من الاقتصاد إلى الأمن والجغرافيا

سوريا وتركيا تبنيان مستويات متعددة للعلاقات

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يستقبل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان - 13 أيلول 2026 (وزارة الخارجية السورية)

camera iconوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يستقبل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان - 13 أيلول 2026 (وزارة الخارجية السورية)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – يزن قر

تأتي زيارة وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الأخيرة إلى دمشق في مرحلة تشهد فيها العلاقات السورية-التركية انتقالًا تدريجيًا من التنسيق السياسي الذي أعقب التغيير في سوريا إلى محاولة بناء شراكة أكثر انتظامًا في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية.

الزيارة، التي جرت في 13 و14 من أيلول الحالي، لم تقتصر على لقاء فيدان بنظيره السوري أسعد الشيباني، إذ التقى أيضًا الرئيس السوري، أحمد الشرع، وعقد اجتماعًا ثلاثيًا مع وزيري الخارجية والداخلية السوريين، ما يعكس اتساع الملفات المطروحة بين البلدين.

وتظهر التصريحات الرسمية أن النقاش يتجه نحو إيجاد آليات مؤسسية لإدارة هذه الملفات، وفي مقدمتها إعادة تفعيل اللجنة العليا المشتركة، إلى جانب تعزيز آليات التخطيط والتنسيق ومتابعة التعاون بين البلدين.

ويكتسب الجانب الاقتصادي أهمية خاصة، مع طرح دمشق رفع حجم التبادل التجاري مع تركيا من نحو أربعة إلى عشرة مليارات دولار، بالتوازي مع الحديث عن مناطق صناعية حدودية مشتركة ومشروعات في الطاقة والغاز والكهرباء وربط الشبكات.

كما برزت ملفات التمويل والتأشيرات ورخص العمل والتراخيص والشهادات، باعتبارها عوامل مؤثرة في حركة المستثمرين والشركات والأفراد بين البلدين.

وفي قطاع الطاقة، تحدث الشيباني عن إعداد وثيقة استراتيجية تجمع ملفات الغاز والكهرباء والربط الشبكي، في سياق تعاون بدأ باتفاق الطاقة الموقع في أيار 2025.

ولا ينفصل التعاون الاقتصادي عن البعد الإقليمي، إذ يمكن لسوريا أن تشكل جزءًا من مسارات الربط بين تركيا والعراق ودول الخليج والأردن، وصولًا إلى البحر المتوسط وأوروبا.

في المقابل، يبقى الملف الأمني من أكثر الملفات حساسية، خاصة مع تركيز أنقرة على دمج التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، إلى جانب بحث وضع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ومسار الدمج شمال شرقي سوريا.

أما ملف عودة السوريين فيحضر ضمن العلاقة السياسية والاقتصادية، مع حديث دمشق عن برنامج للعودة المنظمة، وربطه بالسكن والعمل والنقل وإعادة الإعمار.

وبذلك، تبدو زيارة فيدان محطة لتحديد إطار المرحلة المقبلة، لكن مخرجاتها الفعلية ستتوقف على قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات المعلنة إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.

المصالح تدفع نحو شراكة استراتيجية

حديث وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، عن تسريع العلاقات مع تركيا وتوطيدها، أصبح أمرًا طبيعيًا بالنظر إلى مستوى التعاون القائم بين البلدين، وحجم الاتفاقيات الموقعة خلال الفترة الماضية، بحسب ما قاله الكاتب والباحث السياسي درويش خليفة.

وأضاف خليفة، في حديث إلى عنب بلدي، أن العلاقات السورية-التركية لم تعد تقتصر على الإطار السياسي أو الدبلوماسي، مشيرًا إلى أن عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين الطرفين، والذي أشار الجانب السوري إلى وصوله إلى نحو 40 اتفاقية و22 مذكرة تفاهم، يعكس، بحسب تقديره، انتقال العلاقة من مستوى العلاقات الجيدة إلى شراكة متنامية في مجالات متعددة.

وأشار إلى أن هذا التطور يرتبط بمجموعة من المصالح المتبادلة بين البلدين، إذ إن وجود أعداد كبيرة من السوريين في تركيا يمنح العلاقة بعدًا إضافيًا، إلى جانب العلاقات الاقتصادية والتجارية المتنامية، التي يمكن أن تشكل أحد المحركات الأساسية لاستمرار التعاون بين دمشق وأنقرة.

ولفت خليفة إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين مرشح، بحسب التوقعات المطروحة، للوصول إلى نحو عشرة مليارات دولار خلال العامين المقبلين، معتبرًا أن الوصول إلى هذا الرقم، في حال تحقق، يمكن أن يفتح المجال أمام توسيع التعاون الاقتصادي وزيادة الاستثمارات والشراكات بين الشركات والمؤسسات في البلدين.

سوريا بوابة تجارية لتركيا

يرى الباحث السياسي أن أهمية سوريا بالنسبة إلى تركيا لا ترتبط فقط بحجم السوق السورية أو بالحدود المشتركة، وإنما بموقعها الجغرافي الذي يمكن أن يمنح المنتجات التركية منفذًا إلى أسواق المنطقة.

وأوضح أن سوريا يمكن أن تشكل بوابة للمنتجات التركية باتجاه دول مجلس التعاون الخليجي وشمال إفريقيا، في حال تطوير طرق النقل والبنية التحتية والربط التجاري، مشيرًا إلى أن تحول سوريا إلى مركز للترانزيت يمكن أن يخفف تكاليف وأعباء النقل على المصدّرين الأتراك.

وأضاف أن هذا المسار لا يخدم تركيا وحدها، إذ يمكن لسوريا الاستفادة من حركة التجارة والنقل عبر أراضيها، سواء من خلال الرسوم والخدمات المرتبطة بالنقل أو من خلال تنشيط قطاعات اقتصادية وخدمية مرتبطة بحركة البضائع والاستثمارات.

التعاون يتجاوز الاقتصاد

بحسب الكاتب السياسي، فإن المصالح المشتركة بين دمشق وأنقرة لا تقتصر على التجارة والاستثمار، وإنما تشمل ملفات الدفاع والأمن أيضًا، في ظل الوجود العسكري والأمني التركي في سوريا.

وأشار إلى وجود روابط أسرية وعشائرية واجتماعية وقومية بين مجموعات سكانية على جانبي الحدود، ما يضيف، بحسب رأيه، عوامل أخرى إلى طبيعة العلاقة بين البلدين.

لكنه اعتبر أن النظر إلى العلاقة من زاوية المصالح الاقتصادية وحدها يظهر وجود دوافع كافية لاستمرار التعاون، بعيدًا عن الجوانب المجتمعية والعاطفية.

وأضاف أن تركيا تشارك في دعم بناء وهيكلة الجيش السوري وتعزيز قدراته وخبراته العسكرية، معتبرًا أن ذلك يضيف بعدًا دفاعيًا واستراتيجيًا إلى العلاقة، ويجعل الملفات الأمنية والعسكرية جزءًا أساسيًا من مسار التعاون بين الطرفين.

ويرى خليفة أن تعدد الملفات والمصالح المشتركة يجعل من الصعب فصل مسار العلاقات السورية-التركية عن بعضها، إذ تتقاطع فيه الاعتبارات الاقتصادية مع الأمن والدفاع وحركة السكان والتجارة والموقع الجغرافي لسوريا.

علاقة تتجاوز ملف اللاجئين

العلاقات بين الطرفين، بحسب تقدير خليفة، لن تتوقف عند ملف اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا، رغم الأهمية التي يكتسبها هذا الملف بالنسبة إلى البلدين.

وأضاف أن العلاقة لا يمكن اختزالها كذلك في حاجة تركيا إلى سوريا كدولة ترانزيت أو بوابة للوصول إلى أسواق المشرق العربي، معتبرًا أن المصالح المتبادلة بين دمشق وأنقرة تتجاوز هذه الملفات إلى أبعاد إقليمية ودولية أوسع.

وأوضح أن سوريا يمكن أن تشكل، ضمن هذا المسار، مساحة لربط المصالح التركية مع الدول الغربية، خصوصًا في ظل العلاقات التي تربط أنقرة بالدول الغربية وحلف شمال الأطلسي (الناتو).

 

موقع تركيا وعلاقاتها الإقليمية يمكن أن يمنحاها دورًا في دعم إعادة بناء الاقتصاد السوري، وربط مشاريع إعادة الإعمار بمصالح دول وشركات خارجية.

درويش خليفة

كاتب وباحث سياسي

 

تركيا وإعادة إعمار سوريا

طرح خليفة إمكانية أن تلعب تركيا دورًا في الدفع نحو عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا، بمشاركة المنظمات الدولية والدول الحليفة لأنقرة.

وأشار إلى إمكانية مشاركة دول آسيا الوسطى في هذا المسار، بالنظر إلى الروابط والعلاقات الوثيقة التي تجمع عددًا منها بتركيا، معتبرًا أن شبكة العلاقات التركية يمكن أن تساعد في توسيع دائرة الدول والمؤسسات المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار السورية.

وقال إن علاقات أنقرة مع دول حلف “الناتو”، إلى جانب نفوذها وعلاقاتها المتنامية في آسيا الوسطى، يمكن أن تشكل رافعة لدعم مسار إعادة الإعمار في سوريا، سواء من خلال الاستثمارات أو الخبرات أو فتح قنوات تعاون مع مؤسسات وشركات دولية.

ويرى خليفة أن هذا الدور المحتمل لا يعني أن تركيا ستكون الجهة الوحيدة القادرة على دعم إعادة الإعمار، وإنما يمكن أن تستخدم شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية للمساهمة في جذب أطراف أخرى إلى هذا المسار.

شراكة طويلة الأمد

ما يجمع سوريا وتركيا من مصالح اقتصادية وأمنية وإقليمية ودولية يمكن أن يدفع بالعلاقات بينهما إلى مستويات أكثر عمقًا خلال المرحلة المقبلة، بحسب خليفة.

وقال إن طبيعة الملفات المطروحة اليوم، من التجارة والطاقة والنقل والاستثمار إلى الدفاع والأمن وعودة السوريين وإعادة الإعمار، تشير إلى علاقة متعددة المستويات لا يمكن اختزالها في ملف واحد.

ويرى أن استمرار توطيد العلاقات يمكن أن يفتح المجال أمام بناء شراكات طويلة الأمد، خصوصًا إذا نجح الطرفان في تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة إلى مشاريع عملية ونتائج ملموسة.

وفيما يتعلق بمستقبل العلاقات السياسية بين البلدين، قال خليفة إن بقاء حزب “العدالة والتنمية” بالسلطة في تركيا، وفق تقديره، يعني استمرار العلاقات التركية-السورية ضمن مسار وثيق وقوي، بالنظر إلى طبيعة المصالح التي تشكلت بين الطرفين خلال السنوات الماضية.

وختم خليفة بأن تداخل المصالح الاقتصادية والأمنية والإقليمية والدولية يجعل العلاقة بين دمشق وأنقرة مرشحة، وفق تقديره، للانتقال من التعاون في ملفات محددة إلى شراكة استراتيجية أوسع، تتجاوز القضايا التقليدية المرتبطة بالحدود واللاجئين والتجارة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة