
وزير المالية السوري محمد يسر برنية وحاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان يبحثان مع مسؤولي وزارة الخزانة الأمريكية سبل دعم الإصلاحات المالية والمصرفية في سوريا - 14 تشرين الأول 2026 (وزارة المالية السورية/فيسبوك)

وزير المالية السوري محمد يسر برنية وحاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان يبحثان مع مسؤولي وزارة الخزانة الأمريكية سبل دعم الإصلاحات المالية والمصرفية في سوريا - 14 تشرين الأول 2026 (وزارة المالية السورية/فيسبوك)
عنب بلدي – وسيم العدوي
لا تتوقف عودة سوريا إلى النظام المالي الدولي على رفع العقوبات الاقتصادية أو استئناف العلاقات الدبلوماسية، بل ترتبط أيضًا بقدرة المصارف السورية على استعادة ثقة المؤسسات المالية العالمية، التي تحتاج إلى التأكد من هوية العملاء ومصادر الأموال، والقدرة على رصد التحويلات المشبوهة ومنع غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وفي هذا السياق، تبرز “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، بوصفها أحد الملفات التي تؤثر في نظرة المصارف الأجنبية إلى المخاطر المرتبطة بالتعامل مع سوريا نظرًا إلى وجودها على هذه القائمة، بالتزامن مع تحركات وزارة المالية ومصرف سوريا المركزي لفتح قنوات اتصال مع المؤسسات المالية الأمريكية والدولية، وإعادة وصل الجهاز المصرفي السوري بشبكات التحويلات والتسويات العابرة للحدود.
ولم تقتصر التحركات السورية على الجهات الحكومية الأمريكية، حيث اجتمع مؤخرًا وفد مصرف سوريا المركزي مع ممثلين عن “جي بي مورغان” الأمريكي ومصرف “سيتي بنك” لبحث تعزيز العلاقات المصرفية وتطوير قنوات الدفع والتحويلات الدولية، ضمن المساعي الأوسع لإعادة بناء العلاقات المراسلة مع المؤسسات المالية العالمية.
تضع مجموعة العمل المالي الدولية، المعروفة اختصارًا بـ”FATF”، الدول التي ترى أن لديها نواقص استراتيجية في أنظمتها لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، تحت ما يسمى “المراقبة المعززة” أو “القائمة الرمادية”.
وتختلف هذه القائمة عن “القائمة السوداء” التي تضم دولًا تدعو مجموعة “FATF” إلى اتخاذ إجراءات مقابلة بشأنها بسبب مخاطر مالية أشد.
وجود دولة على “القائمة الرمادية” يعني أنها تعمل مع المجموعة الدولية على معالجة أوجه القصور وفق خطة عمل، وتخضع لمتابعة التقدم المحرز، ولا يعني ذلك حظر التعامل المالي معها تلقائيًا، أو أن جميع مصارفها متهمة بارتكاب مخالفات، كما تؤكد المجموعة أن معاييرها لا تقتضي قطع العلاقات مع فئات كاملة من العملاء، بل اعتماد نهج قائم على تقييم المخاطر.
لا تبدأ مشكلة سوريا المصرفية من العقوبات وحدها، ولا تنتهي برفعها، وفقًا لما أكده الخبير الاقتصادي والمصرفي السوري محمود عبد الكريم، لعنب بلدي.
ويرى أن هناك حاجزًا آخر أقل وضوحًا للمواطن، لكنه يؤثر في قدرته على تحويل الأموال وتمويل التجارة وجذب الاستثمارات، هو وجود سوريا على “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، المعنية بوضع المعايير العالمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح.
وهناك محطات تاريخية لهذه القائمة فسوريا ليست دولة دخلت إليها حديثًا:
وقال عبد الكريم، إن “القائمة الرمادية ليست عقوبة مالية، ولا تعني أن الدولة متهمة بغسل الأموال، ولا تفرض حظرًا تلقائيًا على التعامل معها”، وهي تعني أن لدى الدولة نواقص استراتيجية في أنظمة مكافحة الجرائم المالية، وأنها ملتزمة بخطة لمعالجتها، لكن المشكلة أن البنك الأجنبي قد يتردد في التعامل مع بنك سوري، حتى عندما يكون التعامل قانونيًا، إذا رأى أن مخاطر الامتثال والسمعة أعلى من العائد المتوقع.
وصف الخبير عبد الكريم أثر “القائمة الرمادية” بأنه “يرفع تكلفة الثقة”، فالمصرف الأجنبي يريد:
وقد يؤدي ذلك إلى إطالة إجراءات التحويل، وزيادة تكلفة الاعتمادات المستندية وتمويل التجارة، أو رفض إقامة علاقة مصرفية من الأساس.
لهذا، أوضح الخبير السوري أن “القائمة الرمادية” تؤثر في تقييم البنك للمخاطر، وقد تسمح القوانين الأمريكية بإقامة علاقة مصرفية مع جهة سورية، لكن البنك يظل حرًا في رفضها إذا لم يقتنع بقدرتها على تطبيق قواعد الامتثال.
والنتيجة أن الاقتصاد قد يمتلك فرصًا تجارية واستثمارية، لكنه يصطدم بقنوات مالية ضيقة، فالمستثمر لا يسأل فقط عن إمكانية تأسيس مشروع في سوريا، بل يسأل أيضًا عن:
وهذه أسئلة مصرفية، لكنها تؤثر مباشرة في الاستثمار والتعافي الاقتصادي.
تجربة الإمارات تقدم درسًا مهمًا، بحسب عبد الكريم الذي اختبر القطاع المصرفي فيها، حيث أُدرجت على “القائمة الرمادية” في آذار 2022، ثم خرجت منها في شباط 2024، بعد استكمال خطة العمل وإجراء زيارة ميدانية للتحقق من الإصلاحات.
لكن مسار الإصلاح الأوسع بدأ قبل الإدراج، ولذلك يجب التمييز بين نحو عامين من البقاء على القائمة ونحو خمس سنوات من العمل والتقييم.
ولم تكتفِ الإمارات، بحسب الدكتور محمود عبد الكريم، بتعديل القوانين، بل عملت على:
وتابع أن الجهة الدولية لا تسأل فقط إن كان القانون موجودًا، بل تريد أن تعرف عدد المخالفات المكتشفة، والبلاغات المحللة، والتحقيقات التي بدأت، والأموال التي جُمّدت أو صودرت.
ولا يرى عبد الكريم أن سوريا تستطيع نسخ التجربة الإماراتية، لأن الإمارات مركز مالي وتجاري عالمي، ولديها بنية مصرفية ورقابية متقدمة، بينما تعيد سوريا بناء قطاعها المصرفي وتعاني اعتمادًا واسعًا على النقد، وانتشارًا لأنشطة الصرافة والحوالات خارج الأطر الرسمية.
بحسب الخبير، شهد العام الحالي خطوات مهمة في سوريا منها:
ويميز عبد الكريم هنا بين مفهومين هما “الامتثال الفني والفعالية”، فالامتثال الفني يعني وجود القوانين والتعليمات والمؤسسات المطلوبة، أما الفعالية فتعني أن هذه الأدوات تحقق نتائج ملموسة، أي أن البلاغات الجيدة تُحلل، وتتحول عند وجود أدلة كافية إلى تحقيقات وإجراءات قضائية، وأن الأموال غير المشروعة تُجمّد أو تُصادر وفق القانون.
وتحتاج سوريا، بتقدير عبد الكريم، إلى إحراز تقدم متزامن في ملفات أساسية، أبرزها:
لا تكمن مشكلة منصات الدفع الإلكتروني، مثل “شام كاش”، في كونها رقمية، بل في مدى خضوعها للترخيص والرقابة، وتطبيقها قواعد معرفة العميل ومراقبة المعاملات والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، بحسب ما يوضح عبد الكريم.
فالمدفوعات الرقمية يمكن أن تكون أسهل في التتبع من النقد، شرط وجود أنظمة رقابية فعالة وبيانات موثوقة.
ولا يعني ذلك أن يراجع المصرف المركزي كل تحويل يدويًا، أو أن يُطلب من كل مواطن إثبات مصدر كل مبلغ مهما كان صغيرًا، بحسب عبد الكريم، بل المطلوب أن تراقب الأنظمة المعاملات آليًا بحثًا عن أنماط غير معتادة، ثم يحلل المختصون الحالات التي تستدعي التدقيق.
كما ينبغي التمييز بين مصدر الأموال المستخدمة في معاملة معينة، ومصدر ثروة الشخص المتراكمة عبر السنوات، فلكل منهما متطلبات تتناسب مع طبيعة العملية ومستوى المخاطر.
وحذر الخبير الاقتصادي والمصرفي السوري من المبالغة في الإجراءات، فطلب عشرات الوثائق لتحويل صغير ومعتاد قد يدفع المواطن إلى النقد أو الحوالات غير الرسمية، أي إلى قنوات يصعب تتبعها.
واختتم الدكتور عبد الكريم بأن المطلوب هو نظام يطبق إجراءات مبسطة على العمليات منخفضة المخاطر، وتدقيقًا أعمق على العمليات الكبيرة أو غير المألوفة، فالعملية الكبيرة ليست مشبوهة تلقائيًا، كما أن تقسيم الأموال إلى تحويلات صغيرة لا يجعلها بالضرورة سليمة.
وبتقدير عبد الكريم، يتوقف توقيت الخروج على نتائج التقييم، ومدى قدرة المؤسسات السورية على تقديم بيانات تثبت فعالية النظام، فإذا ظهرت نواقص استراتيجية إضافية، فقد تحتاج سوريا إلى خطة عمل جديدة ووقت أطول للخروج من القائمة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى