تراجع في المساحة والإنتاج

الحسكة.. فلاحو القطن يبحثون عن إجابات حول الدعم والتسويق

قطاف القطن في ريف الحسكة - 14 أيلول 2026 (عنب بلدي)

camera iconقطاف القطن في ريف الحسكة - 14 أيلول 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

الحسكة – محمد جفال

مع بدء جني محصول القطن في مناطق شرقي سوريا، يواجه المزارعون موسمًا زراعيًا بتكاليف مرتفعة وإنتاج أقل من المتوقع، في ظل قلة عدد “الريات” وعدم توفر المازوت اللازم لتشغيل محركات الضخ، إلى جانب غياب الدعم الحكومي المباشر هذا العام.

ولا تقتصر حسابات المزارعين على كمية المحصول التي يمكن جنيها أو سعر شرائه المحدد رسميًا، إذ تشمل أيضًا ارتفاع تكاليف تجهيز الأرض والزراعة والري ومكافحة الآفات والعمالة والقطاف والنقل، وسط مخاوف من صعوبات تسويق المحصول وتأخر الحصول على قيمته بعد التسليم.

وتأتي هذه الظروف في وقت تسعى فيه الجهات الزراعية إلى إعادة توسيع زراعة القطن، بعد تراجع كبير في المساحات المزروعة والإنتاج خلال السنوات الماضية، نتيجة ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج والجفاف وتراجع الدعم الزراعي.

إنتاج أقل بسبب تحديات الري

عبد الله الزيدان، أحد مزارعي القطن في ريف الحسكة الشمالي، خصص نحو 20 دونمًا لزراعة المحصول خلال الموسم الحالي، ويتوقع إنتاجًا يتراوح بين 250 و300 كيلوغرام للدونم الواحد.

وقال عبد الله لعنب بلدي، إن الإنتاج المتوقع هذا الموسم أقل مما كان يأمل، مرجعًا ذلك إلى ارتفاع تكاليف الزراعة وقلة عدد “الريات” التي تمكن من تنفيذها بسبب عدم توفر المازوت اللازم لتشغيل مضخات المياه.

وأضاف أن القطن يحتاج إلى ري منتظم خلال مراحل نموه، بينما اضطر المزارعون إلى تقليل عدد “الريات” أو تأخير بعضها، ما انعكس على نمو النباتات والإنتاج المتوقع من الدونم.

وقدّر عبد الله تكلفة زراعة الدونم الواحد حاليًا بنحو 180 دولارًا (الدولار يعادل نحو 135 ليرة سورية)، تشمل تجهيز الأرض والبذار والري ومستلزمات المتابعة حتى مرحلة القطاف، بينما حددت إدارة دعم الإنتاج الزراعي سعر شراء القطن للموسم الحالي بـ85 ليرة سورية جديدة للكيلوغرام.

ويرى المزارع أن المشكلة لا ترتبط بسعر شراء المحصول وحده، إذ إن انخفاض الإنتاج يجعل الكمية التي يحصل عليها المزارع في نهاية الموسم محدودة مقارنة بما أنفقه خلال أشهر الزراعة.

وقال إن المزارع يدفع معظم تكاليفه وفق أسعار السوق، من أجور العمال إلى مستلزمات الزراعة والري، بينما يتحدد العائد النهائي وفق كمية القطن المنتجة والسعر الرسمي المحدد للكيلوغرام.

المازوت يقلل عدد “الريات”

تكاليف إنتاج القطن تبدأ من إعداد الأرض ولا تنتهي عند جني المحصول، لكن بند الري أصبح من أكثر البنود التي تضغط على المزارعين خلال الموسم الحالي، بحسب ما قاله أحمد السلامة، مزارع من المنطقة.

وأضاف أحمد لعنب بلدي أن عدم توفر المازوت بكميات كافية أجبر مزارعين على تقليل عدد “الريات”، خصوصًا في الأراضي التي تعتمد على الآبار ومحركات الضخ، ما أثر في نمو المحصول وانعكس على الكمية المتوقع إنتاجها.

كما أن ارتفاع سعر المازوت في السوق يجعل تشغيل محركات الري مكلفًا بالنسبة للمزارع، فيضطر إلى المفاضلة بين زيادة عدد الريات وتحمل تكاليف إضافية لا يضمن استردادها عند بيع المحصول.

غياب الدعم الحكومي المباشر هذا الموسم زاد من الأعباء، إذ اضطر المزارعون إلى تأمين احتياجاتهم من السوق، في وقت ارتفعت فيه أسعار الأسمدة والمبيدات والمازوت وأجور العمال.

وتضاف إلى هذه المصاريف أجور بذر المحصول وتعشيب الأرض والقطاف، إلى جانب أجور “الشل” والنقل وتكاليف الحراثة وإصلاح محركات الري.

وأشار أحمد إلى أن بعض المزارعين يعملون في أراض لا يملكونها وفق نظام الشراكة مع أصحابها، ما يعني اقتسام المحصول بين الطرفين، وبالتالي انخفاض حصة المزارع الذي يتحمل تكاليف العمل والمتابعة طوال الموسم.

غياب الدعم يرفع تكلفة الكيلوغرام

المهندس الزراعي حسن الحميد، قال لعنب بلدي، إن ارتفاع تكاليف الإنتاج وقلة “الريات” من أبرز العوامل المؤثرة في محصول القطن خلال الموسم الحالي.

وأضاف الحميد أن القطن يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، ما يجعل تأمين الوقود اللازم لتشغيل مضخات الري عاملًا أساسيًا في الحفاظ على الإنتاج.

وأشار إلى أن غياب الدعم المباشر لبعض مستلزمات الإنتاج، دفع المزارعين إلى الاعتماد بدرجة أكبر على السوق الحرة لتأمين الأسمدة والمبيدات والمازوت وغيرها من الاحتياجات.

وتزيد أسعار هذه المواد من تكلفة الإنتاج، بحسب المهندس الزراعي، بينما يؤدي عدم توفر المازوت إلى تقليل عدد “الريات”، وهو ما ينعكس في النهاية على كمية المحصول الناتجة من وحدة المساحة.

ويرى الحميد أن انخفاض الإنتاج لا يعني بالضرورة انخفاض النفقات بالقدر نفسه، إذ تبقى بعض المصاريف ثابتة، مثل إعداد الأرض والبذار وأجور الحراثة والمتابعة، بينما ترتبط بعض التكاليف بعدد “الريات” والعمال ومراحل القطاف.

ويمكن أن يخفف دعم المحروقات جزءًا من التكلفة، خصوصًا بالنسبة للمزارعين الذين يعتمدون على الآبار، بينما يؤدي غيابه إلى زيادة تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من القطن، بحسب الحميد.

مخاوف من مرحلة التسويق

بعد حسابات الإنتاج والتكلفة، ينتقل قلق المزارعين إلى مرحلة تسويق المحصول والحصول على مستحقاتهم المالية.

وقال محمد سليمان مزارع من ريف تل تمر غربي الحسكة، لعنب بلدي، إن سرعة الحصول على قيمة المحصول تمثل جزءًا أساسيًا من حسابات الموسم، لأن المزارع يحتاج بعد أشهر من الإنفاق إلى استعادة الأموال التي دفعها في الزراعة والري والعمالة.

وأضاف أن المزارع يدخل الموسم الزراعي وفي ذمته التزامات مالية وديون مرتبطة بتأمين مستلزمات الإنتاج، ولذلك فإن تأخر صرف قيمة المحصول بعد تسليمه يزيد من صعوبة الوفاء بهذه الالتزامات.

ويربط محمد مخاوفه بما جرى خلال موسم القمح، عندما استمرت عمليات تسلّم المحصول وإنجاز الفواتير وصرف المستحقات على مراحل، بينما طالب مزارعون في الحسكة بتسريع عمليات الدفع.

وكان المصرف الزراعي أوضح في وقت سابق أن عمليات الصرف تتم وفق القوائم المكتملة والسيولة المتاحة، ما جعل توقيت الحصول على المستحقات محل اهتمام بالنسبة للمزارعين.

وقال محمد إن المزارع لا يحتاج فقط إلى معرفة سعر شراء القطن، بل إلى معرفة الجهة التي ستتسلم المحصول وآلية التسليم والمدة التي يحتاج إليها للحصول على مستحقاته.

وضوح آلية التسويق

أشار المهندس الزراعي حسن الحميد إلى أن المزارعين يحتاجون إلى توضيحات بشأن آلية تسويق القطن، والجهات التي يمكن تسليم المحصول إليها، وما إذا كان التسويق سيجري حصريًا عبر المؤسسات الحكومية أو ستكون هناك خيارات أخرى، إضافة إلى المدة اللازمة لصرف قيمته.

وكانت إدارة دعم الإنتاج الزراعي حددت سعر شراء القطن للموسم الحالي بـ85 ليرة سورية جديدة للكيلوغرام، استنادًا إلى دراسة قالت إن تكلفة إنتاج الكيلوغرام تبلغ نحو 71 ليرة، بما يحقق هامش ربح يقارب 20% للفلاح.

وقال مدير دعم الإنتاج الزراعي، محمد سعد صيلين، إن تكاليف الإنتاج دُرست من قبل لجنة مختصة من وزارة الزراعة وجهات أخرى، بالاعتماد على تقارير وتكاليف واردة من محافظات مختلفة، وتشمل مستلزمات الإنتاج والخدمات الزراعية.

محصول استراتيجي يحاول استعادة مساحاته

كان القطن من المحاصيل الاستراتيجية في سوريا، وارتبط لسنوات بالصناعات النسيجية والتصدير، وتركزت زراعته بصورة أساسية في حلب والرقة ودير الزور والحسكة وحماة.

وبلغت المساحة المزروعة بالقطن عام 2008 نحو 176 ألف هكتار، بينما وصل الإنتاج إلى نحو 652 ألف طن عام 2009، وكان المحصول يمثل بين 20 و30% من إجمالي الصادرات الزراعية، وفق البيانات الرسمية الخاصة بالمحصول.

لكن الحرب وما رافقها من تغيرات في مناطق السيطرة وتضرر البنية التحتية وتراجع الدعم وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، إلى جانب الجفاف وشح المياه، أثرت في زراعة القطن ومساحاته وإنتاجه.

وفي 27 من نيسان الماضي، قال مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة، محمد معري، إن المساحة المخطط زراعتها خلال الموسم الحالي تبلغ نحو 50 ألف هكتار، مع توقع إنتاج يقارب 150 ألف طن، ضمن خطة حكومية لإعادة توسيع زراعة المحصول.

وأشار معري إلى زيادة المساحات المخطط زراعتها في المحافظات المنتجة، إلى جانب إعادة زراعة القطن في إدلب، والتوجه نحو الزراعة الحديثة، خصوصًا في مجالي الري والمكننة الزراعية.

وفي المقابل، قال إن الإنتاج الحالي من القطن يكفي لتغطية حاجة السوق المحلية مع وجود فائض للتصدير، لكنه أشار إلى عدم توفر دعم تمويلي للمزارعين، واقتصار الدعم على سعر البذار المخفض.

وبحسب بيانات وزارة الزراعة، بلغت المساحات المزروعة بالقطن في سوريا خلال الموسم الحالي نحو 26 ألف هكتار، مقابل 25.8 ألف هكتار في الموسم السابق، مع توقعات بإنتاج نحو 79.4 ألف طن، مقارنة بنحو 69.5 ألف طن في الموسم الماضي.

ومع بدء القطاف، تتجه حسابات المزارعين إلى ما بعد خروج المحصول من الأرض، في ظل الحاجة إلى معرفة آلية التسويق والجهات التي ستتسلمه، والأهم بالنسبة إليهم، موعد الحصول على مستحقاتهم المالية بعد التسليم، لاستعادة ما أنفقوه خلال الموسم والاستعداد للموسم الزراعي المقبل.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة