إصابات في الرقة.. اختصاصي يقدم استراتيجية لاحتواء مخاطر “داء الكلب”

camera iconبلدية الطبقة تتخلص من بقرة نافقة جراء إصابتها بداء الكلب في ريف الرقة الغربي - 16 أيلول 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

يواجه قطاع الثروة الحيوانية في ريف الرقة الغربي تهديدًا متزايدًا بعد تسجيل إصابات بفيروس “داء الكلب” بين الأبقار، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من تفشي المرض وتبعاته على الصحة العامة والاقتصاد المحلي، وسط مطالبات شعبية للمعنيين بالتعامل بمسؤولية وحزم مع هذا المشهد الوبائي.

وتحدث المربي خالد الحميدي (50 عامًا)، من قرية “الوديان” بريف الرقة الغربي، لعنب بلدي عن تفاصيل إصابة بقرته بالمرض، إذ أوضح أنه لاحظ قبل أيام أعراضًا غير مألوفة على الحيوان، ظنّ في البداية أنها ناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة أو مرض موسمي، مما دفعه للجوء إلى طبيب بيطري للحصول على الأدوية المعتادة من مضادات التهاب ومسكنات.

وأشار الحميدي إلى أن الحالة بدت مختلفة تمامًا عن الإصابات التي اعتاد مشاهدتها سابقًا، سواء المرتبطة بالمرض المعروف محليًا بـ”أبو صفار” أو الناتجة عن الحر الشديد، إذ امتنعت البقرة عن تناول الطعام وبدأت بإصدار أصوات غريبة تختلف عن أصواتها المعتادة، وهو ما دفعه لاستدعاء الطبيب البيطري إلى منزله للكشف عليها.

وبعد معاينة البقرة، أكد الطبيب البيطري إصابتها بداء الكلب، ونصحه بالتخلّص منها وفق الإجراءات الصحية المعتمدة لمنع انتشار العدوى إلى حيوانات أخرى.

استجابة بلدية “متأخرة”

ورغم إبلاغ البلدية بالحالة فورًا، قالت الحميدي إن الجهات المعنية تأخرت في اتخاذ التدابير اللازمة، ما أدى إلى نفوق البقرة في اليوم التالي، قبل أن تقوم البلدية بنقلها ودفنها لاحقًا في موقع بعيد وفق الأصول الصحية المتبعة.

ورجّح المربي أن تكون العدوى قد انتقلت إلى البقرة إثر تعرضها لهجوم من أحد الكلاب الضالة المنتشرة في المنطقة، لافتًا إلى أن هذه الحالة هي الأولى من نوعها التي يسمع بها أو يشاهدها بشكل مباشر.

ولم تكن حالة الحميدي وحيدة في المنطقة، إذ بيّن أن حالة مشابهة سُجلت لدى أحد مربي الماشية في قرية “السويدية” بريف الرقة الغربي، مما أثار مخاوف حقيقية بين المربين.

وفي ظل الإفادات الواردة حول انتشار حالات من داء الكلب بين قطعان الأبقار مؤخرًا، يُدق ناقوس الخطر بسبب هذا المرض الفيروسي الشديد الخطورة الذي يستهدف الجهاز العصبي المركزي لجميع الثدييات، بما في ذلك الإنسان.

طبيعة الفيروس ومصادر العدوى

الاختصاصي في أمراض المجترات وجراحتها، الطبيب البيطري عبد الباسط واكية، استعرض في حديث إلى عنب بلدي، دليلًا شاملًا لطبيعة هذا المرض وكيفية تمييز أعراضه العامة، وتلك الخاصة بالأبقار على وجه التحديد، لمساعدة المربين على مجابهة الخطر وتفادي تفشيه.

وأكّد واكية أن داء الكلب هو مرض فيروسي قاتل لا علاج له حتى الآن، وينتهي حتمًا بموت الإنسان أو نفوق الحيوان المصاب، مبينًا أنه مرض مستوطن في دول كثيرة وتتطلب الوقاية منه إجراءات حجر بيطري صارمة، إذ تكمن خطورته في قدرة جميع الحيوانات المصابة على نقله بغض النظر عن نوعها، نظرًا لكون الفيروس ينتقل عبر اللعاب بواسطة العض.

وأوضح الاختصاصي أن الكلاب تشكل مصدر العدوى الأكبر بنسبة تسعين بالمئة من الحالات عالميًا، في حين تأتي الخفافيش والثعالب بدرجة أقل، إذ تُصنف الخفافيش ناقلاً رئيسيًا في دول عدة.

وحذّر من أن الفيروس قد يتواجد في لعاب الحيوانات المصابة قبل أسبوعين من ظهور الأعراض السريرية، مما يمنحها القدرة على نشر العدوى دون علم مربيها، مشيرًا في الوقت ذاته إلى وجود إشارات في مراجع علمية عدة إلى احتمالية انتقال العدوى عبر الجهاز التنفسي، مستدركًا بأنها حالات نادرة مقارنة بالطريقة الأكثر شيوعًا (العض).

من الهياج الجنسي إلى “رهاب الماء”

وعن تطور الحالة المرضية، بيّن واكية أن الأعراض تظهر على الحيوانات عبر ثلاث مراحل، تبدأ بمرحلة تغير المزاج والسلوك التي تشهد انخفاضًا في الشهية وتبدلًا سلوكيًا غريبًا، إذ ينقلب الحيوان الشرس طيّعًا سهل الانقياد، بينما يصبح الحيوان الهادئ شرسًا وعدوانيًا.

تليها بعد ذلك مرحلة هياج الحيوان، إذ يدخل في حالة قلق ويقظة دائمة، ويصبح شديد الحساسية للمؤثرات الخارجية، مع رغبة ملحة في ابتلاع أجسام غريبة وظهور أعراض الشهيق الصعب، بالإضافة إلى خوفه الشديد من الماء وامتناعه عن تناوله مهما اشتد عطشه، ومن هنا جاءت تسمية المرض علميًا بـ”الهيدروفوبيا” (رهاب الماء)، وترافق هذه المرحلة أيضًا مظاهر هياج جنسي ملحوظ، وجحوظ في العينين، وتبول متكرر.

وتختتم الدورة المرضية بمرحلة الشلل، إذ يرقد الحيوان تمامًا على الأرض بسبب شلل في قوائمه الخلفية، تتبعه اضطرابات عصبية حادة ودخول في غيبوبة، لينتهي الأمر بالنفوق الحتمي نتيجة شلل عضلات الحجاب الحاجز والجهاز التنفسي.

علامات نوعية لدى الأبقار

أما فيما يتعلّق بالأعراض الخاصة بالأبقار، حدد واكية علامات نوعية تبدأ بالانعزال وعدم الرغبة في الأكل مع ظهور إثارة جنسية، لتبدأ الحالة العصبية بالوضوح بعد أيام وتتمثل بالعدوانية، وابتلاع الأجسام الغريبة، وحدوث ارتعاشات وارتجافات في عضلات الوجه.

وتستمر الحالة بتوجيه البقرة ضربات قوية بقوائمها نحو الأرض، مع إصابتها بشلل في البلعوم يؤدي إلى سيلان لعاب غزير، يرافقه خوار أجش متواصل وصياح مستمر ليلًا ونهارًا، فضلًا عن الترنح وتقوّس الظهر ثم الرقاد التام.

ولفت الاختصاصي إلى علامتين مميزتين جدًا لدى الأبقار المصابة، وهما التثاؤب المستمر والملحوظ، وإصابتها بالاسترواح المستقيمي إذ تظهر لدى البقرة رغبة ملحة ومتكررة في التروث دون قدرة فعلية على ذلك، وهي معطيات تستدعي من المربين أعلى درجات الحذر والتبليغ الفوري للجهات البيطرية المعنية لحماية القطعان والصحة العامة.

كما أكّد الطبيب البيطري أن هناك حقيقة تفرض نفسها على الواقع الصحي، وهي صعوبة السيطرة على داء الكلب في سوريا خلال الوقت الراهن، موضحًا أن احتواء هذا المرض يتطلب جهودًا حكومية كبيرة، وهي غير متاحة في ظل الظروف الحالية.

دفن الإصابات على عمق أربعة أمتار

وفي سياق الإجراءات الاحترازية والوقائية، شدد واكية على ضرورة مراجعة المراكز المتخصصة فورًا من قِبل أي شخص تعامل مع حيوان يُشتبه في إصابته بداء الكلب.

وأضاف أنه عند ظهور أعراض المرض على أي حيوان، يتوجب على الطبيب المشرف إعلام دائرة الصحة الحيوانية بلا تأخير، لتشرف بدورها على إبلاغ الجهات الشرطية، والتوجه مباشرة للتأكد من التشخيص.

ومن ثمّ تتولى الشرطة والبلدية مهمة التخلص من الحيوان المصاب ودفنه على عمق لا يقل عن 4 أمتار، لضمان عدم نبشه من قِبل حيوانات أخرى ممّا قد يتسبب في انتشار العدوى.

بين إلزامية التلقيح وغياب الدعم الحكومي

وفيما يخص السلامة البشرية، أشار إلى أن الأشخاص الذين تعاملوا بشكل مباشر مع الحيوان المصاب، بمن فيهم أصحابه أو الأطباء البيطريون، يتعين عليهم التوجه إلى أقرب مركز طبي لتلقي اللقاح والمصل المناسبين.

وفي هذا الصدد، أعرب واكية عن أسفه للوضع الراهن، معتبرًا أن الحكومات الماضية كانت تؤمن الأدوية والأمصال الخاصة بالأمراض السارية والمعدية، في حين تشهد المراكز الطبية الحكومية الآن غيابًا للأمصال واللقاحات، الأمر الذي يضطر المواطنين إلى شرائها على نفقتهم الخاصة، وغالبًا من مصادر غير موثوقة لا يمكن التثبت من مدى فعاليتها أو شروط حفظها.

وعن بروتوكول التعامل مع الحيوانات المشتبه بها، أوضح الاختصاصي البيطري أنه في حال تم الإمساك بالحيوان العاض (كالكلب مثلًا) فإنه لا يُقتل فورًا بل يُوضع قيد الحجر الصحي.

وينطبق إجراء الحجر أيضًا على الحيوان “المعضوض”، إذ يُحجر لمدة شهر ونصف للتأكد من سلامته إذا كان محصنًا وتلقى اللقاح مسبقًا، بينما تمتد فترة الحجر إلى ستة أشهر كاملة في حال كان غير ملقح ضد داء الكلب، وذلك لحين التيقن التام من عدم إصابته أو ظهور الأعراض عليه.

يأتي ذلك في وقت لفت فيه واكية إلى أن لقاحات التحصين غير متوفرة أصلًا للحيوانات في سوريا، إذ لا تخضع الحيوانات الأهلية للتحصين محليًا، حتى في المناطق المصنفة كبؤر شديدة الوبائية.

محددات استهلاك اللحوم المصابة

أما بخصوص التعامل مع الماشية، فقد بيّن واكية أنه عند التيقن من تعرض بقرة لعضة من كلب مصاب (مكلوب)، فإنها تُذبح فورًا، ويتم إتلاف مكان العضة والتخلّص من الجهاز العصبي المركزي بالكامل (بما يشمل الدماغ والنخاع الشوكي)، لافتًا إلى إمكانية استهلاك لحم الذبيحة بعد ذلك بشرط طهيها جيدًا، نظرًا لأن انتقال الفيروس عبر الجهاز العصبي يكون بطيئًا.

ونوّه إلى أن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ومنظمة الصحة العالمية توصيان بإتلاف الذبيحة كاملة في حال مرور 48 ساعة على تعرضها للعض، مؤكدًا أن هذا الأمر يفتح الباب واسعًا أمام ملف شائك ومهم، وهو واقع الرقابة والمسالخ في سوريا حاليًا.

اختصاصي يصف واقع المسالخ في سوريا بـ”المتخلف”

كما حذّر واكية من خطورة الواقع الراهن للمسالخ في سوريا، واصفًا إياه بـ”المتخلف” نظرًا لافتقارها إلى المخابر المتخصصة وآليات سحب العينات للتحليل، واقتصار العمل فيها على الفحص النظري الذي أكد أنه غير كافٍ إطلاقًا للكشف عن الأمراض الخطيرة.

وفي هذا الصدد، نبّه إلى أن غياب الرقابة المخبرية يفتح الباب أمام قليلي الذمة والضمير لتمرير لحوم مصابة، مؤكدًا خلو اللحوم من أي علامات نظرية قد تُشير إلى الإصابة بالمرض، مما يجعل الأمر بالغ الخطورة على الصحة العامة.

وفي معرض تشخيصه للوضع الوبائي، ذكر واكية أن المرض يُعدّ مستوطنًا في سوريا كحال معظم دول العالم، إذ تظهر بين الفترة والأخرى فوعات فيروسية له، كان آخرها قبل أشهر في البساتين المحيطة بمدينة حمص، وتسببت في خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة نفوق الحيوانات أو الاضطرار للتخلص منها ودفنها.

استراتيجية للاحتواء والسيطرة

ومواجهةً لهذا الخطر والحد من تداعياته، طرح الاختصاصي جملة من التوصيات، مشددًا على ضرورة تحصين الحيوانات الأهلية ضد المرض، لا سيما في المناطق شديدة الوبائية.

وعلاوة على ذلك، دعا إلى إطلاق استراتيجية شاملة لإدارة الكلاب الشاردة التي تتكاثر بسرعة وتنتشر في المدن والأرياف وتتغذى على مخلفات المسالخ، لافتًا إلى أن هذه الخطة، على الرغم من كلفتها العالية، أثبتت نجاحًا عند تطبيقها جزئيًا في دمشق وريفها.

وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب واكية، على خمس نقاط وهي: الالتقاط، والتلقيح ضد الكلب، وتعقيم الذكور عبر استئصال الخصى، وتقديم الرعاية الطبية، وصولًا إلى الإطلاق مجددًا في البيئة.

ودعا واكية إلى إنهاء هيمنة مديرية الصحة البشرية على نظام “الصحة الواحدة”، وإشراك الطبيب البيطري فيه باعتباره ركنًا أساسيًا مستبعدًا حاليًا، معتبرًا أن ذلك يلعب دورًا محوريًا في تحقيق نتائج ملموسة في الترصد الوبائي والتوعية المجتمعية.

وفي الوقت نفسه، طالب الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية بضرورة تشديد إجراءات الحجر البيطري على كافة المنافذ، واعتماد محاجر مجهزة فيها.

واختتم الاختصاصي بالتحذير من خطورة هذا المرض، مشيرًا إلى أن الكوكب لم يشهد إلا حالات نادرة لبشر أصيبوا به وشُفوا، فالنهاية الحتمية للإصابة هي الموت، وهو ما يستدعي أعلى درجات الحرص والمسؤولية لحماية الصحة العامة والاقتصاد الوطني، موجهًا دعوة لكافة الجهات المعنية، من مديريات الزراعة والصحة إلى نقابات الأطباء البشريين والبيطريين، للتكافل وتكامل الأدوار بشكل جدي للسيطرة على الوباء.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة