
يعد إلياس كرم وذياب مشهور وأسعد الجابر من الفنانين الذين ذاع صيتهم في تراث الجزيرة السورية الغنائي (تعديل عنب بلدي)

يعد إلياس كرم وذياب مشهور وأسعد الجابر من الفنانين الذين ذاع صيتهم في تراث الجزيرة السورية الغنائي (تعديل عنب بلدي)
عنب بلدي – أمير حقوق
شكلت الجزيرة السورية خزانًا للثقافة والتراث والفن السوري، وعلى ضفاف الفرات من الرقة إلى دير الزور، وفي امتداد الجزيرة نحو الحسكة ومناطقها، عاشت ألوان غنائية وشعرية حملت أسماءها وإيقاعاتها وطرائق أدائها من جيل إلى آخر.
كانت “الموليا” و”العتابا” و”النايل” و”السويحلي” و”الهجيني” و”الحداء”، إلى جانب أغاني العمل والحصاد والدبكات، جزءًا من الحياة اليومية والمناسبات الاجتماعية، ولم تكن هذه الألوان مجرد مواد للغناء في الأعراس والجلسات، بل ارتبطت بالشعر الشفهي وبالتعبير عن الحب والفراق والغربة والفرح والحياة الريفية والبادية.
الحديث عن الغناء في الجزيرة لا يتوقف عند البيئة العربية والفراتية، فالمنطقة تشكلت تاريخيًا من جماعات ولغات وثقافات متعددة، وظهر ذلك في غنائها أيضًا، مع حضور ألوان كردية ومردلية وسريانية وآشورية.
هذا التنوع يجعل تراث الجزيرة أقرب إلى خريطة موسيقية متعددة الطبقات، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤالًا آخر: لماذا لم يحظَ هذا التراث بالحضور نفسه الذي حظيت به ألوان غنائية ارتبطت بمدن سورية كبرى؟
تنبع خصوصية الغناء الفراتي والجزراوي، بحسب الشاعر والخبير بتراث الجزيرة الفني مثنى العبود، من التنوع والتجاور والتفاعل بين جماعات وبيئات متعددة، وليس من لون واحد أو هوية موسيقية مغلقة.
ويضم الجانب العربي والفراتي، بحسب العبود، “الموليا” و”العتابا” و”النايل” و”السويحلي”، إلى جانب “الهجيني” و”الحداء” وأغاني العمل والحصاد والدبكات، فيما رافقت هذه الألوان آلات شعبية مثل الربابة والناي والدف.
ولا تقتصر الخصوصية، في نظر العبود، على الألحان والآلات، بل تمتد إلى طريقة التعبير نفسها، إذ تحمل الأغنية الفراتية والجزراوية ذاكرة الفرات والبادية والريف والحياة الاجتماعية، وتتناول الحب والفراق والغربة والفرح وتفاصيل الحياة اليومية.
وتمنح هذه العلاقة بين الغناء والمكان التراث الشعبي وظيفة تتجاوز الترفيه، فالأغنية، في هذا السياق، تصبح وسيلة لحفظ الذاكرة الشفوية لمجتمع كامل، وفقًا للعبود.
أما الموسيقي والخبير بالغناء الكردي والمردلي نجدت موسى، فيربط خصوصية الجزيرة بتعدد اللهجات والبيئات الجغرافية والثقافية، ويضع اللهجات الشاوية والكردية والمردلية والآشورية ضمن هذا المشهد المتنوع.
ويرى أن هذا التعدد أنتج اختلافًا في النغم الموسيقي، بحيث يمثل كل لون جانبًا من الحضارات والثقافات التي عاشت في المنطقة.
تعدد اللهجات في الجزيرة أنتج اختلافًا في النغم الموسيقي، بحيث يمثل كل لون جانبًا من الحضارات والثقافات التي عاشت في المنطقة.
نجدت موسى
موسيقي وخبير بالغناء الكردي والمردلي
رغم اتساع حضور هذه الألوان في مجتمعاتها، فإن الانتشار الشعبي لم يكن كافيًا لتحويلها إلى جزء بارز من المشهد الموسيقي السوري على المستوى المؤسسي والإعلامي، كاللون الدمشقي والحلبي والساحلي.
وهنا يميز العبود بين الشعبية والاعتراف المؤسسي، فـ”الموليا” و”العتابا” و”النايل” وغيرها لم تكن ألوانًا مجهولة أو محدودة الجمهور، بل تجاوز بعضها البيئة الفراتية ووصل إلى العراق ومناطق أخرى.
لكن امتلاك جمهور واسع لا يعني بالضرورة امتلاك الوسائل التي تسمح للون الفني بأن يصبح حاضرًا في الإذاعة والتلفزيون والمسرح ومؤسسات التوثيق والإنتاج.
ويربط العبود ذلك بطبيعة التوزيع الثقافي والإعلامي في سوريا، حيث امتلكت دمشق وحلب في مراحل مبكرة مؤسسات إعلامية وثقافية، وشبكات إنتاج وتوثيق، أتاحت للألوان المرتبطة بهما فرصة أكبر للوصول إلى الجمهور السوري والعربي.
في المقابل، اعتمد جانب كبير من الغناء الفراتي على التداول الشفهي والأعراس والجلسات والمناسبات والتسجيلات المحلية، ما جعله حاضرًا بقوة في محيطه الاجتماعي، لكن بفرص أقل في التوثيق والإنتاج الإعلامي المنظم.
ويرى موسى أن الإعلام كان أحد المقومات الأساسية لانتشار الأغنية، ويعتبر أن الجزيرة عانت من تهميش إعلامي، مع التأكيد في الوقت نفسه على ما قدمه فنانو المنطقة رغم محدودية الحضور الإعلامي.
يحتاج الحديث عن علاقة الجزيرة بالمؤسسات الثقافية إلى قدر من الدقة، فهذه الألوان لم تكن غائبة بالكامل عن المشهد السوري، ولذلك يفضل العبود الحديث عن تهميش ثقافي وإعلامي بدل الإقصاء المطلق.
ويعزو هذا التهميش إلى تراكم عوامل، من بينها المركزية الثقافية والإعلامية، وضعف التوثيق المحلي، والنظرة الاجتماعية التي كانت تنظر أحيانًا إلى بعض الفنون الريفية باعتبارها مرتبطة بمنطقتها، في مقابل تحول ألوان المدن الكبرى إلى جزء أكثر حضورًا في تعريف الثقافة السورية كدمشق وحلب.
وفي هذا السياق، لا يرى العبود أن المسألة يمكن اختزالها في قرار واحد بتهميش الجزيرة، بل في مسار طويل تداخلت فيه المؤسسات والسياسات الثقافية والإعلامية مع طبيعة الانتشار الجغرافي والإنتاج الفني.
ونوه إلى أنه لا يمكن أيضًا تجاهل أن الجزيرة منطقة شديدة التنوع، وفيها لغات وثقافات متعددة، وهذا التنوع كان يمكن أن يكون مصدر قوة ثقافية كبيرة، لكنه في بعض المراحل جعل حضور بعض مكوناتها، وخصوصًا ما يرتبط باللغة والثقافة الكردية، أكثر حساسية سياسيًا.
ويعتقد أن الإنصاف الحقيقي لا يكون بإلغاء مكانة دمشق وحلب، وإنما بأن نقول إن سوريا الثقافية أكبر من دمشق وحلب، والجزيرة والفرات جزء أساسي من هذه الصورة.
التهميش الثقافي والإعلامي للتراث الغنائي للجزيرة السورية يعود إلى تراكم عوامل، من بينها ضعف التوثيق المحلي، والنظرة الاجتماعية التي كانت تنظر أحيانًا إلى بعض الفنون الريفية باعتبارها مرتبطة بمنطقتها، في مقابل تحول ألوان المدن الكبرى إلى جزء أكثر حضورًا في تعريف الثقافة السورية كدمشق وحلب.
مثنى العبود
شاعر وخبير بتراث الجزيرة الفني
أما موسى فيذهب إلى مستوى آخر من التفسير، إذ يرى أن سياسات وزارة الثقافة والإعلام السورية في مراحل سابقة من عهد النظام السابق، تعاملت مع التعبيرات الثقافية ضمن إطار أيديولوجي محدد، ويشير بصورة خاصة إلى الحساسية التي أحاطت ببعض التعبيرات المرتبطة بالثقافتين الكردية والآشورية والسريانية.
وبينما تختلف زاوية الخبيرين في تفسير أسباب التهميش، يلتقيان عند حقيقة أن حضور التراث في الحياة اليومية لم يكن يوازي بالضرورة حضوره داخل المؤسسات الإعلامية والثقافية.
وهذا الفرق مهم برأيهما، لأن التراث قد يكون حيًا داخل المجتمع، لكنه يظل محدود الحضور في السجل الثقافي العام إذا لم يدخل في مشاريع التوثيق والدراسة والإنتاج والعرض.
أحدثت منصات التواصل الاجتماعي تغييرًا مهمًا في علاقة التراث الفراتي والجزراوي بجمهوره، فالأغنية التي كان انتشارها يعتمد على عرس أو جلسة أو تسجيل محلي، بات بإمكانها الوصول إلى مستمعين خارج المنطقة من دون المرور بالضرورة عبر مؤسسة إعلامية مركزية.
ويرى العبود أن هذا التطور يمثل بداية إعادة اكتشاف حقيقية للتراث، لكنه لا يزال في مراحله الأولى، فالانتشار الرقمي، برأيه، قد يكون سريعًا ومؤقتًا، بينما يحتاج حفظ التراث إلى جمع التسجيلات القديمة وتوثيق أسماء الشعراء والمغنين، ودراسة الألحان والروايات الشفوية، وتعليم الأجيال الجديدة هذه الألوان وإعادة إنتاجها من دون فقدان هويتها.
وفي هذا السياق، يستعيد موسى تجارب وفرقًا أسهمت في الحفاظ على التراث، ومنها فرقة الرقة للتراث بقيادة عبد السلام العجيل، وفرقة التراث الفراتي بقيادة الفنان الراحل أبو حياة، كما يشير إلى أسماء ارتبطت بالأغنية المردلية، بينها حنا صليبا وفؤاد نيسان وإبراهيم كيفو وجان كارات.
ويرى أن الجيل الجديد يؤدي دورًا في توسيع انتشار الأغنية الجزراوية عبر منصات التواصل، ويذكر ضمن فناني الغناء الشعبي داود العبد الله وعدنان الحبوب وعمر سليمان.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى