أرمن كسب.. اندماج اجتماعي لا يمحو الخصوصية الثقافية

لقطة جوية لمعامل في مدينة حسياء الصناعية بمحافظة حمص - 10 حزيران 2026 (وزارة الاقتصاد والصناعة السورية/فيسبوك)

camera iconلقطة جوية لمعامل في مدينة حسياء الصناعية بمحافظة حمص - 10 حزيران 2026 (وزارة الاقتصاد والصناعة السورية/فيسبوك)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – آلاء شعبو

نشأت نورا أليكيان (55 عامًا) في كسب وهي تتحدث بلهجة محلية تسميها العائلات الأرمنية في البلدة “الكسبلية”، ورثتها عن أهلها، كما ورثت أكلات وطقوسًا وأغاني أصبحت جزءًا من حياتها اليومية، في بلدة تغير شكل مجتمعها مع مغادرة معظم أبنائها.

لـ”الكسبلية” خصوصيتها حتى بين الأرمن، إذ تقول كارون جوريان (45 عامًا)، إن الأرمني القادم من خارج كسب قد لا يفهمها، وتصفها بأنها قريبة من لغة العنجر (نسبة إلى بلدة عنجر اللبنانية الواقعة في سهل البقاع والتي يتكون أغلب سكانها من الأرمن)، لكنها ليست مطابقة لها، بينما يتوارثها أبناء كسب داخل عائلاتهم جيلًا بعد آخر.

في حديث إلى عنب بلدي، تستعيد أليكيان وجوريان، إلى جانب أوهانس نوسكيان (62 عامًا)، تفاصيل من حياة الأرمن في كسب، من اللغة التي نشؤوا عليها إلى الطقوس والعادات التي ما زالت حاضرة، وما تركته الهجرة في مجتمع البلدة.

“عيد السيدة”.. حين تسهر كسب حتى الصباح

تصف كارون جوريان، في حديث إلى عنب بلدي، تفاصيل “عيد السيدة” في كسب، وهي مناسبة تجمع أبناء البلدة وزوارًا من مناطق سورية مختلفة، وتقام يوم الأحد الأقرب إلى 15 من آب من كل عام.

ولا يقتصر العيد على الاحتفال، إذ تبدأ العائلات التحضير له منذ وقت مبكر، بينما ينشغل الشباب بإعداد الطعام والسهر حتى الصباح.

وترتبط المناسبة لدى بعض العائلات بالنذر، فيذبح أصحابه خروفًا أو ديكًا، وتُحضّر “الهريسة” من الحنطة في حلل كبيرة تُطبخ في ساحة البلدة، ثم توزّع على الأهالي، في طقس تتوارثه العائلات ويجمع الناس حول الطعام والاحتفال.

وترافق العيد فعاليات تحضر فيها الموسيقا والأغاني والرقصات والأطعمة التقليدية، إلى جانب عرض منتجات محلية يصنعها أبناء المنطقة، ما يتيح للأهالي التعريف بمنتجاتهم وتسويقها للزوار.

الهجرة.. مجتمع أصغر وذاكرة متفرقة

تغيّر حجم المجتمع الأرمني في كسب خلال السنوات الماضية مع مغادرة عدد كبير من عائلات البلدة، إذ يقول أبناؤها إن عدد العائلات الأرمنية كان يقدّر بنحو 300 عائلة، خسر المجتمع أكثر من نصفها منذ عام 2014، بعد موجة التهجير التي شهدتها البلدة، ثم استمرت الهجرة لاحقًا لأسباب متعددة.

وبحسب أبناء البلدة، لم تكن الحرب وحدها سبب مغادرة العائلات، إذ دفعت الظروف الاقتصادية، وتداعيات الصراع منذ سنوات الثورة، إلى جانب رغبة بعض العائلات في تأمين فرص الدراسة لأبنائها، إلى مغادرة كسب والاستقرار في لبنان ودول الخليج وأوروبا وغيرها.

وقال أوهانس نوسكيان (62 عامًا)، إن تراجع عدد المقيمين انعكس على الحياة الاجتماعية في البلدة، ولا سيما مع غياب جزء كبير من الجيل الجديد، الذي كان يشكل امتدادًا للعادات والتقاليد المحلية، بينما ذكرت نورا أليكيان أن معظم أفراد عائلتها الممتدة غادروا كسب، ولم يبقَ منهم في البلدة سوى هي وزوجها وأبنائها.

المدارس.. أثر الهجرة على التعليم

مع تراجع عدد العائلات الأرمنية المقيمة في كسب، طال التغيير أيضًا مدارس البلدة، التي كانت تضم ثلاث مدارس أرمنية، بحسب أليكيان، قبل أن يتراجع عددها إلى مدرستين أرمنيتين، إلى جانب مدرسة حكومية ثانوية.

وقالت إن اللغة الأرمنية تُدرّس في المدارس، إلى جانب استخدامها داخل العائلات، حيث يتعلمها الأطفال من أهلهم.

وتشير الطائفة الإنجيلية الأرمنية في سوريا إلى أن مدرسة “الشهداء الإنجيلية الأرمنية” في كسب تأسست عام 1852، وما زالت تعمل في التعليم الأساسي، وتضم حاليًا 76 طالبًا.

الرقصات “الكسبلية”.. “ديلاني” التي بقيت من الذاكرة

لا تقتصر خصوصية الأعراس في كسب على الأغاني والموسيقا، إذ تحتفظ البلدة برقصة شعبية دائرية تُعرف باسم “ديلاني”، ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية وأصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية لأبنائها.

ووثّق الباحث هاكوب تشولاكيان رقصة “ديلاني” ضمن دراسة تناولت موسيقا ورقصات كسب، موضحًا أن الاسم يُستخدم في اللهجة “الكسبلية” للدلالة على هذا النوع من الرقص الدائري، ويرتبط أداؤه بموسيقا الزرنة والطبل.

وقالت كارون جوريان، إن الأعراس في كسب لا تزال ترافقها الأغاني والرقصات الشعبية، وتعزف خلالها الفرق الأرمنية باستخدام الطبل والزرنة، بينما تراجع حضور بعض المظاهر التقليدية الأخرى، ومنها ارتداء الزي الأرمني، الذي لم يعد حاضرًا بصورة واسعة في الأعراس.

الأكلات.. وصفات بقيت في البيوت

تحضر العادات الغذائية أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية للأرمن في كسب، إذ تحتفظ العائلات بأطباق توارثتها عن أجيال سابقة، من بينها الإيتش وكبة العدس وكبة البطاطا، وكعكة زيت الزيتون، بحسب نورا أليكيان.

وقالت أليكيان، إن هذه الأطباق جزء من المطبخ الذي نشأت عليه، إلى جانب الأكلات والطقوس التي ورثتها عن أهلها، ولا تقتصر على المناسبات، بل تحضر في البيوت ضمن تفاصيل الحياة اليومية.

التعايش مع الحفاظ على الخصوصية

أرمن من كسب ذكروا أن حياتهم في البلدة قامت على التعايش مع العرب والمسلمين من مختلف الطوائف، مع بقاء خصوصيتهم الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع الأرمني.

وأشارت نورا أليكيان إلى أن الأرمن في كسب عاشوا إلى جانب جيرانهم من مختلف الطوائف، كما قالت كارون جوريان إن العلاقات اليومية بين السكان لم تكن قائمة على الانتماء الديني وحده.

أوهانس نوسكيان قال إن العائلات الأرمنية، رغم علاقاتها بالمحيط، كانت تفضّل الزواج من داخل المجتمع الأرمني، وهو ما بقي حاضرًا لدى كثير من العائلات في كسب.

الأرض والسياحة.. مصادر رزق في كسب

تعتمد عائلات في كسب على الزراعة وما تنتجه أراضيها، إلى جانب تأجير المنازل للزوار خلال موسم الاصطياف، بحسب أبناء البلدة، الذين يشيرون أيضًا إلى شهرة كسب بمنتجات محلية، بينها الصابون.

ويعتمد أوهانس نوسكيان على منتجات أرضه مصدرًا لدخله، إذ يبيع على “بسطة” بمحاذاة الطريق التفاح وخل التفاح وغيرهما من المنتجات الزراعية.

ولا تقتصر الاستفادة من الموسم السياحي على تأجير المنازل، إذ تنشط خلال فترة الاصطياف حركة البيع للزوار، سواء للمنتجات الزراعية أو المواد الغذائية التي تنتجها العائلات في البلدة. وتتيح هذه الفترة لبعض أبناء كسب تسويق منتجات أراضيهم مباشرة للزوار، في وقت تشكل فيه الزراعة مصدر دخل أساسيًا لعائلات تعتمد على ما تنتجه أراضيها.

وتبقى المنتجات المرتبطة بالمنطقة جزءًا من صورة كسب لدى زوارها، ومنها الصابون، إلى جانب التفاح ومنتجات زراعية وغذائية أخرى، بينما يرتبط استمرار بعض هذه الأعمال ببقاء أصحابها في البلدة وتمسكهم بمصادر رزقهم المحلية.

الأرمن في سوريا.. جذور تتجاوز قرنًا

لا يمكن فصل خصوصية أرمن كسب عن تاريخ الوجود الأرمني في سوريا، الذي يعود إلى ما قبل تشكل المجتمع الأرمني السوري الحديث، فوجود الأرمن في سوريا لم يبدأ مع الحرب العالمية الأولى، إذ تشير مصادر تاريخية إلى حضور أرمني في الأراضي السورية منذ قرون، مع وصول مجموعات إلى شمالي سوريا خصوصًا خلال العصور الوسطى واستقرارها في مناطق مختلفة.

وبحسب المفوضية العليا لشؤون الشتات في أرمينيا، تشكّل المجتمع الأرمني السوري بشكله الحديث بصورة أساسية بين عامي 1915 و1920، بعد تهجير الأرمن خلال الإبادة الأرمنية في الدولة العثمانية، ووصول أعداد كبيرة من المهجّرين إلى سوريا، ولا سيما حلب ومناطق أخرى.

ومع استقرار الناجين وتشكّل أحياء ومؤسسات ومدارس وكنائس أرمنية، أصبح الأرمن جزءًا من النسيج الاجتماعي السوري، وتوزعوا بين حلب ودمشق واللاذقية وكسب والقامشلي وحمص ومناطق أخرى. وقبل الحرب السورية عام 2011، كانت تقديرات مختلفة تشير إلى وجود نحو 100 ألف أرمني في سوريا، كان نحو 60 ألفًا منهم في حلب.

ويذكر متحف ومعهد الإبادة الجماعية الأرمنية أن كسب كانت تضم قبل أحداث 2014 ثلاث كنائس أرمنية، هي كنيسة السيدة العذراء الرسولية، وكنيسة القديس ميخائيل رئيس الملائكة الأرمنية الكاثوليكية، وكنيسة الثالوث الأقدس الإنجيلية الأرمنية، إلى جانب مدارس ومؤسسات تعليمية أرمنية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة