قلق السعي إلى المكانة.. قلق “الترند”
علي عيد
لفتني عنوان “قلق السعي إلى الترند”، الذي استخدمته “مجلة الصحافة” الصادرة عن معهد “الجزيرة للإعلام” في عددها 42، لكنه أعادني بشكل آخر إلى أصل العبارة، وهو عنوان كتاب “قلق السعي إلى المكانة”، للكاتب والفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون، الذي صدر عام 2004.
الكتاب يعالج مشكلة اجتماعية فلسفية بطريقة ماتعة، وهي نظرة المجتمع إلينا كأشخاص، وقلقنا من ألا نكون مرئيين بالقدر المطلوب والمرضي، وهو لا يتجاهل في الوقت ذاته أثر وسائل الإعلام في إشعال الرغبة بأن نكون حاضرين.
يجعل دو بوتون الصحافة مادة أساسية في تحليل “الشعور بالرضا أو المهانة”، ولا يبتعد دون قصد عن تناول الأثر المادي، سواء في تحقيق المكانة أو الكسب، وهذا ما يعيدني لعنوان “مجلة الصحافة”، إذ، برأيي، تنقسم الدوافع في “الترند” إلى مسألتين واضحتين هما كسب المال أو الشهرة، ومسألة ثالثة تختبئ عن العامة، وهي صناعة “الترند” لأهداف سياسية واقتصادية وربما عسكرية.
في مسألة المكانة، يقول دو بوتون، يمكن أن نتصور “الأنا” أو فكرتنا عن أنفسنا مثل بالون يسرب “الهواء”، وهو دائمًا يحتاج لضخ “الهيليوم” ليبقى منتفخًا.. ومنطقي وعبثي في آن واحد ذلك الذي قد يصل إليه ارتفاع معنوياتنا أو انخفاضها بناء على اهتمام الآخرين بنا أو إهمالهم لنا.
عندما تحدث دو بوتون عن المسألة في كتابه، لم تكن موضة “ترند” وسائل التواصل الاجتماعي موجودة، وقام بتفسير جانب من فلسفته حول البحث عن المكانة بناء على حياة الأثرياء والفقراء الأوروبيين في القرنين الماضيين، فتحدث عن الملبس واقتناء القطع “الغبية” فقط لأنها ثمينة ومن إنتاج شركات معينة في إطار السعي إلى الحضور وفق المفهوم الدارج في كل مرحلة.
لذلك، يمكن تفسير “الترند” كواحدة من أدوات البحث عن “الأنا”، وهي عندما تتضخم تتسبب بإيذاء واضح لفكرة “نحن”، ويطال أذاها المجال العام.
في سوريا، وهي نموذج حي لمجتمعات ما بعد الحروب، يمكن تفسير جزء من فوضى “الترند” بموضوع البحث عن المكانة، وتحدث الفيلسوف الفلسطيني- السوري أحمد نسيم برقاوي، مفسرًا ذلك بعقود من قمع “الأنا”، معتبرًا أنها ستبدأ بهدم الـ”نحن” الذي ألغاها.
للدخول أكثر في تبدلات الظهور الإعلامي وأدواته، يتبادر السؤال: هل كان الإعلام أكثر نزاهة قبل دخول العالم الرقمي بشكله الجديد؟ لا بالطبع، فهناك وسائل إعلام في العالم الغربي كان همها الربح حتى عبر الترويج لـ”كوكا كولا”، وأنماط الاستهلاك الرديء، كما خضع الإعلام لهيمنة المال والنفوذ، دون تعميم.
ما الذي حصل إذًا؟ لقد أصبح الفرد “الأنا” أكثر قدرة على الوصول، وبات مصدرًا للمعلومة، وكثيرون بنوا حضورهم الفردي على المنصات، مستفيدين من تلك القدرة “الرقمية”، وما تغير هو أن الأمور اختلطت وبات كل خبر يحتاج إلى مدقق معلومات، بل إن كثيرًا من وسائل الإعلام تستقي أخبارها الأولية من وسائل التواصل ثم تطوّر عليها وتدققها.
ولكيلا نحمل “الترند” مسؤولية ما يشهده العالم من أحداث، يتبادر السؤال الآخر: هل كانت البشرية أقل إجرامًا وفوضى ومآسي؟ بالطبع لا، والقصة هي أنك تشاهد بشكل مباشر عملية إنقاذ قطة تعلق على عمود كهرباء في شرق الصين، أو جريمة قتل في أي مكان في العالم على الهواء، أو عبر مقاطع مصورة بعد لحظات.
قبل ألف عام كان هناك طاعون وتسونامي وبراكين وحروب واغتيالات، وكان الناس يسمعون بعد أشهر بما حصل دون أن يشاهدوا الدماء والجثث.
اليوم هناك مليارات من الهواتف الذكية بين أيدي البشر، وهناك ما لا يقل عن 246 مليون “صانع محتوى فيديو” وفق إحصائيات عام 2025، لـ”Futuresource Consulting” المتخصصة بأبحاث السوق، ويتدفق العالم إلى دماغ الجمهور دون رحمة، بل ونشأت مظاهر تصفح الـ”Rolling”، وقلق فوات الفرصة بالمشاهدة والاطلاع (FOMO) أو “Fear of Missing Out”.
مقابل “ترند” يسعى أصحابه للمكانة، هناك سوق ضخمة بمليارات الدولارات تدير عمل “صانعي المحتوى”، وكثيرون من هؤلاء لا يلتفتون إلى أثر ما ينتجونه في المجتمعات.
ولأن المقام لا يتحمل الذهاب أكثر في تفسير الجوانب التجارية والسياسية وربما العسكرية والأمنية لـ”الترند”، أكتفي بالإشارة إلى “قلق السعي إلى المكانة”، والشكل المستجد لهذا السعي.. وللحديث بقية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





