من الانقسام إلى استعادة الثقة.. تحديات إدارة التنوع في سوريا

camera iconأحد شوارع مدينة القامشلي ذات التنوع الإثني والديني في محافظة الحسكة – 5 آب 2019 (فرانس برس)

tag icon ع ع ع

تواجه سوريا في المرحلة الانتقالية تحديًا يتعلق بكيفية بناء دولة تضمن المساواة بين مواطنيها وتحترم تنوعهم القومي والديني والثقافي، في ظل مخاوف من الإقصاء وضعف الثقة بالمؤسسات، بعد سنوات من الصراع والانقسام المجتمعي.

ويرى المدير التنفيذي للمعهد الأوروبي للمبادرات السياسية والتحليل الاستراتيجي، باسم حتاحت، أن سوريا أمام “معضلة وطنية كبرى” قد تؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي والمجتمعي، وتتيح للقوى الخارجية استغلال الانقسامات، مشددًا على ضرورة إيجاد حلول حقيقية لإدارة التنوع.

من جهته، يربط الباحث السياسي وعضو الأمانة العامة لتجمع “تآخ”، محمد حمادة، استعادة الثقة المجتمعية بتأسيس دولة المواطنة وسيادة القانون، معتبرًا أن سنوات الحرب أسهمت في تراجع الهوية الوطنية الجامعة لمصلحة الهويات الفرعية، وعززت الصور النمطية والمظالم بين السوريين.

وتطرح هذه الرؤى سؤالًا يتجاوز الاعتراف بالتنوع في الخطاب السياسي إلى كيفية ضمان الحقوق والمشاركة الفعلية، وتحديد شكل العلاقة بين الدولة والمناطق، وبناء مؤسسات لا يشعر أي مكون بأنها تعمل على حسابه.

“تآكل الثقة” وبروز الهويات الفرعية

يقول حمادة إن سنوات الحرب والانقسامات السياسية والمجتمعية أدت إلى تآكل الثقة بين السوريين، مع ترسخ هويات طائفية وقومية ومناطقية ضيقة، نتيجة ما وصفه بسياسات التعبئة الإعلامية والسياسية.

ويحدد أربعة مخاوف رئيسية تؤثر في نظرة المكونات إلى الدولة ومؤسساتها:

  • احتمال هيمنة مكون على القرار السياسي والفرص الاقتصادية.
  • القلق من تثبيت نتائج التهجير القسري وفقدان الملكيات العقارية.
  • ضعف الضمانات القانونية في ظل غياب القضاء المستقل.
  • الخشية من استخدام مؤسسات الدولة لتصفية الحسابات بدلًا من تحقيق العدالة الانتقالية.

ويرى حمادة أن معالجة هذه المخاوف لا تتحقق عبر المحاصصة الطائفية أو القومية، بل من خلال دولة تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين، وتضمن حقوقهم بصرف النظر عن انتماءاتهم.

من جهته، يشير حتاحت إلى أن استحضار سياسات النظام السابق في التعامل مع الانقسامات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتأجيل الحلول، داعيًا إلى إنشاء “مختبر اجتماعي” يعتمد البحث العلمي والقانوني، ويعمل على تطوير تصورات لإدارة التنوع والاستفادة من التجارب الدولية، ضمن إطار وطني جامع.

ويعكس طرح الخبيرين أهمية الانتقال من التعامل مع الانقسامات، بوصفها واقعًا ثابتًا، إلى معالجة أسبابها السياسية والقانونية والاجتماعية، مع تجنب افتراض أن المكونات السورية تتبنى مواقف موحدة تجاه الدولة أو شكلها المستقبلي.

المواطنة والحقوق الدستورية

لا يقتصر النقاش حول إدارة التنوع على الاعتراف بالهويات المختلفة، بل يشمل تحديد الحقوق التي تكفلها الدولة، والآليات التي تتيح للمواطنين ممارستها.

ويؤكد حمادة ضرورة التمييز بين الحقوق الثقافية واللغوية والدينية، التي يصفها بأنها حقوق أصيلة، وبين ترتيبات المشاركة السياسية والإدارة المحلية. فالأولى، وفق رأيه، ينبغي أن تحميها الدولة باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية الشاملة، بينما يجب أن تستند المشاركة السياسية إلى المواطنة والتنافس على البرامج، بعيدًا عن المحاصصة.

ويشير إلى أن فهم خصوصية كل مكون يتطلب عدم التعامل معه باعتباره كتلة متجانسة، إذ توجد داخل المكونات السورية اختلافات سياسية وفكرية واجتماعية. ويحذر من أن احتكار تمثيل أي مكون من قبل زعامات سياسية أو جماعات مسلحة قد يحرم أفراده من التعبير عن مواقفهم المتنوعة.

وفي السياق القانوني، ينص المرسوم رقم 13 لعام 2026 على اعتبار المواطنين الكرد جزءًا أصيلًا من الشعب السوري، وحماية هويتهم الثقافية واللغوية، والسماح بتعليم اللغة الكردية في المدارس العامة والخاصة ضمن ضوابط محددة.

كما ينص على إلغاء الإجراءات الاستثنائية الناجمة عن إحصاء عام 1962 في الحسكة ومنح الجنسية للمقيمين من أصول كردية الذين لم يكونوا مسجلين.

وفي 26 آب، أعلنت وكالة “سانا” بدء إدخال اللغة الكردية إلى المنظومة التعليمية الرسمية خلال العام الدراسي 2026-2027، بواقع حصتين أسبوعيًا بوصفها مادة اختيارية.

وتوضح هذه الخطوات أهمية الانتقال من الاعتراف القانوني بالحقوق إلى تنفيذها، وهو ما يتطلب متابعة مدى تطبيق النصوص، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين. كما يظل ضمان الحقوق لجميع المكونات، وليس مكونًا واحدًا فقط، جزءًا أساسيًا من أي إطار وطني لإدارة التنوع.

شكل الدولة وتوزيع الصلاحيات

يمثل تنظيم العلاقة بين المركز والمناطق أحد الملفات المرتبطة بإدارة التنوع، خصوصًا في النقاشات المتعلقة باللامركزية وصلاحيات الإدارات المحلية.

ويشدد حتاحت على ضرورة إعادة صياغة الدستور السوري بما يعزز المساواة وحقوق المواطنة، وينظم صلاحيات المؤسسات والإدارات المحلية ضمن إطار الدولة الواحدة.

كما يدعو إلى الاستفادة من التجارب الدولية في تطوير نموذج يراعي الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

أما حمادة، فيرى أن اللامركزية الإدارية يمكن أن تتيح للمناطق إدارة شؤونها الخدمية والاقتصادية، مع الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها.

ويفصل في ذلك بين تمكين المجتمعات المحلية من إدارة احتياجاتها وبين تحويل التمثيل السياسي إلى حصص ثابتة موزعة على أساس الانتماء القومي أو الديني.

وفي هذا السياق، يطرح تقرير نشرته منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في 14 تشرين الأول 2026، بالتعاون مع منظمة “بيل – الموجات المدنية”، مقاربة للامركزية القائمة على الحقوق، تدعو إلى نقل صلاحيات وموارد فعلية إلى سلطات محلية منتخبة، ضمن إطار دستوري موحد يضمن المساواة والمساءلة.

ويستند التقرير إلى مراجعة قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011، وإلى مقابلات مع مختصين.

يفتح طرح اللامركزية النقاش حول توزيع الصلاحيات والموارد، وآليات الرقابة والمساءلة، وقدرة المجتمعات المحلية على المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتها. وتبقى فاعلية أي نموذج مرتبطة بضمان الحقوق لجميع المواطنين، ومنع تحول السلطات المحلية إلى مراكز جديدة للإقصاء، وفق الباحثين.

المؤسسات والخدمات بوصفها ضمانات للمواطنة

يرى حتاحت أن نجاح إدارة التنوع يتطلب الانتقال من إصدار المراسيم والقرارات المتغيرة إلى بناء دولة مؤسسات تحكمها تشريعات واضحة وآليات رقابة متخصصة في الحوكمة الإدارية.

ويقترح تشكيل فريق متخصص من خبراء القانون والإدارة والحوكمة، يرتبط بمجلس الوزراء والمجلس التشريعي، لإعداد أنظمة للتوظيف والرقابة بالتزامن مع صياغة الدستور.

كما يدعو إلى تجنب القرارات السريعة وغير المدروسة التي قد تضعف استقرار السياسات العامة.

ويتقاطع ذلك مع طرح حمادة بشأن دور المؤسسات في استعادة الثقة، إذ يشدد على الشفافية وتكافؤ الفرص والمشاركة في صنع القرار، وعلى ضرورة التزام الأجهزة الأمنية بالقانون واحترام حقوق الإنسان، وتوفير قضاء نزيه يتيح للمواطنين التظلم والمساءلة.

ويضيف أن العدالة في توزيع الموارد والخدمات الأساسية، مثل التعليم والصحة، تمثل عنصرًا مؤثرًا في الحد من الشعور بالتهميش، إلى جانب إطلاق برامج تنموية للمناطق والفئات الأكثر احتياجًا، ومكافحة الفساد الإداري والمالي.

دور التعليم والإعلام والمجتمع المدني

يشدد حمادة على أهمية التعليم والإعلام ومنظمات المجتمع المدني في مواجهة الاستقطاب وبناء هوية وطنية مشتركة، من دون فرض رواية واحدة عن المجتمع السوري.

ويدعو إلى تطوير مناهج تعليمية تشجع التفكير النقدي وتعترف بتعدد التجارب التاريخية، بدلًا من تلقين سردية أحادية، وإلى دعم إعلام مستقل يبتعد عن التحريض الفئوي ويلتزم معايير مهنية تحارب خطاب الكراهية.

كما يرى أن منظمات المجتمع المدني تستطيع الإسهام في التماسك الاجتماعي عبر مبادرات الحوار والصلح المحلي والمشاريع التنموية والحقوقية المشتركة، بما يعزز التعاون بين المواطنين حول احتياجاتهم اليومية.

ويؤكد أهمية مأسسة الحوار السوري-السوري، وإيجاد مساحات آمنة وشاملة تسمح بتبادل الرؤى حول إدارة الاختلاف السياسي والثقافي، وصولًا إلى تفاهمات تستند إلى الاعتراف بالحقوق المتساوية.

وتتطلب هذه المقاربة، وفق طرحه، عدم الاكتفاء بالدعوات العامة إلى التعايش، بل ربطها بممارسات ملموسة في التعليم والإعلام والمؤسسات، وبآليات تتيح للمواطنين المشاركة في صياغة السياسات التي تمس حياتهم.

بين المبادئ والتطبيق

تتقاطع مواقف الخبيرين عند ضرورة بناء مؤسسات فعالة، وترسيخ المواطنة المتساوية، وحماية الحقوق، وتوسيع المشاركة، مع اختلاف تركيزهما بين الإصلاح الدستوري والإداري من جهة، واستعادة الثقة ومعالجة المخاوف المجتمعية من جهة أخرى.

ويظل التحدي الأساسي هو تحويل هذه المبادئ إلى ضمانات قابلة للتطبيق والقياس، تشمل استقلال القضاء، وعدالة توزيع الموارد، والمشاركة في صنع القرار، وحماية الحقوق الثقافية واللغوية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

ولا يمكن قياس التقدم في إدارة التنوع من خلال التصريحات أو النصوص القانونية وحدها، بل من خلال مدى تطبيقها، وقدرة المواطنين على الوصول إلى العدالة والخدمات، وشعورهم بالأمان والمساواة، ووجود مؤسسات تستوعب الاختلاف من دون أن تحول الانتماءات الفرعية إلى أساس للتمييز أو الإقصاء.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة