
قوة العلاقات لا تقاس بالتفاعل الإلكتروني بل بالاهتمام الحقيقي والسؤال عن الآخرين والوجود إلى جانبهم عند الحاجة (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

قوة العلاقات لا تقاس بالتفاعل الإلكتروني بل بالاهتمام الحقيقي والسؤال عن الآخرين والوجود إلى جانبهم عند الحاجة (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
عنب بلدي – نداء كناكرية
مرت ثلاثة أيام على وفاة والد ليلاس الطويل، ثم أسبوع كامل، من دون أن تأتي صديقتها إلى العزاء، حيث تجمعهما مدينة واحدة في ريف دمشق.
كانت ليلاس تنتظر حضور صديقتها، بعد سنوات من الصداقة بينهما، لكنها لم تجد منها سوى “حالات” على مواقع التواصل تعبّر فيها عن مشاركتها الحزن.
لم تعوض المنشورات غياب الصديقة بالنسبة إلى ليلاس، فقد كانت تحتاج إليها في الأيام التي أعقبت وفاة والدها، وانتهت التجربة بقرارها قطع العلاقة، بعدما شعرت أن الصداقة القريبة التي تصورتها ليست سوى صداقة على الشبكة وعبر الهاتف.
قالت ليلاس (25 عامًا) إنها لا تنتظر من جميع معارفها الحضور إلى مناسباتها، وتتقبل التعزية أو التهنئة إلكترونيًا عندما تكون العلاقة بعيدة أو تمنع الظروف الشخص من الزيارة، لكن الأمر اختلف مع صديقة كانت تعدّها من المقربين.
وأصبح إرسال رسالة عبر “واتساب”، أو التعليق على منشور، أو الرد على “حالة”، جزءًا من التعزية والتهنئة بين أشخاص تحدثوا إلى عنب بلدي، لكن حدود ما يمكن أن تقوم به هذه الوسائل تختلف بحسب العلاقة والمناسبة.
بالنسبة إلى سيدرا، البالغة من العمر 22 عامًا، وفرت مواقع التواصل طريقة أسهل لأداء بعض الواجبات الاجتماعية، إذ يمكنها إرسال تعزية عبر “واتساب” أو كتابة تعليق على “فيسبوك”، بدل أن تضطر في كل مناسبة إلى ترك أطفالها عند والدتها أو حماتها والذهاب بنفسها.
ولا ترى سيدرا فرقًا كبيرًا بين الرسالة والزيارة عندما تكون علاقتها بصاحب المناسبة بعيدة، كما أن حضور مجالس العزاء يؤثر فيها نفسيًا، ولذلك تفضّل أحيانًا تقديم التعزية عبر الهاتف.
لكنها لا تتعامل بالطريقة نفسها مع المقربين، ففي حالات الوفاة أو المناسبات المهمة داخل العائلة، ترى أن الحضور ضروري، خصوصًا مع الأقارب من الدرجتين الأولى والثانية.
بالنسبة إليها، لا تستطيع الرسالة نقل كل ما يمكن أن يصل في اللقاء، من الحديث والاستماع إلى الشخص ومشاركته ما يمر به.
“أم وسيم عليان” (40 عامًا)، لا ترى أن رسالة قصيرة يمكن أن تحل محل الزيارة في العزاء أو الفرح.
وقالت السيدة لعنب بلدي، إن التعزية كانت تعني الذهاب إلى منزل أهل المتوفى والجلوس معهم والاستماع إليهم، بينما كانت المشاركة في الأفراح تتجاوز المباركة إلى المساعدة في بعض الترتيبات والتجهيزات.
وكانت مناسبات الفرح في محيط “أم وسيم” تتضمن تقديم هدايا بسيطة وتبادل “النقوط” في الأعراس والولادات، ثم رده في مناسبات العائلات الأخرى، وفي حالات الوفاة، كانت النساء يشاركن أحيانًا في قراءة “ختمة على روح المتوفى” وإعداد الطعام للموجودين.
لهذا لا تعتبر “أم وسيم” أن رسالة على “واتساب” أو تعليقًا على “فيسبوك” أو “حالة” تغني عن الحضور في مناسبات كهذه.
ولا ترفض التواصل الإلكتروني في جميع الحالات، إذ تجده مناسبًا في مناسبات مثل أعياد الميلاد والنجاح، أو عندما يمنع ظرف طارئ الشخص من الحضور.
استخدام تطبيقات المراسلة ليس مشكلة بحد ذاته، وإنما الاعتماد عليها بديلًا عن التواصل المباشر حتى في العلاقات القريبة، بحسب الخبيرة الاجتماعية بيان كوكي.
وترتبط طريقة التعزية أو التهنئة بدرجة العلاقة مع صاحب المناسبة، بحسب ما قالته كوكي لعنب بلدي، ففي العلاقات القريبة ترى أن عبارة مكتوبة أو ردًا على “حالة” قد لا يوفران ما توفره مكالمة أو زيارة تمنح الشخص وقتًا للحديث والتعبير عما يمر به.
لم يقتصر الانتقال إلى الشاشة على التعازي، فدعوات الأعراس والمناسبات التي كانت تصل مطبوعة أصبحت تُرسل إلكترونيًا في حالات كثيرة، وهو ما وفر التكلفة وسهّل الوصول إلى عدد أكبر من المدعوين.
ولفتت الخبيرة الاجتماعية بيان كوكي إلى أن بطاقة الدعوة نفسها كانت تحمل تفاصيل مرتبطة بالمناسبة، من تصميمها إلى طريقة تقديمها، بينما يمكن إرسال الدعوة الإلكترونية اليوم إلى عدد كبير من الأشخاص خلال وقت قصير.
أضافت مواقع التواصل أيضًا طرقًا جديدة يقرأ بها بعض الأشخاص علاقاتهم بالآخرين، وفق كوكي، فمشاهدة “الحالة” أو وضع “إعجاب” أو كتابة تعليق قد تُفهم كعلامة على الاهتمام، بينما يمكن أن يفسر غياب التفاعل على أنه فتور أو غضب.
لكن عدم مشاهدة منشور أو التفاعل معه لا يعني بالضرورة وجود مشكلة، إذ قد لا يكون الشخص قد فتح التطبيق أو شاهد المحتوى أصلًا.
وترى كوكي أن الاعتماد على هذه المؤشرات وحدها لا يكفي للحكم على العلاقة، لأنها لا تحمل نبرة الصوت وتعبيرات الوجه ولغة الجسد الموجودة في التواصل المباشر.
كما أن سهولة التعرف إلى أشخاص جدد والحديث معهم عبر الإنترنت لا تعني بالضرورة أن العلاقة أصبحت قريبة، فقد يعرف الشخص تفاصيل كثيرة مما ينشره آخر على حسابه، من دون أن يعرف كيف يتصرف في حياته اليومية أو كيف يتعامل معه عندما يحتاج إليه.
لا ترى الخبيرة الاجتماعية بيان كوكي أن الحل هو الابتعاد عن مواقع التواصل والعودة إلى الطرق القديمة في جميع المناسبات، فعندما تحول المسافة أو الظروف دون الذهاب إلى العزاء، يمكن للمكالمة الهاتفية، مثلًا، أن تمنح صاحب المصاب مساحة أكبر للحديث من رسالة جاهزة.
وبالنسبة إلى الخبيرة الاجتماعية، تظهر قوة العلاقة خارج عدد الرسائل والإعجابات، في معرفة ما يحدث في حياة الشخص والسؤال عنه والوجود عندما يحتاج إلى الدعم، وهو الحد الذي تضعه ليلاس أيضًا بين الرسالة والحضور، فهي لا تعتبر غياب شخص عن مناسبة سببًا كافيًا لإنهاء علاقتها به إذا كان لديه ظرف تعرفه وتتقبله.
لكنها كانت تنتظر من صديقتها في عزاء والدها شيئًا مختلفًا، وبعد سنوات من العلاقة بينهما، لم تكن تريد منها “حالة” تعبر فيها عن حزنها، بل أن تكون إلى جانبها.
وفي وقت أصبحت فيه مواقع التواصل جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد المسألة تتعلق باستخدام الرسائل الإلكترونية في التعزية والتهنئة بقدر ما تتعلق بما تعنيه للأشخاص الذين يتلقونها.
وبين من يجد في هذه الرسائل وسيلة مناسبة للتعبير عن الاهتمام، ومن يراها غير كافية في اللحظات الصعبة، يبقى تأثيرها مرتبطًا بطبيعة العلاقة والظروف المحيطة بالمناسبة، فقد تختصر رسالة المسافة وتوصل مشاعر صادقة، لكنها لا تعني دائمًا أن صاحبها قدم ما يحتاج إليه الآخر، إذ إن بعض المواقف لا تتطلب كلمات مواساة فحسب، بل وقتًا وإصغاء ووجودًا يشعر معه الشخص بأنه ليس وحده.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى