صفقات استثمار قبل ضمان الحقوق

tag icon ع ع ع

لمى قنوت

لا يبدو عرضيًا تزامن إحباط السلطة الانتقالية من وعود تمويل إعادة الإعمار، بين وفرته على الورق وشحه على أرض الواقع، والذي عبر عنه رائد الصالح، وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، في سياق سؤاله عن إعادة الإعمار، فقال إن المجتمع الدولي خذل الشعب السوري، وفي نبرة نقدية أشار إلى غياب مؤتمر دولي حول إعادة الإعمار.

وفي تصريح آخر لوزير الخارجية، أسعد الشيباني، خلال مؤتمر صحفي عقده مع مسؤولة السياسية الخارجية في الاتحاد الأوروبي ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، كايا كلاس، قال إن سوريا اليوم بحاجة إلى من يساعدها “في الميدان أكثر من الوعود والبيانات السياسية”، وأن تكون إعادة الإعمار وفق الأولويات الوطنية السورية لمعالجة آثار الحرب.

منذ خريف العام الماضي، ومن الرياض، قال الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، إنه اختار بناء سوريا وإعادة إعمارها عبر الاستثمارات لا بالمساعدات، وبين تاريخ هذا التصريح وما قاله مؤخرًا الشيباني والصالح حوالي 11 شهرًا، لم تركز السلطة في خطابها ومطالبها على أهمية عقد مؤتمر حول إعادة الإعمار، ولم تحشد لدعم انعقاده، وما جاء عابرًا على لسان رائد الصالح حول عدم انعقاده، يجب أن يسبقه تحضير جدي لبناء ملفات، وخطة بأولويات تقيّم الاحتياجات، وإطار قانوني يحمي حقوق الملكية، ويلزم الحكومة الانتقالية والمستثمرين بالتشاور مع المجتمعات المتضررة، والتعويض، وإنشاء آلية مستقلة تمكن الناس من الطعن في القرارات المتعلقة بمنازلهم وأراضيهم.

وفي الواقع، إن عددًا من الاستثمارات الحالية المعلنة تؤسس لاقتصاد عقاري- ريعي بدل التوجه نحو اقتصاد إنتاجي، استبعدت فيه أولويات وحاجات السوريين، نساء ورجالًا، وتم تجاهل الحوار مع أصحاب المصلحة، ومن ضمنهم المتضررون من الاستملاك أيام النظام السابق، كالمرسوم “66” والقانون رقم “10”، بالرغم من أن السلطة الانتقالية لم تقم وزنًا لمخرجات المسارات المتعددة التي تمت خلال مؤتمر الحوار الوطني الذي قادته، وعلى الرغم من اختزال التمثيل فيه، واستنسابيته، وسرعته القياسية، ومخرجاته غير الملزمة، فقد طالب بعض من حضر جلسة المسار الاقتصادي بنشر مخرجاتها، لردم الفجوة بين النقاش التشاركي الذي تم والسياسة العامة، ولم يستجب لطلبهم.

وبسياق متصل، حتى عندما تتم المشاورات لا تفضي الاعتراضات إلى نتيجة مقبولة، ومثال ذلك اللقاء الذي تم بين محافظ دمشق وأهالي الأحياء الشرقية المدمرة في منتصف آذار الماضي، وأعلن خلاله عن مشروع عقاري بنحو 21 مليار دولار، يحصل فيه سكان المنطقة من مالكي العقار على 50% من منازلهم السابقة، و30% من أرضهم الزراعية، بما يشمل الهياكل غير المصرح بها،  لكن الاجتماع كان إعلانًا وإملاء لا تفاوضًا، ما أغضب أهالي جوبر، ووصفه بيان لسكان وناشطين ومحامين من القابون بأنه “تهجير قسري إداري”، وفي الوقت نفسه، لا تمنح السلطة التراخيص للأسر القادرة على بناء منازلها بنفسها، كما قال أهالٍ من جوبر، ولا تقدم تمويلًا ميسرًا للراغبين في بناء منازلهم بشكل ذاتي مباشرة أو بشكل تدريجي. والجدير بالذكر أن نسبة التدمير المقدرة في جوبر 95%، حصلت بين عامي 2012 و2018.

وليست حال الأحياء الشرقية استثناء، ففي الطرف الغربي من دمشق، على سبيل المثال، عرض مسؤولو الصندوق السيادي في منتدى الاستثمار السوري- الإماراتي الذي عقد في 11 من أيار الماضي مشروع “دمشق الجديدة” على أرض مساحتها 3300 هكتار، تقع على جانبي طريق دمشق- بيروت من أوتوستراد المزة وحتى الصبورة، كمدينة جديدة، قدرت فيها قيمة الاستثمار بين 40 و50 مليار دولار، من ضمنها 7.6 مليار دولار للبنية التحتية، يحصل شاغلو الأراضي التابعة للدولة على تعويض مالي مقابل الإخلاء، ويُمنح مالكو الأراضي أسهمًا في “المدينة الجديدة” أو تعويضًا ماليًا، وقد لاحظ معدّا ورقة بعنوان: “مشاريع التطوير العقاري الكبرى في سوريا، نحو إطار يربط الاستثمار بحماية الملكيات والشاغلين وضمان الاعتراض والتعويض”، تناولا هذا المشروع وغيره من المشاريع، أن المخاطر القانونية والمؤسسية تبدأ من صيغة مرسوم إحداث الصندوق السيادي رقم “113” لعام 2025، الذي يرتبط برئيس الجمهورية، ويتمتع بالشخصية الاعتبارية، والاستقلال الإداري والمالي، ويمنحه المرسوم إدارة تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية، والاستثمار الأمثل للموارد، و”تحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاج وتنمية”، بمعنى أن الصندوق “لا يتعامل مع أموال سائلة فقط، بل مع عقارات وأراضٍ قد ترتبط بحقوق ملكية أو إشغال أو انتفاع أو نزاعات لم تُحسم بعد” كما ورد في الورقة.

ومن جملة المخاطر التي تذكرها الورقة، مسألة الشفافية، وهي لا تتعلق فقط بالأدوار المتداخلة التي يتمتع بها الصندوق السيادي، من إدارة الأصول، وطرح الأراضي والعقارات، والتفاوض مع المستثمرين، والإشراف على التنفيذ، بل في المجلس الأعلى للتنمية الذي يتضمن الصندوق السيادي، وصندوق التنمية، وهيئة الاستثمار السورية، مع أهمية توضيح صلاحيات كل منها، والعلاقة بينها، والضمانات الحقوقية للمستثمرين وأصحاب الحقوق.

تختزل السلطة الانتقالية إعادة الإعمار بوصفه عقارًا، ويغيب الإعداد الجيد والتشاور مع أصحاب المصلحة، بينما تتجه إلى الترويج لمشاريع عقارية كبرى وإعلانها دون إيلاء الاعتبار لحقوق الملكية الخاصة بالمتضررين ودون أن توفر بدائل منصفة وتعويضات عادلة لغير القادرين على استعادة منازلهم وأراضيهم. والأشد هشاشة هم الغائبون والمهجَّرون والمستأجرون والشاغلون وأصحاب الوثائق المفقودة، ومن فقدوا بيوتهم وأوراقهم معًا.

وهي عملية جوهرية ومركزية في العدالة الانتقالية، تحتاج إلى معالجة لحجم وتعقيدات انتهاكات السكن والأراضي والممتلكات، وقبل أن تعرض مشاريع الاستثمار، يجب نشر المعلومات عن الأراضي ووضعها القانوني، وفتح سجلات للاعتراض والمطالبات، وإتاحة وسائل متعددة لإثبات الحق، وعدم التصرف بالأرض قبل أن تُحسم الاعتراضات الأولية، على أقل تقدير، كما أن مؤتمرًا لإعادة الإعمار، لا يمكن إعداد خطته وملفاته، ما دام أصحاب الأرض لا يشاركون فيها، وأن عجز الدولة ماليًا لا يمنحها حق التصرف فيما يملكه الآخرون.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة