تتوالى مبادرات الأعراس الجماعية في المحافظات السورية كطوق نجاة يُعيد إحياء التقاليد الأهلية، ويخفف الأعباء المالية عن كاهل الشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة.
وتنقلت تظاهرات الفرح مؤخرًا بين مناطق سورية عدة، بدءًا من بصرى الشام بريف درعا، مرورًا ببلدتي جبعدين وسقبا في ريف دمشق، وصولًا إلى مدينة التل التي شهدت مبادرة حظيت بتفاعل واسع نظرًا لتميّزها بدمج مسارات التأهيل والتوعية الأسرية مع تقديم الدعم المادي والعيني، ليتوّج هذا المسار المتكامل بحفل زفاف جماعي.
وتأتي هذه المبادرات، التي تنظّمها جمعيات خيرية وفعاليات أهلية ومجتمعية، كخطوة عملية لتيسير سُبل الزواج وبناء أسر جديدة وسط التفاف شعبي كبير.
رؤية تنموية لبناء أسر مستقرة ومستدامة
رئيس مجلس إدارة جمعية “إنعاش الفقير” الخيرية في مدينة التل بريف دمشق، كمال عبد الجبار عرنوس، أكّد أن مبادرة “الزواج الميسّر” في التل انطلقت كاستجابة مباشرة للتحديات الاقتصادية الراهنة، التي باتت تشكل عائقًا حقيقيًا أمام رغبة الشباب والشابات في تأسيس أسرة نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف الزفاف.
وأوضح عرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، أن الجمعية حرصت على ألّا يقتصر دورها على تنظيم الحفل فحسب، بل صممت المبادرة لتكون مشروعًا متكاملًا يضمن بداية حياة زوجية مستقرة وكريمة، وذلك من خلال دمج مسارات التأهيل والتوعية الأسرية مع الدعم المادي والعيني، وصولًا إلى تتويج المستفيدين في عرس جماعي يقلّص النفقات الفردية.
كما شدد على الرؤية التنموية للمشروع، معتبرًا أن الجمعية تنطلق من إيمان عميق بأن الزواج هو بداية لبناء حياة ومستقبل، وليس مجرد مناسبة احتفالية عابرة، وهو ما يتطلّب توفير بيئة داعمة تضمن استدامة هذه الأسر الجديدة.
إقبال لافت يعكس الحاجة لمبادرات التكافل
وأضاف عرنوس أن المبادرة حظيت بإقبال لافت منذ الإعلان الأول عن انطلاقها، كاشفًا عن وصول عدد المتقدمين الراغبين في الاستفادة من المشروع إلى 350 شابًا وشابة.
وفي سياق تقييمه لحجم التفاعل مع المشروع، أشار إلى أن هذا الإقبال الواسع شكّل مؤشرًا قاطعًا ودليلًا ملموسًا على وجود حاجة فعلية وحقيقية في المجتمع لمثل هذه المبادرات التكافلية.
وحول آلية التعامل مع طلبات المتقدمين، لفت رئيس مجلس الإدارة إلى أن “الجمعية” استقبلت طلبات مكثفة من فئتي الشباب والشابات، مما وضع الإدارة أمام مسؤولية إدارتها وفق معايير واضحة ودقيقة.
وعزا عرنوس هذا الإجراء إلى محدودية الإمكانات المتاحة لدى الجمعية مقارنةً بحجم الاحتياج الواسع في البيئة المحلية.
رحلة الأشهر الستة
كما تحدث عن البُعد الجوهري للمشروع، معتبرًا أن الأهمية الكبرى لهذا الإقبال لم تقتصر على الحفل فحسب، بل تجسدت في تطلع الشباب وتبنيهم لفكرة تأسيس الأسرة، وسعيهم لتأمين الظروف المثلى والأنسب لبداية حياة زوجية مستقرة.
وعن الجدول الزمني وآلية تنفيذ المبادرة، نوّه عرنوس إلى أن المشروع تميز بالاستدامة ولم يقتصر على كونه حدثًا عابرًا أو حفلًا لليلة واحدة، معربًا عن اعتزاز الجمعية بامتداد المبادرة لقرابة ستة أشهر، وذلك حرصًا على تحقيق أثر عميق ومستدام لا ينتهي بانتهاء مراسم الزفاف الجماعي.
وحول الهيكلية التنظيمية والعملية، بيّن أن العمل سار وفق مراحل متتابعة ومدروسة، بدأت بمرحلة الاختيار والبحث الاجتماعي التي ركّزت على دراسة أوضاع المتقدمين بدقة لضمان الكفاءة والشفافية.
لتنطلق بعدها مرحلة التأهيل والإعداد التي خضع خلالها المستفيدون لدورة التأهيل الأسري، مركّزة على جوانب دينية وصحية واقتصادية واجتماعية تضمن تعزيز مهارات التواصل، وتحمل المسؤولية، وإدارة الخلافات لبناء الأسرة على أسس صحيحة.
وعقب انتهاء فترة التدريب والتأهيل، انتقلت “الجمعية” بالمشروع إلى مرحلة التجهيز والدعم لتأمين المستلزمات والاحتياجات الأساسية للشباب، وصولًا إلى المرحلة النهائية المتمثلة في حفل العرس الكبير والاحتفاء بزواج أربعين شابًا وشابة من أبناء التل.
محددات التقييم الاجتماعي
حرصت الجمعية على أن تكون عملية الاختيار قائمة بالدرجة الأولى على مبدأي العدالة والشفافية، مع توجيه الدعم والتركيز نحو الأسر والشباب الذين يواجهون حاجة فعلية وعاجلة للمساعدة، وممن تنطبق عليهم الضوابط والشروط التي حددتها المبادرة مسبقًا.
وعن طبيعة التقييم المتبع، ذكر عرنوس أن الإدارة المعنية عكفت على دراسة وفحص ملفات المتقدمين والظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بكل منهم، إذ أخذت عملية التقييم بعين الاعتبار محددات أساسية شملت الفئة العمرية، ومدة فترة الخطوبة، بالإضافة إلى مدى توفر السكن الملائم.
التكافل بين الداخل والاغتراب
وحول الروافد الداعمة للمبادرة، أعرب عرنوس عن تقديره العميق لأبناء مدينة التل في الداخل وبلاد الاغتراب، جازمًا بأن هذا المشروع لم يكن ليرى النور أو يحقق النجاح لولا مساهمة أهل الخير وأصحاب الأيادي البيضاء.
وثمّن التجاوب اللافت والتفاعل الإيجابي الذي أبدته الفعاليات الاقتصادية والأهالي على حد سواء، إذ بادر كل طرف بتقديم الدعم والمساندة وفقًا للإمكانيات المتاحة له، معتبرًا هذا التضامن تجسيد حقيقي وفعلي لمفهوم العمل الأهلي المشترك.
وعن دور الجمعية في هذا الإطار، بيّن عرنوس أن دور “إنعاش الفقير” اقتصر على الجوانب التنظيمية والتنسيقية والإشراف المباشر على مراحل المبادرة، بينما يعود الفضل في النجاح الحقيقي إلى تضافر جهود المجتمع بأسره وتكامله.
وأردف أن القيمة الأجمل والمكسب الأكبر من وراء هذه التجربة يتمثل في إثباتها القاطع بأن العمل الأهلي متى ما توفرت له عوامل التكاتف والتعاضد، يصبح قادرًا على صناعة فارق مجتمعي كبير وترك أثر إيجابي مستدام.
تجهيزات منزلية وكهربائية
وفيما يخص تفاصيل الدعم اللوجستي والمادي الذي حظي به المستفيدون، أوضح أن الإدارة حرصت على أن تكون حزمة المساعدات ذات طابع عملي ومباشر، بحيث ترتبط بشكل وثيق بالاحتياجات الفعلية والأساسية التي تتطلبها بداية الحياة الزوجية.
وكشف أن هذا الدعم اشتمل على تقديم كل ما أمكن توفيره من مساعدات مادية وعينية، إلى جانب تأمين باقة من التجهيزات المنزلية والكهربائية الضرورية التي تساعد العرسان في تأسيس منازلهم الجديدة.
حينما تحتفل مدينة كاملة بزواج أبنائها
وفي أبعادها الاجتماعية والإنسانية، بيّن عرنوس أن تنظيم وليمة غداء العرس الجماعي جاء كجزء لا يتجزأ من الفلسفة الاجتماعية التي بُني عليها المشروع ككل، إذ هدفت الجمعية من وراء هذه الخطوة إلى ترسيخ شعور جمعي بأن هذه المناسبة لا تخص 80 عريسًا وعروسًا بمفردهم، بل هي تظاهرة فرح تعني مدينة التل بأكملها.
ولفت عرنوس إلى أن المشروع نجح في تسليط الضوء على الأهمية البالغة لمؤسسة الزواج وتكوين الأسرة المستقرة، فضلًا عن كونه قدم نموذجًا يحتذى به في إمكانية تحقيق شراكة تكاملية بين الجمعيات الخيرية، والأهالي، والفعاليات الاقتصادية.
مأسسة المشروع وضمان ديمومته
وفي نظرة مستقبلية لآفاق هذا المشروع التنموي، أفصح عن التوجهات الجادة للجمعية والبلدية نحو استمرارية هذه المبادرة وتطويرها في القادم من السنوات، جازمًا بأن النجاح الملموس للتجربة الحالية يدفع بقوة نحو التفكير في مأسستها واستدامتها.
بيد أن رئيس مجلس الإدارة رهَنَ ديمومة هذا التوجه بتوفر الشراكة المجتمعية المستدامة، معلّلًا ذلك بضخامة الاحتياجات المحلية من جهة، والرغبة في الحفاظ على ذات المعايير العالية للدعم والتأهيل الأسري التي طُبقت في هذه الدورة من جهة أخرى.
كما أعرب عن أمله في أن يتحول العرس الجماعي إلى موعد سنوي ثابت وبصمة مميزة لمدينة التل بريف دمشق في حال تدفق الدعم والتمويل اللازمين، متعهدًا بالعمل على الارتقاء بآليات التنفيذ والاستفادة من البناء على الخبرات والدروس المستقاة من هذه التجربة.
دعوة لتعميم التجربة
وفي إطار نقله للتجربة وتعميم الفائدة، وجّه رسالة تحفيزية للمجتمعات والجمعيات الأهلية في مختلف المناطق والمدن السورية، حاثًّا إياها على عدم انتظار توفر الميزانيات أو الإمكانات الضخمة لتدشين مبادراتها التنموية.
ودعا إلى الانطلاق فورًا بالموارد المتاحة، والتركيز على استقطاب أهل الخير، وتنظيم الجهود التطوعية، ودراسة الاحتياجات اللصيقة بكل مجتمع محلي، انطلاقًا من القناعة بأن العمل الجماعي والمنظّم قادر على إحداث الفارق الحقيقي دائمًا.
وأبدى عرنوس استعداده لمشاركة تفاصيل هذه التجربة مع سائر الجمعيات الزميلة للاستفادة منها، وتطويرها بما يلائم ويناسب الظروف الخاصة بكل مدينة ومنطقة سورية.
وفيما يتعلق بالخطط التنموية القادمة، كشف عن طموح لتطوير حزمة من البرامج المستقبلية الموجهة خصيصًا لدعم الأزواج الجدد، والتي تركز على مساري التأهيل الأسري والدعم الاجتماعي المستمر، ملمحًا إلى إمكانية إطلاق برامج تمكين اقتصادي تهدف إلى مساعدة هذه الأسر الناشئة لتحسين ظروفها المعيشية بشكلٍ مستدام.
وفي لفتة تعزز قيم التكافل والتلاحم الاجتماعي أيضًا، شهدت مدينة بصرى الشام في ريف درعا الجنوبي، أواخر أيلول الماضي، حفل زفاف جماعي ضَمّ تسعة عرسان من أبناء المدينة.
وجاء هذا الحفل بمبادرة أهلية حظيت بتمويل ودعم من أحد أبناء بصرى الشام المغتربين، وذلك بهدف تيسير سُبل الزواج للشباب المقبِلين عليه، والتخفيف من تكاليفه وأعبائه المادية المرتفعة، في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية التي تمر بها البلاد.
Related