
يتجلى التنمر الهجين كعلاقة اختلال توازن تربط بين جانٍ يمارس الأذى لفرض سيطرته وضحية تعاني الخوف والعزلة وهنا يأتي دور الأسرة لحماية الأبناء وتقويم سلوكهم (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

يتجلى التنمر الهجين كعلاقة اختلال توازن تربط بين جانٍ يمارس الأذى لفرض سيطرته وضحية تعاني الخوف والعزلة وهنا يأتي دور الأسرة لحماية الأبناء وتقويم سلوكهم (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
عنب بلدي – شعبان شاميه
لم تعد جدران غرفته الصغيرة ملاذه الآمن كما كانت في السابق، فبالنسبة إلى ميلاد (14 عامًا)، باتت تلك الجدران تضيق عليه لتتحول إلى امتداد لكابوس لا ينتهي.
بدأ الأمر بضحكات مكتومة ونظرات ساخرة واجهها في ساحة المدرسة، بعد تعثره العفوي خلال مباراة كرة القدم في ساعة الرياضة، لكن الأذى لم يقف عند جرس نهاية الحصة، وفق ما قاله لعنب بلدي.
ما إن عاد إلى غرفته وأمسك بهاتفه بحثًا عن السكينة، حتى وجد أن لقطة تعثره تحولت إلى “مقطع ساخر” يتداوله زملاؤه في مجموعة “واتساب” الخاصة بالصف الثامن، مصحوبة بعبارات لاذعة وتدوينات جارحة.
استيقظ ميلاد في اليوم التالي مثقلًا بالخوف، ليتفاجأ بأن السخرية الرقمية قد تحولت صباحًا إلى جدار من النبذ في أروقة المدرسة.
هذا التداخل الفج بين الواقع والافتراضي يجسد ما يُعرف اليوم بـ”التنمر الهجين”، وهو خطر صامت يلاحق الأطفال إلى أدق تفاصيل خصوصيتهم، ويهدد صحتهم النفسية في مساحاتهم التي طالما كانت الأكثر أمانًا.
استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، أكدت في حديث إلى عنب بلدي ضرورة عدم إدراج جميع الصراعات تحت مسمى “التنمر”، مبينة أن الخلاف الطبيعي يقع عادة بين طرفين متقاربين في القوة.
وفي المقابل، أوضحت العرنوس أن التنمر يتميز بسلوك عدواني أو مؤذٍ متكرر، ويرتبط بوجود اختلال في ميزان القوة الاجتماعية أو الجسدية أو الرقمية.
لفتت الاستشارية إلى أن مكامن القوة على الإنترنت قد تظهر في عدة أشكال، منها: تفوق عدد المتابعين، أو إدارة المجموعات، أو حيازة صور محرجة، بالإضافة إلى القدرة على نشر المحتوى وحشد الآخرين بسرعة.
وتابعت أن التنمر يُكتشف عبر تغيرات طارئة تستدعي الحوار، كرفض المدرسة، والشكاوى الجسدية كالصداع والمغص، واضطراب النوم، وصولًا إلى مؤشرات رقمية كالتوتر من الهاتف وحذف الحسابات.
وفيما يتعلق بسحب الهاتف كوسيلة حماية، قالت العرنوس إن هذا الإجراء لا ينبغي أن يكون تلقائيًا، لأن معاقبة الطفل بحرمانه من جهازه فور اعترافه قد يدفعه مستقبلًا إلى إخفاء المشكلات تجنبًا للعقوبة.
وأردفت أن تعديل إعدادات الخصوصية، أو تقنين الاستخدام، أو حتى إيقاف المنصة مؤقتًا عند وجود خطر، يجب أن يكون قرارًا تشاركيًا ومبررًا، كأن يقال له: “سنغير هذا الإعداد لحمايتك”، بدلًا من إلقاء اللوم عليه.
تواجه الكثير من الأسر صدمة عند اكتشاف أن طفلهم ليس ضحية للتنمر، بل هو الجاني، وهو ما يضع الوالدين أمام تحدٍّ تربوي معقد يتطلب توازنًا بين الحزم والاحتواء لمعالجة المشكلة من جذورها دون إلحاق أذى نفسي بالطفل.
وتتأرجح ردود الفعل، بحسب الاستشارية، بين الإنكار التام ورفض تصديق الواقع تحت ذريعة “ابني مستحيل يعمل هيك”، أو الاندفاع نحو وصم الطفل بعبارات قاسية، معتبرة أن كلا الأسلوبين غير مفيد في تقويم السلوك.
كما شددت على ضرورة الحزم في رفض هذا السلوك بوضوح دون تحويله إلى هوية ملتصقة بالطفل، داعية أولياء الأمور إلى توجيه رسالة مباشرة للابن مفادها: “ما فعلته مؤذٍ وغير مقبول، وسنتعامل معه”، وذلك لفصل الفعل عن شخصية الطفل.
وفي إطار البحث عن الحلول، أظهرت أهمية التقصي عن الدوافع الخفية والوظيفة النفسية أو الاجتماعية التي يؤديها هذا السلوك، إذ تساءلت عما إذا كان الطفل يبحث من خلاله عن مكانة اجتماعية، أو يقلد مجموعة من أقرانه، أم أنه يعاني في الأصل صعوبة في تنظيم الغضب.
كما أن الاحتمالات قد تمتد لتشمل تعرض الطفل نفسه للتنمر، أو افتقاره إلى التعاطف والمهارات الاجتماعية الأساسية.
وطرحت استشارية علم النفس الأسري بروتوكولًا أسريًا متكاملًا كخارطة طريق عملية لحماية المحيط التربوي للأبناء والتعامل مع طرفي معادلة التنمر بوعي وحزم.
وحول التعامل مع الضحية، حددت العرنوس مسارًا علاجيًا يستهدف احتواء الطفل المتنمر عليه واستعادة أمانه النفسي عبر ست مراحل متسلسلة، تبدأ بالاستماع الكامل للطفل ودعمه دون إلقاء اللوم عليه، ثم الانتقال الفوري لتقييم الخطر بهدف قياس حجم الضرر الواقع وتحديد مدى تكراره.
تليها خطوة التوثيق الدقيق عبر تسجيل الوقائع والتواريخ والاحتفاظ بالأدلة، ومن ثم توفير الحماية بعزل الطفل عن مصدر الأذى، وصولًا إلى إشراك الجهات المسؤولة كإدارة المدرسة لوضع حد حاسم لهذه الممارسات، وانتهاء بالمتابعة النفسية لدى مختص لمساعدته على تخطي الآثار المترتبة وإعادة بناء ثقته بنفسه.
أشارت الاستشارية إلى أن معالجة سلوك الطفل الذي يمارس التنمر تتطلب خمس خطوات تهدف إلى تقويم الفعل بدلًا من الاكتفاء بالعقاب التقليدي، إذ تبدأ الخطوة الأولى بالإيقاف الحازم للسلوك لإنهاء التجاوزات، ثم تحميل الطفل المسؤولية بمواجهته بخطئه وتوضيح عواقبه، تليها مرحلة إصلاح الضرر بطريقة آمنة لترميم الأثر السلبي لدى الضحية.
ومن ثم تدريب المتنمر على بدائل سلوكية تمكنه من التعبير عن غضبه وإدارة انفعالاته بطرق إيجابية تسهم في إحداث تغيير جذري في السلوك وتفكيك الدوافع النفسية التي سمحت باستمرار هذا الأذى وتكراره، وأخيرًا متابعة التغيير ومراقبة سلوكياته اليومية لضمان استدامة التعديل التربوي.
حذرت الاستشارية من ترك الطفل يواجه الاعتداء المتكرر بمفرده بذريعة بناء قوته النفسية، مؤكدة أن القوة والمرونة النفسية تتشكلان عندما يمتلك الطفل مهارات شخصية مدعومة بشبكة أمان من البالغين الذين يتدخلون لحمايته فور تجاوز المشكلة قدرته على التحمل.
واختتمت العرنوس حديثها بأن المفاهيم التربوية المعاصرة في الحماية الرقمية تجاوزت مراقبة الهواتف إلى بناء جسور ثقة تحفز الطفل على مشاركة تحدياته طواعية، لافتة إلى أهمية هذه العلاقة المتينة التي تدفع الطفل لإطلاع والديه على ما يواجهه عبر الإنترنت، قبل أن يتضخم الخوف داخله ويصبح أكبر من قدرته على الكلام.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى