إنها دولة وليست شركة قابضة

tag icon ع ع ع

غزوان قرنفل

سوريا دولة ضاربة الجذور في التاريخ، وفيها مدن وحضارات عمرها آلاف السنين، بعضها تجاوز 12 ألف عام. سوريا ليست اكتشافًا أو منجزًا حديثًا أنتجته سلطة “هيئة تحرير الشام” بعد 8 من كانون الأول 2024، كما تتوهم أو كما تحاول أن تشيع وتكرس هذا الوهم.

هذه الدولة تعاقب عليها مختلف أشكال الحكم والحكام، منهم الوطني العفيف، ومنهم المغامر والمقامر والضعيف، ومنهم القاتل واللص الوضيع، لكنها لفظتهم جميعًا عندما شعرت أن كينونتها ووجودها صار مهددًا. لكن في كل أحوالها ومراحلها لم يتعامل قط معها ممن تعاقب على حكمها كشركة خاصة قابضة، يتصرف بشؤونها ومواردها كيفما شاء، ومن فعل، لفظته وأسقطته عن صهوة سلطانه.

مع الأسف، السلطة الحالية اليوم تكرر ذات الخطأ، وتستنسخ ذات المنهج الذي حاول التعامل معها كمزرعة خاصة أو كشركة خاصة للأقارب والمحاسيب، فهي بغباء أو بجهل، أو بكليهما معًا، تحاول أن تجعل من سوريا شركة قابضة تستحوذ على كل المقدرات والثروات ثم تعيد توزيعها عبر أذرع استثمارية واقتصادية تنشئها أو تسيطر عليها، بينما يتحول المواطن من صاحب حق في الدولة والثروة، إلى مجرد زبون أمام خدماتها وأسواقها.

شركة للاستثمار في الطاقة، وأخرى لاحتكار الكهرباء، وثالثة للاستحواذ على سوق الاتصالات، ورابعة تحتكر سوق الصيرفة والتحويلات، وهكذا تتكاثر الأذرع الاستثمارية، بينما تتراجع الفكرة الأساسية التي يفترض أن تحكم كل ذلك، أن هذه الثروات والموارد هي موارد عامة، وهي ملك للسوريين جميعًا وليست غنيمة للسلطة ولا رأسمالًا خاصًا لمن يديرها.

الاستثمار في الدولة أو معها ليس مشكلة بحد ذاته، بل قد يكون ضرورة لإعادة تشغيل الاقتصاد واستعادة البنية التحتية وخلق فرص العمل، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثمار العام إلى وسيلة لإعادة توزيع الثروة الوطنية على “كارتيلات” اقتصادية تصنعها السلطة وتمنحها الامتيازات وتحميها من المنافسة والمساءلة والرقابة، عندها لا يعود الأمر اقتصادًا حرًا، ولا اقتصاد دولة، وإنما يصبح شكلًا من أشكال اقتصاد عصبة من المحاسيب.

الأخطر أن المواطن السوري يجد نفسه في نهاية هذه السلسلة خارج معادلة الملكية والقرار، دون أن يخبره أحد عن كيفية إدارة ثروته الوطنية، ودون أن يعرف أين تذهب عائداتها، ولا يملك وسائل فعالة لمراقبة من يديرها، ثم يطلب منه أن يدفع كزبون ثمن كل شيء من الكهرباء والاتصالات إلى الطاقة والخدمات، وأن يتحمل ارتفاع الأسعار وكأنه ليس شريكًا في الملكية، بينما يطلب منه أن يتكيف مع “اقتصاد السوق”.

ما حصل من انتفاضات واحتجاجات غاضبة على قرار رفع أسعار الوقود، الأحد الماضي، لا ينبغي اختزاله في كونه مجرد تعبير احتجاجي على رفع أسعار المحروقات وحدها، فالوقود هنا قد يكون مجرد شرارة، لكنه ليس بالتأكيد كل الحكاية، والغضب المتراكم أكبر من ذلك بكثير، وهو تعبير عن شعور متزايد بأن هناك فشلًا كبيرًا في إدارة ملفات أساسية، منها سياسات التعاقدات الغامضة التي تتم دون إعلان ودون استدراج عروض، ومنها سياسات التوظيف والاستزلام وتقديم الولاء على الكفاءة، ومنها تجاهل معاناة الناس والتشاوف عليهم، في الوقت الذي يعاني فيه السوريون من الفقر وانهيار القدرة الشرائية وغياب الخدمات على اختلافها، ومنها ذاك التجاهل غير الطبيعي للجواب الذي ينتظره من سُحقت بيوتهم تحت القصف، ومن يتم الضغط عليهم لاستكمال سلب ممتلكاتهم العقارية المدمرة لمصلحة شركات التطوير العقاري التي تعد ببناء جنان معلقة للسوريين الذين لا يستطيعون حتى شراء متر مربع فيها أو حتى مجرد التفيؤ بفيئها.

أليس من حق السوريين أن يشهروا في وجه السلطة سؤالهم المشروع، ماذا عن المدن والبلدات والمناطق التي دمرتها الحرب؟ ولماذا هي خارج أجندة أعمالها؟ ومتى تبدأ إعادة إعمارها ليعود ملايين السوريين إلى بيوتهم وحقوقهم وحياتهم الطبيعية؟ وكيف لا تخجل السلطة من مطالبة مواطن فقد منزله ومصدر رزقه، بأن يدفع الضرائب والرسوم ويتحمل لهيب الأسعار، بينما يرى الثروة الوطنية تتحول إلى فرص استثمارية مغلقة على المقربين؟

سوريا تحتاج إلى مؤسسات دولة ورجال دولة، لا إلى مجلس إدارة شركة قابضة، سوريا تحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وإلى شفافية، وإلى منافسة حقيقية تحكمها القوانين، وإلى قضاء قادر على محاسبة السلطة، وقواعد واضحة لإدارة المال العام والثروات الوطنية، وعقود استثمار معلنة، وصندوق سيادي شفاف، ورقابة شعبية وبرلمانية وقضائية، وتوزيع عادل للموارد والفرص، أما تحويل الدولة إلى مجموعة شركات وأذرع استثمارية تديرها السلطة أو أزلامها وتحويل السوريين إلى زبائن لديها، فهو ليس تحديثًا للدولة، بل تقزيم واختزال لها.

على أي حال، ستبقى سوريا أكبر من أي سلطة عابرة، وأعرق من كل حكامها، وأبقى من مشاريعهم الاقتصادية والسياسية، ومن ينسى أو يتناسى هذه الحقيقة سيكتشف عاجلًا أو آجلًا أن السوريين لا يقبلون أن تتحول دولتهم إلى مزرعة خاصة أو شركة قابضة، مهما كانت الشعارات والبيارق التي ترفع فوقها، وأن من خرج في تلك المظاهرات وأقدم على حرق الدواليب وقطع الطرق قد فاض صبره وتجاوز كل عتبات تحمل الألم، وأن حلولًا ومعالجات في العمق ينتظرونها من السلطة التي نأمل أن تكون وعت الدرس وأن تكف عن إعطاء ظهرها للناس، وأنه لا يزال لديها وقت للاستدارة نحوهم ونحو أوجاعهم ومطالبهم، فتلك هي وظيفتها ابتداء.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة