
من طقوس الأعراس في مدينة السويداء - 25 كانون الثاني 2023 (سلمان البدعيش)

من طقوس الأعراس في مدينة السويداء - 25 كانون الثاني 2023 (سلمان البدعيش)
يتذكر عزات الشوفي، الذي تزوج عام 1978، عرسه وأعراس قريته التي كانت تمتد إلى سبع ليالٍ، تتخللها الولائم والذبائح التي كانت تعرف باسم “القِرى”.
لكنه إن أعراس السويداء لم تعد تشبه ما كانت عليه قبل عقود، إذ اختُصرت مراسم الزواج التي كانت تمتد لأيام طويلة إلى طقوس أقل وأقصر، وصولًا إلى إقامة عقد الزواج والعرس في يوم واحد، أو الاستغناء عن حفلة الزفاف بالكامل في بعض الحالات.
ويرتبط هذا التغيير وتبدل العادات بارتفاع تكاليف الزواج، إذ بات المقبلون على الزواج أمام نفقات تشمل حجز الصالات والضيافة والنقل وتجهيز المنزل وجهاز العروس، بينما دفعت أحداث تموز 2025 وما بعدها، التي مر بها أبناء المحافظة بعضهم إلى تقليص احتفالاتهم أو إلغائها.
وقال عزات الشوفي، الذي يبلغ من العمر 68 عامًا، إن الليلة الأولى كانت تتضمن حفلًا للعريس، يشبه في بعض تفاصيله حفلات توديع العزوبية الحالية، فيما كانت الليلة الثانية مخصصة لما يسمى “عشاء العروس”، وهي حفلة تجمع النساء والفتيات من أقارب العروسين، ويقدم خلالها الطعام “مناسف الملحية”.
وفي اليوم الثالث كانت العروس تُنقل إلى ما يعرف بـ”بيت الضيافة”، وهو منزل إحدى عائلات أصدقاء أهل العريس، في تقليد كان يحمل معنى تقدير العريس والتعبير عن المحبة، وكانت الحنة تقام للعروس في بيت الضيافة، قبل أن تُزف إلى منزل زوجها على ظهر الخيل.
وتستمر الاحتفالات طيلة الأيام السبعة، وكان عدد المدعوين كبيرًا ويضم معارف العائلة من قرى مختلفة، إلى جانب فرق موسيقية ومطربين.
لم تبقَ الأعراس على هذا الشكل، إذ بدأت مدة الاحتفال تتقلص تدريجيًا.
وبحسب عزات، اختُصرت الأعراس في التسعينيات تقريبًا من سبع ليالٍ إلى ثلاث ليالٍ، تضمنت “عشاء العروس”، وحفلًا يضم أقارب العروسين دون حضور العروس، ثم يوم العرس.
ومع مرور الوقت، اختُصرت المراسم أكثر، لتصبح في كثير من الحالات مقتصرة على يوم واحد، يجتمع فيه عقد الزواج “عقد المشايخ”، مع الزفاف “الردة”، بعدما كان العقد يتم قبيل العرس بيوم أو يومين.
وكانت العروس وقريباتهن، يرتدين خلال هذه المراسم اللباس التراثي للسويداء المعروف باسم “العربي”، وفي اليوم التالي تُزف العروس إلى بيت زوجها في “عرسية” كبيرة، ويقام الزفاف إما في ساحة قرية العريس أو في صالة أعراس بالمدينة.
أما اليوم، فيفضل بعض المقبلين على الزواج عدم إقامة حفلة عرس من الأساس.
وتراجعت أيضًا مراسم “التتميمة” التي تسبق العقد، ويتم خلالها “حد الفيد”، أي تحديد المهر وموعد الزفاف. وكان يشارك فيها عدد كبير من أقارب العريس تسمى “كدة”، وقد يحتاج نقلهم أحيانًا إلى حافلات، بينما تقتصر المشاركة اليوم على عدد أقل من أفراد العائلة.
كما تغيرت حفلة “عشا العروس”، التي كانت تجمع عددًا كبيرًا من النساء والفتيات، لتأخذ اليوم شكلًا أقرب إلى حفلة توديع العزوبية للعروس، بحضور عدد أقل من الأقارب والصديقات المقربات وتكاليف أقل.
وترى سمر، التي فضلت عدم ذكر اسمها الكامل، أن الأعراس القديمة، رغم طول مدتها وكثرة المدعوين والذبائح، كانت أبسط مما تبدو عليه اليوم.
وأوضحت السيدة الخمسينية، أن معظم الذبائح كانت من المواشي التي تربيها العائلات نفسها، كما كان بعض المدعوون يقدمون المواشي كهدايا.
وتصف سمر تلك الأعراس بأنها كانت بسيطة ومليئة بالحب، بعيدًا عن مظاهر الأعراس الحالية.
في الوقت الحالي، لا تتوقف تكاليف الزواج عند مراسم العرس، إذ تبدأ النفقات من تجهيز المنزل واستئجاره، وصولًا إلى جهاز العروس والضيافة والنقل وحجز مكان إقامة الحفل.
وبحسب ما رصدته عنب بلدي، فإن متوسط كلفة حجز بعض الصالات أو المقاهي نحو 350 دولارًا، وترتفع بحسب الخدمات التي يتضمنها الحجز، مثل وجود “دي جي” أو الضيافة.
ويضاف إلى ذلك أجور حافلات نقل الضيوف، فضلًا عن تكاليف الضيافة للعقد، حتى في حال عدم إقامة حفلة زفاف.
أما تجهيز المنزل، فيشكل بندًا آخر من النفقات، إلى جانب شراء الأدوات والأثاث، فيما يضيف جهاز العروس من ملابس ومستلزمات أخرى تكاليف إضافية.
وقالت شهد القاسم (24 عامًا)، وهي عروس جديدة، لعنب بلدي إنها أنفقت ما يقارب 300 دولار، لكنها لم تنتهِ من شراء احتياجاتها، إذ لا تزال تركز على المستلزمات الأساسية.
بالنسبة إلى بعض المقبلين على الزواج، لم يكن ارتفاع التكاليف العامل الوحيد في تغيير شكل العرس، إذ جاءت أحداث تموز لتفرض خسائر وظروفًا جديدة على عائلات وشبان كانوا قد بدأوا تجهيز حياتهم الزوجية.
عدي عزام، شاب من الريف الغربي بالسويداء، يستعد للزواج الشهر المقبل، وكان يخطط للزواج العام الماضي، ويقول إنه كان قد جهّز منزله وعمله بشكل جيد، وجمع المال اللازم للزواج.
لكن أحداث تموز أجبرته على النزوح، وخسر كل ما يملك بما في ذلك الأموال التي جمعها للزواج.
وأعاد تأسيس حياته بإمكانات محدودة، حسبما قال لعنب بلدي، وسيعيش مع عائلته في المنزل المستأجر نفسه في مدينة السويداء، بعدما كان يخطط للسكن في منزل مستقل في قريته .
ولن يتمكن عدي من إقامة حفلة زفاف، إذ يرى أن تكلفتها مرتفعة مقارنة بقدرته الحالية، مكتفيًا بإتمام مراسم الزواج من دون الاحتفال الذي كان يخطط له.
وبينما كانت أعراس السويداء في الماضي تمتد لأيام وتشترك فيها عائلات وقرى بأكملها، باتت اليوم أقصر وأقل في تفاصيلها.
ومع ارتفاع كلفة تجهيز الحياة الزوجية نفسها، لم تعد حفلة العرس بالنسبة إلى بعض المقبلين على الزواج أولوية، بل تفصيلًا يمكن اختصاره أو الاستغناء عنه.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى