
ارتفاع كلفة المازوت يؤخر فلاحة أراضي الحسكة ويهدد الموسم الشتوي – 29 أيلول 2026 (عنب بلدي)

ارتفاع كلفة المازوت يؤخر فلاحة أراضي الحسكة ويهدد الموسم الشتوي – 29 أيلول 2026 (عنب بلدي)
تأخرت فلاحة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في أرياف محافظة الحسكة مع اقتراب الموسم الشتوي، في ظل ارتفاع تكاليف المحروقات ومستلزمات الإنتاج الزراعي، وتأخر صرف مستحقات المزارعين عن مواسم سابقة، ما دفع عددًا من أصحاب الأراضي إلى تأجيل زراعتها أو التفكير في تأجيرها بدلًا من تحمل تكاليف الزراعة.
ويستعد مزارعو المحافظة عادة خلال هذه الفترة من العام لحراثة الأراضي وتجهيزها لزراعة المحاصيل الشتوية، وفي مقدمتها القمح والشعير، إلا أن ارتفاع كلفة تشغيل الجرارات الزراعية، إلى جانب ارتفاع أسعار البذار وتراجع القدرة على تأمين السيولة، جعل عمليات التحضير للموسم أبطأ من المعتاد.
ويقول مزارعون تحدثوا إلى عنب بلدي إن سعر لتر المازوت ارتفع من نحو 55 ليرة جديدة، أي ما يعادل 5500 ليرة بالعملة القديمة، خلال العام الماضي، إلى أكثر من 170 ليرة جديدة، أو 17 ألف ليرة بالعملة القديمة، بحسب الأسعار المتداولة التي يواجهونها حاليًا.
وانعكس ارتفاع أسعار المحروقات على أجور الحراثة، إذ وصلت تكلفة فلاحة الدونم الواحد من الأراضي المروية إلى نحو 9 دولارات، مقابل نحو 4 دولارات للدونم البعل، وفق مزارعين في المحافظة.
وبالتزامن مع ذلك، ارتفعت أسعار مستلزمات الإنتاج، ومنها بذار القمح، في وقت يقول فيه مزارعون إنهم لم يحصلوا بعد على مستحقاتهم المالية عن محاصيل الموسم السابق، ما حرمهم من السيولة اللازمة لبدء موسم جديد.
في ريف تل تمر، قال المزارع أحمد سلمان لعنب بلدي إن ارتفاع تكلفة الحراثة وسعر البذار دفعه حتى الآن إلى عدم البدء بحراثة أرضه، رغم اقتراب موعد الزراعة.
ويمتلك سلمان 100 دونم من الأراضي المروية، لكنه لا يملك السيولة اللازمة لتغطية تكاليف زراعتها، خصوصًا أنه لم يحصل حتى الآن على مستحقاته المالية عن الموسم الشتوي الماضي.
وأضاف أن كلفة الحراثة وارتفاع سعر المازوت، إلى جانب غياب الدعم، جعلته يفكر في عدم زراعة أرضه هذا العام.
سلمان أشار إلى أن الحراثة الباهظة وارتفاع سعر البذار والمازوت دفعاه للعزوف حتى اللحظة عن حراثة أرضه، لاسيما أنه لم يقبض مستحقاته من الموسم الماضي الشتوي حتى اللحظة.
وذكر لعنب بلدي أنه قد يلجأ إلى تأجير الأرض لمستأجر بدلًا من زراعتها بنفسه، في حال تمكن من الاتفاق على نسبة مناسبة من الإنتاج.
ويأتي ذلك في وقت ارتفع فيه سعر بذار القمح الطري، بحسب المعطيات التي تحدث عنها المزارعون، إذ يصل سعر الطن إلى نحو 300 دولار، ما يضيف عبئًا جديدًا إلى تكاليف الموسم، إلى جانب أجور الحراثة والمحروقات وبقية مستلزمات الزراعة والحصاد.
ولا تقتصر المشكلة على الأراضي المروية، إذ يواجه أصحاب الأراضي البعلية ظروفًا مشابهة، مع اختلاف حجم التكاليف والمساحات المزروعة.
في ريف الحسكة الجنوبي، ذكر المزارع إبراهيم أحمد لعنب بلدي أنه قرر عدم زراعة أرضه البالغة مساحتها 35 دونمًا من الأراضي البعلية هذا العام.
وعزا أحمد قراره إلى ارتفاع تكلفة تجهيز الأرض وزراعتها، موضحًا أنه احتسب تكاليف البذار والحراثة بنحو 700 دولار، وهو مبلغ لا يستطيع تأمينه حاليًا.
وتابع بالقول: تراجعت عن زراعة أرضي هذا العام، وحسبت التكلفة بين بذار وحراثة، وتصل إلى 700 دولار، ففضلت انتظار مستأجر.
أحمد رأى أن تأجير الأرض بنسبة 30% من الإنتاج قد يكون أقل كلفة عليه من زراعتها بنفسه، في ظل ارتفاع الأسعار.
وختم بالقول: “إذا قمت بتأجيرها بـ30 بالمئة فأنا الرابح، ولا يمكن لي أن أفلحها أنا، فالمبلغ باهظ”.
وتشير هذه الحالات إلى أن بعض أصحاب الأراضي باتوا يوازنون بين تكاليف الزراعة والعائد المتوقع منها قبل اتخاذ قرار البدء بالموسم، مع توجه بعضهم إلى تأجير أراضيهم بدل تحمل تكاليف الحراثة والبذار والمحروقات.
وصف المهندس الزراعي حسن حمدي، في حديث لعنب بلدي، وضع التحضيرات للموسم الحالي بأنه يعكس “معاناة كبيرة” في المنطقة، مضيفًا إن معظم الأراضي الزراعية في المحافظة لم تُفلح حتى الآن.
وربط حمدي تأخر الحراثة بعدم حصول المزارعين على مستحقاتهم المالية عن محاصيل الموسم السابق، إلى جانب عدم حصولهم على دعم من الجهات المعنية، بحسب قوله.
وشرح أن تكلفة فلاحة الهكتار الواحد كانت في السابق تبلغ نحو 30 دولارًا، بينما أصبحت حاليًا تقارب 90 دولارًا للأراضي المروية و40 دولارًا للأراضي البعلية.
ولا تتوقف المشكلة، وفق حمدي، عند ارتفاع السعر المطلوب مقابل الحراثة، إذ يقول إن أصحاب الجرارات أنفسهم لا يقبلون العمل بهذه الأسعار في ظل ارتفاع تكلفة تشغيل الآليات.
تكاليف الزراعة أصبحت أضعاف ما كانت عليه، سواء من حيث فلاحة الأراضي أو الزراعة أو الحصاد، ما جعل الأعباء والمصاريف أكبر بكثير من السابق، وفق حمدي.
ويؤدي ارتفاع تكلفة كل مرحلة من مراحل الإنتاج إلى زيادة العبء المالي على المزارع، بدءًا من تجهيز الأرض، مرورًا بالبذار والمحروقات والعمليات الزراعية، وصولًا إلى الحصاد.
لا يواجه المزارعون وحدهم ارتفاع التكاليف، إذ انعكست أسعار المازوت على أصحاب الجرارات الزراعية الذين يعتمدون على المواسم الزراعية مصدرًا لدخلهم.
أحمد الخلف، وهو صاحب جرار زراعي من ريف الحسكة الجنوبي، أوضح لعنب بلدي أن الفترة الحالية من العام كانت تشهد عادة بدء العمل في فلاحة الأراضي وتجهيزها للموسم الشتوي، لكنه لم يتلق حتى الآن طلبات للعمل.
وذكر أنه في مثل هذا الوقت من العام كان يعمل في فلاحة الأراضي الزراعية وتجهيزها للزراعة، لكن حتى الآن لم يعمل لدى أحد، ولم يطلب منه أي فلاح أن يعمل في أرضه، “وكأن هذه المنطقة لم تعد منطقة زراعية”، يقول الخلف.
وتابع أن أصحاب الجرارات اتفقوا على تقاضي أربعة دولارات مقابل فلاحة الدونم الواحد من الأراضي البعلية، وهو السعر المتداول في جزء كبير من الريف الجنوبي للحسكة الذي يعتمد على الزراعة البعلية.
الخلف رأى أن هذا السعر منخفض مقارنة بالتكاليف التي يتحملها أصحاب الجرارات، لكنه مرتبط بقدرة المزارعين على الدفع. و”كل ذلك يعود إلى ارتفاع أسعار المازوت، فالتكاليف أصبحت باهظة، والدخل الذي نأخذه لم يعد يغطي مصاريف تشغيل الجرارات”.
ويضع ارتفاع سعر المحروقات أصحاب الجرارات أمام معادلة صعبة، إذ إن رفع أجور الحراثة بما يتناسب مع كلفة التشغيل قد يزيد العبء على المزارعين، بينما الإبقاء على الأجور الحالية لا يغطي بالضرورة تكاليف تشغيل الجرارات، بحسب الخلف.
وفي منتصف أيلول الحالي، أعلن وزير الطاقة محمد البشير، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، طرح ثلاث فئات من المازوت في الأسواق بأسعار مختلفة تبعًا لاستخداماتها.
وبحسب ما ورد في التصريحات، حُدد سعر المازوت المخصص للتدفئة والاستخدام الزراعي بـ115 ليرة جديدة للتر الواحد، بينما يبلغ سعر النوع الثاني 150 ليرة للتر، ويخصص لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات.
أما المازوت المستورد ذو المواصفات القياسية، فقد حُدد سعره بـ175 ليرة جديدة للتر.
ويأتي تحديد هذه الأسعار في وقت يقول فيه مزارعو الحسكة إن تكلفة المحروقات تمثل أحد أبرز الأعباء التي تواجههم خلال التحضير للموسم الشتوي.
وبينما يحدد السعر الرسمي للمازوت الزراعي عند 115 ليرة جديدة للتر وفق إعلان وزارة الطاقة، إلا أنه لم يتم إعلان آلية للتوزيع حتى اللحظة، فيما يقول مزارعون في الحسكة إن الأسعار التي يدفعونها فعليًا، بحسب توفر المحروقات ومصادر الحصول عليها، تشكل عبئًا كبيرًا على قدرتهم على تمويل عمليات الزراعة.
ويربط المزارعون بين ارتفاع تكلفة المازوت وارتفاع أجور الحراثة، إذ يعتمد أصحاب الجرارات بصورة أساسية على المحروقات لتشغيل آلياتهم، ما يجعل أي ارتفاع في أسعارها ينعكس على تكلفة تجهيز الأراضي.
ومع اقتراب موسم زراعة المحاصيل الشتوية، يثير استمرار تأخر الحراثة مخاوف لدى المزارعين الذين تحدثوا لعنب بلدي من عدم تمكنهم من تجهيز الأراضي في الوقت المناسب.
وتعتمد أجزاء واسعة من ريف الحسكة على الزراعة البعلية، خصوصًا في الريف الجنوبي، ما يجعل توقيت فلاحة الأرض وزراعتها مرتبطًا بالظروف المطرية ومواعيد هطول الأمطار.
وفي الأراضي المروية، يواجه المزارعون بدورهم ارتفاعًا في تكلفة الإنتاج نتيجة الحاجة إلى الوقود لعمليات الري، إلى جانب تكاليف الحراثة والبذار وغيرها من المستلزمات.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى