
تعبيرية (عنب بلدي/ مولدة بالذكاء الاصطناعي)

تعبيرية (عنب بلدي/ مولدة بالذكاء الاصطناعي)
مصطفى حسين بطيخة
تُعتبر “ليلى والذئب” و”الذئب والعنزات السبع” من أشهر قصص الطفولة العالمية، وقد أضافت كل ثقافة شعبية لمساتها الخاصة إليهما. والقصتان متشابهتان من حيث المعنى والهدف، فكلاهما يحتوي على ضحية، هي ليلى في القصة الأولى والعنزات السبع في الثانية، وكلاهما يحتوي على ذئب يسعى إلى التهام الضحية عن طريق الخداع، فتارةً يغيّر صوته، وتارةً يغيّر لون يديه، وتارةً يتنكّر في ملابس الجدة. وتتضمن كلتا القصتين أمًّا تحذّر أبناءها من الذئب المخادع وأفعاله، ولا بدّ للقصتين من أن تنتهيا بإنقاذ الأطفال وقتل الذئب المحتال، كنهاية سعيدة تليق بقصص الطفولة.
عندما أعيد قراءة هاتين القصتين من المنظور المجتمعي، أرى أن الكاتب قد أراد للصغار أن يتعلموا منظورًا أوسع عن الأوطان؛ فليلى هنا تمثل “الوطن”، أما الذئب فما هو إلا “الأيديولوجي المستبد”، وتبقى الأم هي “المثقف الوطني” الذي يخاف على الوطن ويحذّره من أخاديع “الذئب الأيديولوجي”.
في مقالي في جريدة زمان الوصل بعنوان “الأيديولوجيات الأممية وقتل الوطنية”، تحدثت عن تعريف الوطن وأنواع الأيديولوجيات وتعاقبها على منطقتنا، بعد أن تخلّص منها الغرب، فكانت نهضته. لقد تخلّص الغرب بدايةً من الأيديولوجية الدينية، ابتداءً من القرن السادس عشر، زمن بداية تخلف العالم الإسلامي، وانتهاءً بالقرن التاسع عشر، فبنى خلال هذه القرون الثلاثة عصر التنوير والحضارة العلمية. ومن ثم تخلّص الغرب من الأيديولوجية القومية بعد الحرب العالمية الثانية، بعدما رأى ما جلبته من دمار عالمي على يد أيديولوجييها، كهتلر. وبعد أن تخلّص الغرب من هاتين الأيديولوجيتين، أرسلهما إلينا كهدية متواضعة، ليُبقي على الاستبداد المترافق مع التخلف في أوطاننا.
لقد تحدثت في مقالات عدة سابقة عما يفعله “الأيديولوجي المستبد الذئب” بالأوطان، وكان آخر هذه المقالات ما نُشر في جريدة عنب بلدي بعنوان “صعلكة الدول: الحالة السورية نموذجًا”، وكيف أن هذا “الأيديولوجي الذئب” يمارس الخداع و إلهاء الشعوب عن مستنقع الداخل، تماماً كما يفعل “ذئب ليلى” أو “ذئب العنزات السبع”.
لكن الفرق أن الذئب في ظل هذه الأيديولوجيات قد قرر قتل “الأم” أو “المثقف الوطني” أولًا، حتى ينقطع صوت تحذيرها من هذا الذئب عن الأبناء.
لقد اضطهدت الأنظمة الأيديولوجية القومية البعثية المثقفين الوطنيين بالسجن أو القتل أو الاغتراب، ففي زمن حافظ الأسد، جرى الاعتداء على الشاعر بدوي الجبل، واغترب الشاعر عمر أبو ريشة، وتمت محاصرة كتّاب وشعراء كمحمد الماغوط، وممدوح عدوان ونديم محمد، وسعد الله ونوس، والدكتور عارف دليلة، وتم سجن الأديب فرج بيرقدار، وميشيل كيلو، وياسين الحاج صالح، وكثيرين غيرهم من العاملين في الشأن العام والمجتمعي.
وكذلك فعل نظيره، صدام حسين، الذي كان أكثر قسوة على مفكري العراق ومعارضي الرأي المدنيين، ولاسيما أن حالة الحرب المستمرة التي فرضها صدام على العراق على امتداد عشرين عامًا نتيجة مغامراته الخارجية، جعلته يتخذها ذريعةً للسجن والتعذيب أو التصفية بتهمة الخيانة، والكثيرون اختاروا الاغتراب والموت في المنافي.
أما الأيديولوجية الدينية، فقد مارست التصفية والإرهاب بحق الخصوم، كما حدث في “لجنة الموت” التي شكّلها الخميني عام 1988، والتي تُقدّر إعدامات السجناء فيها بالآلاف، بأمر من الأيديولوجي الخميني شخصيًا. وكذلك حدث مع قتل فرج فودة، ومحاولة قتل نجيب محفوظ، واتهام نصر حامد أبو زيد بالردة وتفريقه عن زوجته ونفيه، وكذلك الأمر مع نوال السعداوي، وتكفير سيد القمني، وغيرهم كثيرون من معارضي الأيديولوجيات الدينية.
إن الأوطان لن تنجو طالما بقي “الذئب الأيديولوجي المستبد” المخادع على أرضها حرًا، وطالما بقي الأبناء يتجاهلون تحذيرات الأم (المثقف الوطني) من هذا الذئب. ويبقى القول أنه لا خير في أوطان لا تحمي مثقفيها الوطنيين من الذئب وذيوله وذبابه: احموا الأم.
مصطفى حسين بطيخة أستاذ جامعي وكاتب سوري
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى