تدجين الراديكالية
خالد المطلق
أعترف أنني كلما تابعت مشهد استقبال الرئيس الشرع في واشنطن انتابني شعور بأنني أشاهد إعادة تدوير لسيناريو رأيته من قبل، ليس لأن التفاصيل متطابقة، بل لأن المنطق الكامن خلفها مألوف تمامًا، جماعة مسلحة ذات جذور محلية كان خطابها يومًا عابرًا للحدود، تُمنح فرصة التحول، بدلة أنيقة هنا، تصريح دبلوماسي هناك، وفجأة تصبح شريكًا مقبولًا بدلًا من عدو يُطارَد.
لا أظن أن هذا مجرد قرار عابر تجاه سوريا تحديدًا، وأميل إلى الاعتقاد بأن ما يحدث هو اختبار لنموذج، وأن واشنطن التي لم تعد تملك شهية لحروب طويلة أو مشاريع “بناء دول” مكلفة وجدت في هذا النموذج بديلًا أقل تكلفة، فبدل احتلال بلد أو قتاله لماذا لا “تدجن” الجماعة المسلحة الأقوى فيه، وتحولها إلى وكيل محلي؟ إذ سبق أن جُرب هذا مع “طالبان” في أفغانستان بشكل خجول، لكن التجربة السورية أكثر وضوحًا وجرأة.
حين ننظر إلى الساحل الإفريقي، مالي والنيجر وبوركينا فاسو تحديدًا، نرى بيئة جاهزة تمامًا لتكرار التجربة، فجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تحاول منذ مدة أن تقدم نفسها كحامية للسكان في مواجهة “داعش” من جهة، والنفوذ الروسي-الصيني المتمدد من جهة أخرى، وهنا أتساءل، مع تراجع فرنسا وانكشاف الساحة، هل ستقاوم واشنطن إغراء تكرار “الوصفة السورية” هناك؟
ثم هناك مسألة ليبيريا التي أراها أكثر من مجرد تفصيل جغرافي، بل الدولة التي ارتبط تأسيسها تاريخيًا بالمصالح الأمريكية، وموقعها على الساحل الغربي الإفريقي يجعلها مرشحة مثالية لتكون قاعدة متقدمة، ليس بمعنى الاحتلال العسكري المباشر، بل بمعنى أكثر نعومة (حماية طرق تجارة وموارد)، دون الغرق في مستنقع صدام مباشر مع المجتمعات المحلية، هذا النمط بالذات (النفوذ بالوكالة لا بالاحتلال) هو ما يقلق أكثر من أي تدخل عسكري صريح، لأنه أصعب في المحاسبة وأقل وضوحًا للرأي العام.
أعرف أن البعض سيقول إنني أبالغ في ربط الزيارات الدبلوماسية بمشروع استراتيجي متكامل، لكنني لا أصدق أن الرموز في السياسة بريئة أو عفوية، فكل استقبال رسمي، وكل مصافحة أمام الكاميرات، هما رسالة، وهذه المرة الرسالة موجهة، سواء قُصد ذلك أم لا، إلى كل جماعة مسلحة تراقب المشهد، من إفريقيا إلى آسيا “إذا قاتلت بما يكفي وغيرت خطابك في اللحظة المناسبة فالباب مفتوح أمامك للانتقال من قوائم الإرهاب إلى طاولة الشراكة الدولية.”
وهذا بالضبط ما يخيف، حين يتحول السلاح إلى طريق مختصر ومجرب نحو السلطة والاعتراف الدولي، فما الذي يبقي قيمة للانتخابات أو المؤسسات أو سيادة القانون؟ ولماذا قد تختار أي حركة مسلحة أن تسلك طريق العمل السياسي الطويل والمرهق إذا كان بإمكانها اختصار الطريق بالبندقية ثم “تلميع الصورة” لاحقًا؟ أخشى أننا لا نعالج جذور التطرف بهذا الأسلوب، بل نؤجل انفجاره ونمنحه في الطريق موارد وخبرة وعلاقات لم تكن لتحصل عليها بطريقة أخرى.
وإذا كان لي أن أستعير درسًا من التاريخ فسأختار درس الحرب الباردة، فكم من “حلفاء” اليوم تحولوا إلى أعداء الغد؟ والمعروف أن القوى الكبرى دعمت مرارًا جماعات تحت شعارات براقة كـ”مقاتلي الحرية” لتجد نفسها بعد سنوات في مواجهة وحوش صنعتها بيدها، ومن هنا لا أرى سببًا وجيهًا يجعلني أثق أن الولاء الحالي لأي جماعة في سوريا أو الساحل الإفريقي سيبقى كما هو، حين تضع يدها فعليًا على مؤسسات الدولة ومواردها وأجهزتها الأمنية.
لهذا لا أعارض بالضرورة فكرة الانفتاح على قيادات خرجت من رحم الصراع المسلح، فهذا أحيانًا ضرورة واقعية لا مفر منها، لكنني أصر على أن هذا الانفتاح يجب أن يكون مشروطًا وليس مجانيًا، بل يجب فرض شروط صارمة، مثل احتكار الدولة للسلاح وحماية المواطنين دون تمييز ومحاسبة حقيقية على الانتهاكات ومساحة سياسية مفتوحة للجميع ووقف تام لأي تصدير للعنف نحو الخارج، أما حين تُمنح الشرعية دون أي رقابة أو شروط فسأفهمها كما سيفهمها غيري، مكافأة على إسقاط الحكومات بالقوة لا ثمرة بناء دولة حقيقية.
في النهاية أعتقد أن نجاح أي دولة لا يُقاس بزيارة للبيت الأبيض أو بربطة عنق أنيقة أمام الكاميرات، بل بقدرتها الفعلية على بناء مؤسسات تستحق الثقة واقتصاد لا يُقصي أحدًا ومجال سياسي يتسع للجميع، والثروات الطبيعية (النفط أو الفوسفات أو الأراضي والمواني) هي ملك للشعوب أولًا، لا غنيمة لجماعة مسلحة نجحت في تغيير خطابها باللحظة المناسبة، الشعوب التي ستحول غضبها عاجلًا إلى رفض سياسي شامل.
إن هذا الاستثمار الأمريكي يفتح الباب أمام فوضى مستدامة وحواضن أبدية للإرهاب، ما يستدعي وعيًا إقليميًا ودوليًا للوقوف في وجه هذا المسار الخطير قبل أن يصبح وباء عالميًا لا يمكن احتواؤه، وإن لم نستوعب هذه المعادلة البسيطة فلن يتراجع التطرف، وسيعيد تشكيل نفسه بصورة أكثر دهاء وأصعب في المواجهة، وما أخشاه أن النموذج الذي نراقبه اليوم من سوريا قد يكون مجرد بداية لرحلة تصدير طويلة، من الساحل الإفريقي إلى مناطق أخرى لم تخطر ببالنا بعد.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





