
قافلة خامسة من نازحي رأس العين في الحسكة تعود إلى ديارها – 13 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي)

قافلة خامسة من نازحي رأس العين في الحسكة تعود إلى ديارها – 13 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي)
بعد سنوات من الانتظار في مخيمات النزوح، يستعد محمد جدعان للعودة إلى ريف تل تمر الغربي، محملًا بفرحة الوصول إلى المنطقة التي اضطر إلى مغادرتها، وبذكريات سنوات قضاها بعيدًا عن منزله وأرضه. وعلى غرار جدعان، تتجه مئات العائلات النازحة إلى مناطقها الأصلية في ريف الحسكة، في محاولة لاستعادة حياتها بعد سنوات من النزوح وما رافقها من ظروف معيشية صعبة.
وانطلقت صباح اليوم، الثلاثاء 13 من تشرين الأول، القافلة الخامسة للنازحين المقيمين في مخيم “الطلائع” قرب مدينة الحسكة، وضمت 385 عائلة، متجهة إلى أرياف رأس العين وتل تمر وزركان (أبو راسين).
وتأتي هذه الدفعة ضمن سلسلة قوافل بدأت خلال الأشهر الماضية لإعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، وسط استمرار انتظار آلاف العائلات العودة إلى منازلها، في ظل ما يفرضه النزوح الطويل من أعباء معيشية واجتماعية، وما يرتبط بالعودة من تحديات تتعلق بالأمان وإمكانية استعادة الاستقرار.
وحضر انطلاق القافلة نائب محافظ الحسكة، أحمد الهلالي، ونائب القائد العام لقوى الأمن الداخلي في المحافظة، محمود خليل. وقال الهلالي إن ملف النازحين يمثل أولوية، مؤكدًا العمل على إعادة جميع النازحين إلى مناطقهم.
وأضاف الهلالي أن الجهود المبذولة تشمل إعادة السكان إلى قراهم، مشيدًا بدور قوى الأمن الداخلي في هذا المسار، إلى جانب إخلاء المباني الحكومية في المنطقة.
من جانبه، قال محمود خليل، إن القافلة الخامسة تتجه إلى 75 قرية في ريف رأس العين، مشيرًا إلى أن الجهات المعنية تعمل على تسيير دفعة جديدة خلال الأسبوع، إذا توفرت الإمكانية لذلك.
وفي الاتجاه المقابل، أشار خليل إلى عودة 50 عائلة من سكان مدينة الحسكة، كانوا يقيمون في رأس العين، إلى المدينة، في إطار حركة عودة متبادلة بين المنطقتين.
وبحسب الأرقام المعلنة، ارتفع عدد العائلات التي عادت عبر القوافل الخمس إلى 2510 عائلات، في حين لا يزال أكثر من 12 ألف عائلة من النازحين ينتظرون العودة إلى منازلهم.
تمثل العودة إلى المناطق الأصلية بالنسبة إلى العائلات النازحة، وفق الناشط رامي عباس، خطوة تتجاوز الانتقال من مكان إقامة مؤقت إلى آخر دائم، فهي ترتبط باستعادة الصلة بالمنزل والأرض والأقارب، ومحاولة إنهاء سنوات من عدم الاستقرار. لكن هذه الخطوة تأتي بعد فترة طويلة من الابتعاد عن القرى والممتلكات، وما فرضته الحياة في المخيمات من صعوبات يومية.
وقال عباس لعنب بلدي، “بالنسبة إلى العائلات العائدة إلى ريف تل تمر الغربي وريف رأس العين وزركان، تتصل العودة أيضًا بإمكانية استئناف الحياة في مناطقها الأصلية، بعد أن اضطر أفرادها إلى بناء أنماط معيشية بديلة في أماكن النزوح”.
وقال محمد جدعان، وهو نازح من ريف تل تمر الغربي، إن فرحته بالعودة ترتبط قبل كل شيء بالرجوع إلى المنطقة التي ينتمي إليها، بعد سنوات قضاها بعيدًا عنها. وأشار إلى أن البقاء في المخيم لم يكن خيارًا سهلًا، إذ فرضت ظروف النزوح على العائلات التكيف مع حياة مختلفة عن تلك التي اعتادتها في قراها ومنازلها.
وبحسب جدعان، فإن العودة تعني بالنسبة إلى العائلة فرصة لاستعادة الحياة اليومية بالقرب من الأهل والأقارب، والتخلص من جانب من الأعباء التي رافقت الإقامة الطويلة في المخيم. إلا أن انتهاء مرحلة النزوح لا يعني بالضرورة انتهاء جميع الصعوبات، إذ تبقى قدرة العائلات على الاستقرار مرتبطة بما ستجده عند وصولها إلى مناطقها.
أما رشيد أحمد، النازح من ريف رأس العين، فيربط العودة بانتهاء سنوات من الانتظار والابتعاد عن المنزل والمنطقة التي اعتاد العيش فيها. وقال إن فرحة العودة لا تنفصل عن المعاناة التي عاشتها العائلات خلال سنوات النزوح، حين اضطرت إلى تدبير شؤونها اليومية في ظروف لم تكن مماثلة لحياتها السابقة.
وأضاف أحمد أن الإقامة الطويلة في المخيمات تضع العائلات أمام تحديات متراكمة، خصوصًا مع استمرار الحاجة إلى تأمين متطلبات المعيشة اليومية، والتكيف مع محدودية الخيارات المتاحة مقارنة بالحياة في المنزل. ومع عودة العائلات إلى قراها، يأمل النازحون أن يتمكنوا من استعادة قدر أكبر من الاستقرار، وأن تكون العودة بداية لمرحلة جديدة تنهي معاناة الانتظار.
من جهته، وصف عبد الله الخلف، النازح من زركان، العودة إلى المنطقة بأنها مناسبة ينتظرها النازحون منذ سنوات، لما تحمله من ارتباط بالمنزل والأرض والحياة التي تركوها خلفهم. وأشار إلى أن سنوات النزوح تركت أثرًا في تفاصيل حياة العائلات، التي اضطرت إلى مواصلة العيش بعيدًا عن بيئتها الاجتماعية ومصادر استقرارها المعتادة.
وبالنسبة إلى الخلف، فإن مغادرة المخيم تمثل فرصة للعودة إلى الحياة في المنطقة الأصلية، لكنها تفتح أيضًا باب التساؤلات بشأن ما ينتظر العائلات بعد الوصول، ولا سيما مدى قدرتها على استعادة ظروف معيشية مستقرة بعد فترة طويلة من الغياب.
وتكشف تجارب العائلات العائدة عن جانب إنساني من ملف النزوح، لا تختصره أعداد القوافل أو عدد القرى المستهدفة. فعودة كل عائلة تعني انتهاء مرحلة من الانتظار، لكنها تتطلب في الوقت نفسه توافر الظروف التي تسمح لها بالبقاء في منطقتها، بدل الاضطرار إلى النزوح مجددًا.
سبقت القافلة الخامسة دفعات عدة انطلقت من محافظة الحسكة خلال الأشهر الماضية، ففي 8 من تشرين الأول الحالي، غادرت مئات العائلات من نازحي رأس العين مخيم “التوينة”، الواقع غرب مدينة الحسكة، ضمن القافلة الرابعة، التي ضمت نحو 518 عائلة متجهة إلى مناطقها الأصلية.
وجاءت تلك الدفعة بعد القافلة الثالثة التي انطلقت في 5 من تشرين الأول، وضمت 511 عائلة، أي 3242 شخصًا، من المقيمين في مخيم “التوينة” ومدارس الإيواء في الحسكة. وتوزعت العائلات آنذاك على مناطق في ريف رأس العين وناحية زركان.
وسبقت القافلة الثالثة دفعتان، انطلقت الأولى في 10 من آب الماضي وضمت نحو 400 عائلة، بينما انطلقت الثانية في 8 من أيلول، وضمت 689 عائلة من نازحي رأس العين المقيمين في مخيم “الطلائع” على أطراف مدينة الحسكة.
وفي المقابل، شهدت هذه الفترة عودة عائلات من سكان مدينة الحسكة الذين كانوا يقيمون في رأس العين، بما يعكس اتجاهين متقابلين لحركة العودة بين المنطقتين.
وفق الناشط رامي عباس، فإنه رغم ارتفاع عدد العائلات التي عادت عبر القوافل، فإن بقاء أكثر من 12 ألف عائلة في انتظار العودة “يشير إلى اتساع الملف مقارنة بالدفعات التي نُفذت حتى الآن، ويجعل استمرار القوافل مرتبطًا بقدرة الجهات المعنية على تنظيم عمليات النقل وتأمين ظروف العودة”.
تعود موجة النزوح التي طالت سكان رأس العين وأجزاء من ريفها إلى تشرين الأول 2019، حين شهدت المنطقة معارك انتهت بسيطرة فصائل “الجيش الوطني السوري” على المدينة ومناطق واسعة من ريفها، ما دفع أعدادًا كبيرة من السكان إلى مغادرة منازلهم نحو مناطق أخرى، بينها مدينة الحسكة ومخيمات ومراكز إيواء.
وخلال السنوات التالية، توزعت العائلات النازحة بين المخيمات ومراكز الإيواء والتجمعات السكنية في محافظة الحسكة، في حين اتجه بعض سكان مدينة الحسكة إلى رأس العين، لتنشأ تجمعات من النازحين في مناطق مختلفة عن مناطقهم الأصلية.
ومع مرور السنوات، لم يعد النزوح مقتصرًا على الابتعاد عن المنزل، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من ترتيبات السكن إلى تأمين الاحتياجات الأساسية، فضلًا عن الابتعاد عن البيئة الاجتماعية ومصادر الرزق المعتادة.
ويعني ذلك أن العودة لا تقتصر على نقل العائلات من المخيمات إلى القرى، بل تتصل بقدرتها على إعادة بناء حياتها في مناطقها الأصلية، واستعادة الاستقرار بعد فترة طويلة من الانقطاع.
تزامنت قوافل العودة مع تغيرات شهدتها خريطة السيطرة في أجزاء من محافظة الحسكة منذ بداية عام 2026. وخلال المعارك التي شهدتها المنطقة في بداية العام، سيطر الجيش السوري على مناطق من الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الأرياف الغربية للمحافظة، في حين انكفأت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى المدن الرئيسة، ومنها الحسكة والقامشلي.
وفي 29 من كانون الثاني الماضي، توصلت الحكومة السورية و”قسد” إلى اتفاق نص على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في المحافظة ضمن هياكل الدولة ووزاراتها.
وترافقت ترتيبات الدمج مع ملفات أخرى، من بينها إعادة تنظيم المؤسسات والخدمات في المناطق التي شهدت تغيرات في السيطرة، إلى جانب بحث عودة السكان إلى مناطقهم الأصلية.
وسبق أن شهدت محافظة الحسكة عمليات عودة لنازحين من عفرين، إذ نُقلت خلال الفترة الماضية ثماني دفعات من العائلات إلى مناطقها الأصلية، إلى جانب القوافل التي تستهدف نازحي رأس العين ومناطق ريفية أخرى.
ومع انطلاق القافلة الخامسة، يتواصل مسار إعادة العائلات إلى مناطقها، في وقت لا تزال فيه أعداد كبيرة تنتظر دورها. وبين فرحة الوصول التي يعبّر عنها النازحون، والسنوات التي قضوها في المخيمات، يبقى نجاح العودة مرتبطًا بقدرة العائلات على البقاء في منازلها واستعادة حياة مستقرة، بعد سنوات فرض فيها النزوح واقعًا مختلفًا عن حياتها السابقة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى