
خلال جلسة للنطق بالحكم على متهمين بارتكاب انتهاكات في الساحل السوري - 15 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/ موفق الخوجة)

خلال جلسة للنطق بالحكم على متهمين بارتكاب انتهاكات في الساحل السوري - 15 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/ موفق الخوجة)
أعادت الأحكام الصادرة في قضية أحداث الساحل السوري، عن محكمة الجنايات العسكرية في حلب، طرح تساؤلات حول مدى تناسب العقوبات مع الجرائم المرتكبة، والأسس القانونية التي استندت إليها المحكمة في تحديد المسؤولية الجنائية لكل متهم.
ويثير عدم إتاحة حيثيات الأحكام كاملة تساؤلات حول الأسس التي اعتمدتها المحكمة في تحديد العقوبات، ومدى وضوح المبررات القانونية التي تفسر التفاوت بينها، وتتيح تقييمها على أساس قانوني موثق.
وبين أحكام تراوحت بين الإعدام والسجن لمدد متفاوتة والبراءة، يرى حقوقيون أن تقييم عدالة هذه الأحكام لا يقتصر على مقارنة العقوبات، بل يتطلب الاطلاع على حيثياتها، وفهم التكييف الجرمي والأدلة والظروف التي استندت إليها المحكمة، بما يتيح التحقق من اتساق تطبيق القانون وضمان المساواة أمام القضاء.
يرى الحقوقي والباحث القانوني المعتصم الكيلاني، خلال حديث إلى عنب بلدي، أن إخضاع المتهمين للمساءلة، بمن فيهم منتسبون إلى القوات الحكومية، يمثل مؤشرًا إيجابيًا يستحق التقدير والبناء عليه في مواجهة الإفلات من العقاب.
الكيلاني اعتبر أن تقييم سلامة الأحكام ومدى تناسب العقوبات مع الجرائم لا يمكن أن يستند إلى مدد السجن أو منطوق الحكم وحدهما، بل يتطلب الاطلاع على الحكم المكتوب وأسبابه، والوقائع التي أثبتتها المحكمة، والأدلة التي اعتمدت عليها، والنصوص القانونية التي طبقتها.
إتاحة الأحكام المسببة للرأي العام ضرورية لتعزيز الشفافية وتمكين المختصين من تقييمها قانونيًا، بحسب الكيلاني، مشيرًا إلى أن الحكم ينبغي أن يتضمن الوقائع الأساسية والأدلة والتعليل القانوني، مع إمكان حماية البيانات الحساسة عند النشر من دون حجب الأساس الذي قامت عليه الإدانة والعقوبة.
وفيما يتعلق بالتفاوت بين أحكام الإعدام الصادرة بحق متهمين مرتبطين بالنظام السابق، والعقوبات بالسجن الصادرة بحق عناصر من القوات الحكومية، اعتبر الكيلاني أن هذا التفاوت يثير تساؤلًا مشروعًا يستلزم تفسيرًا قضائيًا معللًا.
وقد يرتبط اختلاف العقوبات، بحسب قوله، بطبيعة الجرائم التي ثبتت، والقصد الجرمي، ودور كل متهم، والنتائج المترتبة على فعله، والظروف المشددة أو المخففة التي يجيزها القانون، إلا أن تحديد الأسباب الفعلية يتطلب مراجعة الأحكام.
وشدد على أن الانتماء إلى القوات الحكومية أو الارتباط بالنظام السابق لا يشكل، بحد ذاته، مبررًا لتخفيف العقوبة أو تشديدها.
كما ذكر أن المساواة أمام القضاء تقتضي تطبيق المعايير القانونية نفسها على الجميع، مع تحديد المسؤولية والعقوبة وفق ظروف كل حالة.
وإذا كانت الوقائع والأدوار والظروف القانونية متقاربة، فإن الفوارق الكبيرة في العقوبات تستدعي، بحسب الكيلاني، تسبيبًا دقيقًا يوضح أساسها الموضوعي.
توقف الكيلاني عند عقوبة الإعدام، معتبرًا أنها تخضع لقيود حقوقية مستقلة عن تقييم مبدأ المساءلة.
وأشار إلى أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان تحصر مفهوم “أشد الجرائم خطورة” في الجرائم البالغة الخطورة التي تنطوي على قتل عمدي، وفق تفسيرها للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وبناء على ذلك، فإن أوصافًا مثل تشكيل جماعة مسلحة أو التحريض أو الاعتداء على أمن الدولة لا تكفي وحدها، وفق المعايير الدولية التي أشار إليها، لتبرير عقوبة الإعدام ما لم تثبت مسؤولية شخصية عن قتل عمدي، مع استيفاء الضوابط والضمانات المطلوبة.
وأكد أن تقدير أهمية إخضاع المتهمين للمساءلة لا يعني بالضرورة تأييد عقوبة الإعدام، وأن تقييم تطبيقها في هذه القضية يحتاج إلى الاطلاع على الوقائع المثبتة والتعليل القضائي.
لفهم الأسس التي اعتمدتها المحكمة في إصدار أحكامها، يرى الكيلاني أن الحيثيات المنشورة ينبغي أن توضح الأفعال التي ثبتت بحق كل متهم، والأدلة الأساسية وكيفية تقييمها، ورد المحكمة على دفوع الدفاع الجوهرية، والتكييف القانوني للأفعال، وأسباب اختيار العقوبة وأي ظروف أدت إلى تشديدها أو تخفيفها.
كما تشمل المراجعة، بحسب الكيلاني، التحقق من الضمانات الإجرائية، وأساس اختصاص المحكمة العسكرية، وطرق الطعن في الأحكام وما إذا كانت قد اكتسبت الدرجة القطعية، إلى جانب توضيح المسارات المتاحة للضحايا للمطالبة بالتعويض وجبر الضرر.
إنصاف الضحايا لا يتوقف عند صدور العقوبات، بل يشمل الاعتراف بالضرر وإتاحة سبل جبره، بما فيها التعويض وإعادة التأهيل في حالات التعذيب.
وختم الكيلاني بالتأكيد أن تقييم الأحكام يجب أن يبقى مفتوحًا إلى حين إتاحة نسخها المسببة، بما يسمح للضحايا والجمهور والمختصين بفهم الأسس التي قامت عليها، ومناقشة عدالتها على أساس قانوني موثق.
من جانبه، اعتبر مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أن صدور الأحكام في قضية أحداث الساحل يمثل خطوة في مسار المساءلة عن الانتهاكات التي شهدتها المنطقة في آذار 2025، ولا سيما أن المحاكمات وصلت إلى مرحلة تحديد المسؤولية الجنائية الفردية بحق متهمين من جهات مختلفة، بينهم منتسبون إلى وزارة الدفاع.
وشدد عبد الغني، خلال حديث إلى عنب بلدي، على أهمية احترام أحكام البراءة عندما لا تتوفر أدلة كافية للإدانة، موضحًا أن المساءلة الحقيقية تقوم على إثبات مسؤولية كل متهم بصورة مستقلة، وليس على افتراض إدانته.
لكنه يرى أن تقييم الأحكام يتطلب التمييز بين مدى توافق العقوبة مع النص القانوني الذي طبقته المحكمة، وصحة اختيار النص والتكييف الجرمي من الأساس، حيث من الممكن أن تقع العقوبة ضمن الحدود التي يحددها القانون، بينما يبقى استبعاد وصف جرمي أشد أو عدم تطبيق ظرف مشدد بحاجة إلى تفسير.
وفي هذا السياق، أشار عبد الغني إلى تعديل اتهام يتعلق بالقتل القصد الواقع على شخصين أو أكثر إلى جريمة التعذيب والتدخل فيها، معتبرًا أن المسألة تستدعي توضيح الأسباب التي حالت دون إثبات مسؤولية المتهمين عن القتل، وما إذا كان ذلك مرتبطًا بعدم ثبوت مساهمتهم في الجريمة، أو العلاقة السببية بين أفعالهم والوفاة، أو القصد الجرمي.
وأكد أن الاتهام لا يعني ثبوت الإدانة، لكنه شدد على ضرورة توضيح مصير وقائع القتل التي لم تثبت مسؤولية المتهمين المعنيين عنها، وما إذا كانت لا تزال قيد التحقيق بحق أشخاص آخرين.
ولفت إلى أن الحكم بالسجن ثلاث سنوات عن التعذيب يتوافق مع الحد الأدنى للعقوبة المقررة للصورة الأساسية للجريمة في قانون تجريم التعذيب رقم 16 لعام 2022.
لكنه اعتبر أن ذلك لا يكفي وحده للحكم بتناسب العقوبة، ما لم تتضح كيفية فحص الظروف المشددة، ومنها حالات التعذيب الجماعي لأغراض الانتقام أو الثأر، أو التعذيب الذي يفضي إلى الوفاة، عندما تتوافر عناصر هذه الجرائم.
وفيما يتعلق بالتفاوت بين أحكام الإعدام الصادرة بحق متهمين مرتبطين بالنظام السابق، والعقوبات بالسجن الصادرة بحق عناصر من القوات الحكومية، أوضح عبد الغني أن اختلاف الأوصاف الجرمية والعقوبات التي يقررها القانون السوري قد يفسر جانبًا من هذا التفاوت، لكنه لا يثبت بالضرورة أن جميع الأحكام مبررة قانونيًا، إذ ينبغي إخضاع التكييف الجرمي نفسه للمراجعة.
الأحكام بحق منتسبين إلى وزارة الدفاع لم تقتصر على عقوبات السجن لسنتين أو ثلاث سنوات، بل شملت أيضًا حكمًا بالسجن لمدة 20 عامًا عن القتل القصد.
المقارنة القانونية ينبغي أن تراعي طبيعة كل جريمة والأدوار الفردية والظروف المشددة أو المخففة، بدل الاكتفاء بمقارنة مدد العقوبات.
كما ذكر أن وصف شخص بأنه من “فلول النظام السابق” لا يجوز أن يكون عنصرًا مستقلًا للإدانة أو سببًا لتشديد العقوبة.
ونوه إلى أنه لا ينبغي أن يشكل الانتساب إلى القوات الحكومية سببًا للتخفيف أو الحماية من الملاحقة، في حين قد يكون استغلال السلطة أو الوظيفة ظرفًا مشددًا عندما تتوافر الشروط القانونية اللازمة لذلك، وفقًا لعبد الغني.
ويرى أن المساواة أمام القانون لا تعني تماثل العقوبات حسابيًا بين المتهمين من جهات مختلفة، بل تقتضي تطبيق المعايير نفسها في جمع الأدلة وتقييمها، وتحديد المسؤولية الفردية، واختيار الوصف الجرمي، وتطبيق الظروف المشددة والمخففة.
كما توقف عند حكمي الإعدام، معتبرًا أنهما يثيران مسألة تتعلق بمدى توافق العقوبة مع المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
الأوصاف الجرمية الواردة في منطوق الحكم، والمتعلقة بإثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي وتولي قيادة جماعات مسلحة، لا تشترط بالضرورة وقوع قتل متعمد، بينما يربط تفسير اللجنة المعنية بحقوق الإنسان لعقوبة الإعدام بين جواز فرضها وارتكاب جرائم بالغة الخطورة تنطوي على قتل متعمد.
وبناء على ذلك، يرى عبد الغني أن تقييم مشروعية العقوبة يتطلب فحص الأساس القانوني والوقائع التي ثبتت بحق كل متهم، وعدم الاكتفاء بالأوصاف الواردة في منطوق الحكم.
وأضاف أن محاسبة أفراد من القوات الحكومية لا تستنفد التزامات السلطات بالتحقيق في الانتهاكات، وحماية المدنيين، وجبر الضرر، والتحقق من مسؤولية من أصدروا الأوامر أو ساعدوا في ارتكاب الجرائم أو تستروا عليها، متى توافرت أدلة تبرر ذلك، من دون افتراض مسؤولية أي قائد أو مسؤول لمجرد موقعه الوظيفي.
اعتبر عبد الغني أن نشر الأحكام المسببة ضرورة قانونية ومؤسسية تتيح للضحايا والمتهمين والرأي العام فهم كيفية توصل المحكمة إلى قراراتها، وتمكن المختصين من تقييم اتساق تطبيق القانون.
الحكم، بحسب عبد الغني، ينبغي ألا يقتصر على إعلان العقوبة، بل أن يبين الوقائع التي ثبتت بحق كل متهم، والأدلة الأساسية التي استندت إليها المحكمة وكيفية تقييمها، وردها على دفوع الدفاع الجوهرية، والأساس القانوني للتجريم والعقوبة، والظروف المشددة أو المخففة التي اعتمدتها أو استبعدتها.
وشدد على أهمية توضيح أسباب تعديل الأوصاف الجرمية، ولا سيما في الحالات التي انتقلت فيها الاتهامات من القتل إلى التعذيب، أو من الشروع بالقتل إلى الإيذاء غير المقصود، إضافة إلى بيان الأساس القانوني للعقوبات المفروضة على المتدخلين في الجرائم.
ولفت إلى ضرورة توضيح مصير الجرائم التي لم تثبت مسؤولية متهمين محددين عنها، وأكد أن عدم كفاية الأدلة لإدانة شخص لا ينهي واجب التحقيق في جريمة قتل إذا كانت هناك أدلة على وقوعها ولم تُحدد مسؤولية مرتكبيها بعد.
كما دعا إلى بيان أساس اختصاص القضاء العسكري، خصوصًا بالنسبة إلى المتهمين المدنيين، ومدى توافر ضمانات الاستقلال والحياد وحقوق الدفاع، وطرق الطعن في الأحكام، ومدى إتاحة مراجعة قضائية تستوفي متطلبات المحاكمة العادلة.
وفيما يتعلق بحقوق الضحايا، أكد عبد الغني ضرورة أن تتضمن الأحكام توضيحًا لطلبات التعويض والقرارات المتعلقة بها، وألا تنتهي المساءلة عند فرض العقوبات، بل أن تشمل الاعتراف بالضرر وجبره، بما في ذلك التعويض وإعادة التأهيل في حالات التعذيب.
المطلوب ليس إصدار أحكام قاسية لإرضاء طرف أو مخففة لإرضاء طرف آخر، بل ضمان قضاء يثبت المسؤولية الفردية بأدلة مشروعة، ويطبق القانون بصورة متسقة، ويشرح أحكامه للرأي العام، ويحفظ حقوق الضحايا وضمانات المحاكمة العادلة، وفقًا لعبد الغني.
كانت محكمة الجنايات العسكرية في حلب أصدرت، الخميس 15 من تشرين الأول، أحكامًا بالإعدام بحق متهمين في القضية، إلى جانب أحكام بالسجن لمدد متفاوتة بحق متهمين آخرين، بينهم منتسبون إلى وزارة الدفاع، فضلًا عن تبرئة متهمين من التهم المنسوبة إليهم.
وسبق ذلك صدور أحكام في 17 من أيلول الماضي، تراوحت بين الإعدام والسجن المؤبد والسجن لمدة 20 عامًا، إلى جانب البراءة وإخلاء السبيل.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى