرض زراعية تركهما ذات يوم تحت القصف.

وبعضهم، مثل محمود المجو، سيعود إلى منزل احترق، ولا يملك من التعويضات ما يكفي لترميمه، لكنه يقول إنه سيبدأ العمل من جديد حتى لو اضطر إلى نصب خيمة في مكان منزله.

أما رشدة السلمان، فتعود وهي في الثمانينيات من عمرها، بعدما ظنت، كما تقول، أنها ربما لن ترى قريتها مرة أخرى.

غدًا، ستغادر شاحنات مخيم الطلائع حاملة العائلات وأمتعتها باتجاه رأس العين وريفها، في الدفعة الثانية من برنامج العودة الطوعية.




×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة