“فيلم هندي” على خشبة “الأوبرا” بدمشق.. حين تنكشف أسرار الإخوة

مشهد من مسرحية "فيلم هندي" على خشبة مسرح الأوبرا بدمشق - 20 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/ أمير حقوق)

camera iconمشهد من مسرحية "فيلم هندي" على خشبة مسرح الأوبرا بدمشق - 20 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/ أمير حقوق)

tag icon ع ع ع

على خشبة مسرح الدراما في دار “الأوبرا” بدمشق، لا يبدو المنزل المهجور مجرد خلفية للأحداث، بل مساحة تنكشف فيها أسرار الشخصيات وتتصادم فيها تناقضاتها، فجدران متهدمة ونوافذ محطمة وأبواب مفتوحة على الفراغ، تتوزع أمامها قضبان حديدية وإطارات سيارات وألواح خشبية، فيما تضفي الإضاءة الحمراء والزرقاء والموسيقا التصويرية أجواء تجمع التوتر بالعبث.

في هذا المكان تدور أحداث مسرحية “فيلم هندي”، التي تقدمها الكاتبة والمخرجة السورية لوتس مسعود على مسرح الدراما في دار “الأوبرا” بدمشق، أيام 20 و21 و22 من تشرين الأول، بمشاركة الممثلين نوار سعد الدين وغدير عبد اللطيف وشريف قصار، في عرض يمزج بين الكوميديا والدراما، وينطلق من علاقة أخوية لتناول خلافات تتجاوز الشخصيات إلى محيطها الاجتماعي.

وتتناول المسرحية، التي حضرتها عنب بلدي، التناقضات التي يعيشها السوريون في حياتهم اليومية، ولا سيما داخل العلاقات القريبة، وما يمكن أن تتركه الخلافات المتراكمة من شرخ يصعب تجاوزه.

ويأتي العمل ضمن التجارب المسرحية التي قدمتها مسعود، بعد “كأنو مسرح” و”هوى غربي” و”في رواية أخرى”، في تجربة تتولى فيها الكتابة والإخراج، بعدما عملت على إعداد النص الجديد على مدى أشهر.

حادث سير يقود شقيقين إلى مواجهة أسرارهما

تبدأ الحكاية بحادث سير يتعرض له شقيقان على الأوتوستراد، وينتهي بهما المطاف في وادٍ، حيث يجدان نفسيهما في ورطة بعد اكتشاف جثة داخل أحد المنازل المتهدمة.

تتحول الحادثة إلى نقطة مفصلية في مسار الأحداث، إذ يجد الشقيقان نفسيهما أمام ظروف استثنائية تكشف جوانب خفية من حياتهما، وتضع علاقتهما على المحك، وكأنهما يتعرفان إلى بعضهما للمرة الأولى.

ومع تطور الأحداث، يكتشف أحد الشقيقين أن أخاه هو من ارتكب السرقة التي تعرضا لها، لكنه فعل ذلك بهدف تأمين مصاريفهما، وفي المقابل، يتبين للأخ الأكبر أن شقيقه الأصغر، الذي تعددت علاقاته العاطفية، رهن المنزل بهدف السفر إلى كندا.

لا تقتصر المفاجآت على هذه الأسرار، بل تتداخل مع ظهور شخصية “أبو النور”، الذي يبدو في البداية مصدر تهديد للشقيقين، إذ تدفعهما تصرفاته وحضوره للاعتقاد بأنه الشخص الذي يفرض سلطته على المنطقة مستعينًا بالسلاح، قبل أن يتضح لاحقًا أنه يعاني فقدانًا للوعي.

تتداخل هذه المواقف بين المفارقة والقلق، وتمنح العمل مساحته الكوميدية، من دون أن تنفصل عن المسار الدرامي الذي يكشف حجم التناقضات داخل العلاقات الإنسانية.

وتستند المسرحية إلى فكرة أن القرب العائلي لا يعني بالضرورة معرفة الآخر، وأن الأسرار التي يخفيها أفراد الأسرة قد تظهر في ظروف غير متوقعة، فتضع العلاقة أمام أسئلة لم تكن مطروحة من قبل.

لوتس مسعود: التناقضات قد توسّع الشرخ بين الأقرباء

ترى الكاتبة والمخرجة لوتس مسعود، في حديث إلى عنب بلدي، أن التناقضات التي يناقشها العرض ترتبط بالحياة اليومية للسوريين، وبالظروف التي مروا بها خلال السنوات الماضية، والتي يمكن أن تجعل الخلافات أكثر حضورًا حتى داخل العلاقات الأسرية القريبة.

وقالت مسعود، إن هذه التناقضات تظهر بوضوح في العلاقة بين الشقيقين، موضحة أن العمل يطرح سؤالًا حول المآلات التي يمكن أن تصل إليها العلاقات إذا لم يجد أصحابها طريقة لمعالجة خلافاتهم.

وأضافت أن المسرحية تحاول لفت الانتباه إلى الفرق بين التركيز على المشكلة والبحث عن حل لها، مشيرة إلى أن الخلافات بين الإخوة تمثل حالة حساسة، لأن الأخوّة من أقرب العلاقات الاجتماعية التي يمكن أن تجمع الناس.

وقالت إن وصول هذه العلاقة إلى شرخ كبير يعكس حجم التصدع الذي يمكن أن يصيب الروابط الاجتماعية، ولا سيما عندما يعجز أصحابها عن حل مشكلاتهم.

وفي حديثها عن اختيار الحالة التي تنطلق منها المسرحية، أوضحت مسعود أن العمل يقدم حالة متطرفة من الخلاف بين الإخوة، لكنها تتيح طرح القضية بصورة واضحة.

وأضافت أن معالجة الحالات النافرة في الفن تتيح عرض المشكلة أمام الجمهور، وفتح المجال للتفكير فيها، بدلًا من الاكتفاء بتقديم خلافات يومية لا تصل إلى ذروتها.

وعن الرسالة التي أرادت إيصالها من خلال العرض، اختصرت مسعود فكرتها بالقول: “نحاول ألا نتحول إلى فيلم هندي”.

وتحمل العبارة إحالة إلى العنوان نفسه، الذي يستحضر تعقيد الأحداث والمفاجآت المتلاحقة، لكنه يتجاوز ذلك إلى التحذير من ترك التناقضات والخلافات تتراكم حتى تتحول العلاقات القريبة إلى سلسلة من الصدامات التي يصعب احتواؤها.

ديكور متهدم وموسيقا تواكب التوتر

ينسجم الديكور مع طبيعة الحكاية، إذ تبدو الخشبة كأنها مساحة مهجورة تضم بقايا منازل متضررة، ونوافذ بلا زجاج، وجدرانًا متصدعة، وقضبانًا حديدية تفصل أجزاء المكان بعضها عن بعض.

وتتوزع إطارات السيارات والألواح الخشبية وقطع البناء في أرجاء الخشبة، بينما تكشف الفتحات في الجدران عن فراغات تزيد الإحساس بالعزلة وعدم الاستقرار.

وتتداخل الإضاءة الحمراء والزرقاء مع المشاهد، فيما ترافق الموسيقا التصويرية حركة الشخصيات وتطور الأحداث، لتسهم في بناء الأجواء التي تجمع التوتر والمفارقة.

وفي حديثها عن الموسيقا، أشادت مسعود بعمل الموسيقي رعد خلف، الذي تولى إعداد الموسيقا الخاصة بالعرض، معتبرة أنها كانت جزءًا من روحه، وأنها جاءت قريبة من طبيعة العمل بدلًا من أن تكون عنصرًا منفصلًا عنه.

وعن اختيار الممثلين، أشارت مسعود إلى أهمية خلفيتهم الأكاديمية، موضحة أن انتماءهم إلى خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية منحهم معرفة بالمكان المسرحي، إلى جانب ما لمسته لديهم من مهنية وشغف بالعمل.

نوار سعد الدين: شخصية “أبو النور” تشبه الشارع السوري

تتخذ شخصية “أبو النور”، التي يؤديها الممثل نوار سعد الدين، مساحة تجمع بين مجموعة من المشاعر المتناقضة، إذ يبدأ حضورها باعتبارها مصدر خوف وتهديد، قبل أن تتكشف حقيقتها مع تقدم الأحداث.

وفي حديثه لعنب بلدي، وصف سعد الدين الشخصية بأنها قريبة من الحياة اليومية، ولا تنفصل عن المشاهد التي يمكن أن يصادفها الإنسان في محيطه.

وقال إن “شخصية (أبو النور) منشوفها كل يوم بالطريق، منشوفها بكل بيت، منشوفها بالشارع السوري، بالشارع العربي ككل”، مضيفًا أنها تلامس المشاعر اليومية وتتحدث عن أوجاع الناس، معربًا عن أمله في أن تقدم الشخصية هذه المعاني بطريقة تجمع الظرافة والحساسية.

وعن قدرة الأعمال الدرامية والمسرحية على الوصول إلى الجمهور من خلال طرح التناقضات، أشار سعد الدين إلى أن العرض يحاول ملامسة حالة العبث التي يعيشها الناس، وما يمرون به من ظروف ومواقف متناقضة خلال يومهم.

وأوضح أن الهدف لا يقتصر على تكرار المشاعر أو إعادة عرضها، بل يتصل بالتوعية وطرح الأسئلة أمام الجمهور.

وأضاف أن الرسالة التي يريد العمل إيصالها تتمثل في الدعوة إلى المحبة، قائلًا: “خلينا نحب بعض، خلينا نحب بعض وما نوقع بهاي الدائرة المفرغة اللي عم ندور فيها يوميًا”.

وتتقاطع هذه الرسالة مع الفكرة التي تنطلق منها المسرحية، إذ تضع علاقة الشقيقين أمام سلسلة من الاكتشافات التي تكشف أن الخلافات لا تنشأ دائمًا من الأحداث الظاهرة، بل قد تكون نتيجة أسرار وتراكمات ظلت مخفية لفترة طويلة.

وسام كنعان: صناعة عرض سوري تستحق التوقف عندها

من جهته، يرى الكاتب والصحفي وسام كنعان أن عنوان “فيلم هندي” يمكن قراءته بوصفه وسيلة لاستثارة فضول الجمهور، مستحضرًا الصورة التي ارتبطت بالأفلام الهندية لدى شرائح من الشباب والمراهقين، وما تتسم به من أحداث متشابكة ومفاجآت.

وقال كنعان، في حديث إلى عنب بلدي، إن العناوين ليست مضطرة دائمًا إلى الارتباط المباشر بمضامين الأعمال، فقد يكون دورها إثارة فضول المتلقي ودفعه إلى المشاهدة.

ووصف العرض بأنه تراجيدي كوميدي، مع حضور واضح للكوميديا السوداء، معتبرًا أن العنوان يمثل محاولة لاستقطاب المشاهد، بينما يتصل العمل في عمقه بحالة ثقافية واجتماعية.

وفي حديثه عن تناول العلاقات الأخوية، دعا كنعان إلى التعامل مع العروض المسرحية بقدر من الود والتشجيع، مشيرًا إلى أن العمل المسرحي في ظروف مثل الظروف السورية يتطلب شغفًا وجهدًا، وقد يضطر العاملون فيه إلى تحمّل تكاليف من جيوبهم الخاصة لإنجاز أعمالهم.

ولفت إلى أهمية أن يصنع الفنانون عرضًا محليًا ينطلق من الواقع السوري، بدلًا من الاكتفاء بإعادة تقديم أعمال عالمية جاهزة وإسقاطها على البيئة المحلية.

ما يلفت الانتباه في تجربة لوتس مسعود هو ذهابها إلى “القاع السوري، إلى الشارع السوري، إلى المحيط السوري”، والتقاط حالات من الواقع والعمل عليها فنيًا، وفقًا لكنعان.

وأضاف أن العرض يستحق، برأيه، أن يتطور بصورة متعاقبة من عرض إلى آخر ومن سنة إلى أخرى.

ولا يقدم كنعان في حديثه حكمًا نقديًا نهائيًا على العمل، بل يركز على أهمية التجربة التي تنطلق من البيئة السورية، وعلى ضرورة منحها مساحة للتطور والتقييم.

بين الكوميديا والدراما.. هل يمكن ترميم العلاقات؟

تجمع “فيلم هندي” بين مواقف تنشأ من المفارقة وسلسلة من الاكتشافات التي تضع الشخصيات أمام حقائق لم تكن تعرفها عن بعضها بعضًا.

وبين حادث السير والجثة والمنزل المهجور وشخصية “أبو النور”، تتقدم الحكاية نحو كشف التناقضات التي تحكم العلاقة بين الشقيقين.

لكن ما تكشفه الأحداث لا يتعلق فقط بالأسرار الفردية، بل أيضًا بالطريقة التي يمكن أن تتحول بها الخلافات المتراكمة إلى شرخ في علاقة يفترض أنها من أكثر العلاقات قرباً.

ومن هنا، تلتقي رسالة مسعود مع حديث سعد الدين عن المحبة والخروج من دائرة الخلافات المتكررة، فيما يلفت كنعان إلى أهمية تقديم أعمال مسرحية تنطلق من الواقع السوري وتستمد موضوعاتها من تفاصيله.

وفي ظل هذه المقاربات، تضع المسرحية جمهورها أمام سؤال يتجاوز مصير الشخصيات: إلى أي حد يمكن أن تصمد العلاقات الإنسانية أمام التناقضات، وما الذي يحتاج إليه أصحابها كي لا تتحول خلافاتهم إلى قطيعة يصعب تجاوزها؟

في “فيلم هندي”، لا تأتي المفاجآت من خارج العلاقات وحدها، بل من داخلها أيضًا، حين يكتشف القريب أن ما كان يجهله عن أقرب الناس إليه أكبر مما كان يتصور.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة