في اليوم العالمي للسلام.. الحسكة: تجاوز الاستقطاب طريق الاستقرار

camera iconمدينة الحسكة – 27 نيسان 2026 (روناهي)

tag icon ع ع ع

في وقت تشهد فيه محافظة الحسكة مرحلة من التحولات السياسية والأمنية والإدارية، تتجدد الدعوات إلى تعزيز السلم الأهلي بين مكوناتها، والابتعاد عن الاستقطاب والخطابات التي يمكن أن تعيد إنتاج التوتر بين السكان على أساس قومي أو ديني أو سياسي.

وتأتي هذه الدعوات بالتزامن مع اليوم العالمي للسلام، الذي يصادف 21 من أيلول من كل عام، في محافظة عاشت خلال السنوات الماضية تغيرات متلاحقة في خرائط السيطرة والإدارة، انعكست على حياة سكانها وعلاقاتهم الاجتماعية.

وشهدت الحسكة في مطلع 2026 تغيرات ميدانية تمثلت بسيطرة الجيش السوري على الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الأرياف الغربية، مقابل انكفاء “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى المدن الرئيسية، ومنها الحسكة والقامشلي، ما أدى إلى وجود واقع إداري وأمني منقسم في المحافظة.

وفي 29 من كانون الثاني، اتفقت الحكومة السورية و”قسد” على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن هياكل الدولة، وبدأ تنفيذ الاتفاق تدريجيًا في شباط. واستمر هذا المسار خلال الأشهر التالية، وسط بقاء ملفات إدارية وأمنية وخدمية بحاجة إلى استكمال.

وفي 25 من آب، أعلن مظلوم عبدي حل “قسد” و”الإدارة الذاتية” والتشكيلات التابعة لها، بينما أصدر الرئيس أحمد الشرع بعد يومين، في 27 من آب، مرسومًا بتعيين عبدي مستشارًا في رئاسة الجمهورية.

وأثارت الخطوة ردود فعل متباينة في المحافظة، مع تركيز أصوات محلية على ضرورة أن ينعكس التحول السياسي على الأمن والاستقرار والخدمات وحياة السكان اليومية.

الاستقطاب يتجاوز السياسة

ولم تقتصر آثار التحولات الأخيرة على الجوانب العسكرية والإدارية، إذ برز خلال الأشهر الماضية خطاب حاد على منصات التواصل الاجتماعي بين العرب والكرد، بالتزامن مع إعادة رسم السيطرة في شمال شرقي سوريا.

تصاعد خطاب الكراهية على خلفية التطورات الميدانية، بينما بقيت العلاقات اليومية بين أبناء المكونات المختلفة قائمة، رغم حدة الخطاب السياسي والإعلامي أحيانًا.

ولا يقتصر التنوع في الحسكة على العرب والكرد، إذ تضم المحافظة مكونات سريانية آشورية وأرمنية وشيشانية وشركسية وتركمانية وغيرها، فيما أثارت قضايا الحقوق الثقافية واللغوية نقاشات حول شكل العلاقة بين المكونات وضمان حقوقها ضمن المرحلة الجديدة.

ويقول محمد العلي، وهو مدرّس من مدينة الحسكة، في حديث لعنب بلدي، إن “السلام بالنسبة لنا ليس مجرد غياب السلاح، بل أن يشعر كل شخص في الحسكة أنه يعيش بين أهله، وأن اختلافه في القومية أو الدين أو الرأي السياسي لا يجعله في مواجهة مع الآخرين”.

ويرى العلي أن المرحلة الحالية تحتاج إلى “خطاب يهدئ الناس بدل أن يخيفهم”، معتبرًا أن ما يجمع سكان المحافظة من جيرة وعلاقات عائلية ومصالح مشتركة أكبر من الخلافات السياسية.

لا نحول الخلاف السياسي إلى خلاف بين الناس

من القامشلي، تقول سارة محمود وهي ناشطة في أحدى الجمعيات الأهلية، في حديث لعنب بلدي، إن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون عاملًا للتهدئة كما يمكن أن تزيد الاستقطاب.

وتضيف أن “الخلاف مع موقف سياسي أو جهة معينة يجب ألا يتحول إلى خلاف مع مكون كامل”، داعية إلى التحقق من الأخبار قبل نشرها، وعدم تداول المقاطع والمنشورات التي تتضمن تعميمات أو تحريضًا على أساس قومي أو طائفي.

أما أحمد الحسن، وهو موظف حكومي من ريف الحسكة الشمالي، فيقول، وفق حديث لعنب بلدي، إن “أبناء الريف والمدن عاشوا سنوات طويلة معًا، وما يحتاجه الناس اليوم هو الأمان والعمل والخدمات، وليس العودة إلى لغة التخوين”.

ويرى الحسن أن تجاوز آثار السنوات الماضية يحتاج إلى وقت، لكنه يبدأ، بحسب رأيه، من “احترام الآخر وعدم النظر إليه على أنه خصم لمجرد انتمائه إلى قومية أو طائفة مختلفة”.

ويضيف أن إعادة تفعيل المؤسسات والخدمات يمكن أن تكون جزءًا من استعادة الثقة بين السكان ومؤسسات الدولة، خصوصًا أن استمرار تعدد الجهات الإدارية خلال المرحلة الانتقالية انعكس على الخدمات وعلاقة السكان بالمؤسسات.

السلام يبدأ من الحياة اليومية

وتقول ليلى إبراهيم، وهي ربة منزل من ريف الحسكة الشمالي، لعنب بلدي، إن السلام “يبدأ من البيت والمدرسة والشارع، ومن طريقة تعامل الناس مع بعضهم”، مشيرة إلى أن الأطفال والشباب هم الأكثر حاجة إلى خطاب بعيد عن الكراهية والاستقطاب.

وتضيف أن “الحسكة ليست لونًا واحدًا، وهذه ليست مشكلة، بل جزء من طبيعة سوريا ككل”، داعية إلى أن تكون المناسبات العامة فرصة للتذكير بالعلاقات المشتركة بين السكان، بدل استحضار الخلافات السياسية والعسكرية.

وتأتي هذه الدعوات في ظل مرحلة انتقالية تتطلب، بحسب أصوات محلية، تحويل الاتفاقات السياسية إلى واقع يشعر به السكان. وكان ناشطون تحدثوا لعنب بلدي بعد إعلان حل “قسد” عن ضرورة الانتقال من التجاذبات السياسية والأمنية إلى الاستقرار وتفعيل مؤسسات الدولة، مع التأكيد على أن الأمن والطمأنينة يجب أن يشملا العرب والكرد وسائر سكان المحافظة دون تمييز أو إقصاء.

وبينما تستمر عملية إعادة ترتيب المؤسسات والإدارة في الحسكة، يبقى الحفاظ على العلاقات الاجتماعية بين سكانها، وفق المتحدثين لعنب بلدي، جزءًا من تحديات المرحلة المقبلة، في محافظة تشكل فيها التعددية القومية والدينية والاجتماعية إحدى سماتها الأساسية.

وفي اليوم العالمي للسلام، تبدو الدعوة إلى خفض التوتر والابتعاد عن خطاب الكراهية والاستقطاب مرتبطة بحياة السكان اليومية، من المدرسة والعمل والسوق إلى الجيرة والعلاقات العائلية، بحيث لا تتحول الخلافات السياسية إلى خصومات بين مكونات المجتمع، ولا تصبح التحولات التي تشهدها المحافظة سببًا لإعادة إنتاج الانقسام.

اليوم العالمي للسلام

يصادف 21 أيلول من كل عام اليوم العالمي للسلام، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1981، قبل أن تخصصه في 2001 يومًا لتعزيز مفهوم اللاعنف ووقف إطلاق النار.

وتحمل المناسبة هذا العام شعار “الاستثمار في السلام: للجميع، في كل مكان، كل يوم”، في دعوة إلى جعل السلام ممارسة يومية تبدأ من المجتمعات المحلية، وتعزيز الحوار والتعاون وتجاوز الانقسامات.

وتؤكد الأمم المتحدة أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يرتبط أيضًا بالأمان والكرامة والتعاون في الحياة اليومية.

 



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة