خبيران يشرحان..

أي فرصة توفرها 50 مليون متر مكعب من الأنقاض في سوريا؟

أعمال رفع الأنقاض وإزالة الركام في قريتي كبينة وعكو بريف اللاذقية- 3 أيلول 2026 (وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث)

camera iconأعمال رفع الأنقاض وإزالة الركام في قريتي كبينة وعكو بريف اللاذقية - 3 أيلول 2026 (وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث)

tag icon ع ع ع

تتجاوز الآثار الاقتصادية للحروب الدمار الذي تخلّفه في المباني والبنية التحتية، إذ تمتد إلى تكاليف إزالة الأنقاض واسترداد الموارد المتضررة.

وفي سوريا، يشكّل الركام المنتشر في المدن والبلدات تحديًا عمرانيًا وبيئيًا واقتصاديًا، في ظل الاحتياجات الكبيرة لإعادة الإعمار ومحدودية التمويل وضعف القدرة الإنتاجية والشرائية.

ويطرح الواقع تساؤلات حول كيفية إدارة الأنقاض والاستفادة من المواد القابلة للاسترداد منها، بما يسهم في تخفيف جزء من أعباء الإعمار وتحويل المخلّفات إلى مورد يمكن توظيفه في جهود التعافي الاقتصادي.

تقديرات البنك الدولي، الصادرة في تشرين الأول 2025، وضعت تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا عند نحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.

“الاقتصاد الدائري” 

حجم الاحتياجات يجعل البحث عن وسائل لخفض التكاليف والاستفادة من الموارد المحلية جزءًا أساسيًا من جهود التعافي الاقتصادي، وفق الباحث الاقتصادي محمد السلوم.

وأشار السلوم في حديث لعنب بلدي، إلى أهمية “الاقتصاد الدائري”، الذي يقوم على استرداد المواد القابلة للاستخدام وإعادتها إلى الدورة الإنتاجية بدلًا من التعامل معها بوصفها مخلفات لا قيمة لها.

وبحسب تقديرات الجهات السورية المعنية التي أشار إليها السلوم، يبلغ حجم الركام في سوريا نحو 50 مليون متر مكعب، مع استهداف الوصول إلى سوريا خالية من الأنقاض بحلول منتصف عام 2028.

البيانات المنشورة في نهاية أيلول 2026، تشير إلى إزالة نحو ثلاثة ملايين متر مكعب خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام.

عضو جمعية العلوم الاقتصادية محمد بكر، قال إن إزالة الأنقاض بالطرق التقليدية تفرض أعباء اقتصادية وبيئية، نتيجة تكاليف هدم الأبنية وترحيل مخلفاتها وتخصيص مواقع لاستيعابها، فضلًا عن التلوث الناجم عن عوادم السيارات والجرافات.

وأوضح بكر، في حديثه لعنب بلدي، أن تكلفة إزالة الأنقاض ونقلها تختلف من محافظة إلى أخرى تبعًا للمسافة بين مواقع الركام والأماكن المخصصة للتخلص منه، معتبرًا أن الفرز وإعادة التدوير قد يحولان هذه المخلفات من عبء مالي إلى مورد اقتصادي.

وأضاف أن أكثر من 90% من كتل الأبنية المدمرة يمكن الاستفادة منها وإعادة تدويرها، وفق تقديره. 

مورد محتمل لإعادة الإعمار 

لا يقتصر التحدي الاقتصادي على إزالة الأنقاض، بل يتمثل في تنفيذ العملية بأقل تكلفة ممكنة، مع استرداد المواد القابلة للاستفادة منها وتوظيفها في مشروعات إعادة الإعمار.

وتحتوي الأنقاض، بحسب طبيعة الأبنية المدمرة وحالة المواد الناتجة عن الهدم، على الحديد والمعادن والخرسانة والطوب والحجر، ويمكن استرداد بعض هذه المواد وإعادة استخدامها.

وبحسب السلوم، فالخرسانة النظيفة، بعد التكسير والفرز وإجراء الاختبارات اللازمة، يمكن أن تتحول إلى حصويات تستخدم في طبقات الطرق وأعمال الردم وبعض تطبيقات البناء، في حين يمكن فصل المعادن وبيعها إلى مصانع الصهر، وفقًا لمتطلبات الجودة والسوق.

وأكد السلوم أن من أبرز الفرص المتاحة أمام سوريا ربط عمليات إزالة الأنقاض بمشروعات إعادة الإعمار، بدلًا من التعامل معهما باعتبارهما مسارين منفصلين، فإعادة استخدام المواد المستخرجة في تأهيل الطرق وتسوية الأراضي وبعض أعمال البنية التحتية، يمكن أن تقلل الحاجة إلى استخراج مواد أولية جديدة، وتخفض جزءًا من تكاليف النقل والتوريد، وتحد من الضغط على الموارد الطبيعية.

وأوضح السلوم أن المواد المعاد تدويرها لا يمكن أن تحل محل مواد البناء الجديدة في جميع الاستخدامات، إذ يتطلب استخدامها في العناصر الإنشائية اختبارات ومواصفات فنية صارمة لضمان السلامة الهندسية.

لذلك، فإن توجيه المواد المستردة إلى الاستخدامات التي تتناسب مع خصائصها يتيح إنشاء سلسلة إنتاج محلية تربط إدارة الأنقاض بتوفير مدخلات إعادة الإعمار.

وأضاف أن الفوائد المحتملة لا تقتصر على قطاع البناء، بل تشمل أنشطة اقتصادية أخرى منها النقل، وتشغيل الكسارات، وصيانة الآليات، والفرز الصناعي، وتجارة المعادن، والفحوص المخبرية، وتصنيع منتجات البناء.

وهذا يفتح المجال أمام فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ويمنح المنشآت المحلية مجالًا للمشاركة في عملية التعافي، بدلًا من اقتصارها على الشركات الكبيرة أو الموردين الخارجيين.

وفي المقابل، لفت السلوم إلى أن تقدير الأثر الاقتصادي لهذه المشاريع ينبغي أن يأخذ في الحسبان حجم النشاط الفعلي ومستوى الأتمتة وطبيعة الاستثمارات ونسبة القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد السوري.

وأشار إلى أن نجاح هذا القطاع لا يتوقف على إنشاء محطات للتكسير والفرز، بل يتطلب أيضًا وجود طلب تجاري مستدام على المواد المعاد تدويرها، وقدرة هذه المواد على منافسة مواد البناء التقليدية.

بدوره، أشار بكر إلى أن وضع خطة متكاملة لإزالة الأنقاض وفرزها وإعادة تدويرها في مواقعها، من شأنه أن يحول العملية إلى نشاط اقتصادي يستقطب استثمارات ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لعدد من المهندسين والعمالة الماهرة وسائقي الآليات الثقيلة وسيارات الشحن والنقل ومزودي الخدمات.

التحديات ونماذج التمويل 

يواجه تحويل الأنقاض إلى مورد اقتصادي مجموعة من التحديات، أبرزها ارتفاع تكاليف الوقود والنقل، وضعف التمويل، وتقلب أسعار مواد البناء، ومحدودية القدرة الشرائية، وهي عوامل قد تقلل الجدوى الاقتصادية لمشروعات إعادة التدوير إذا لم تستند إلى دراسات دقيقة للتكاليف والأسواق.

فيما قد تحتوي بعض المواقع المتضررة على مخلفات ملوثة أو مواد خطرة، ما يستدعي إجراء عمليات مسح وفحص وفصل آمن قبل البدء بمعالجة الأنقاض وإعادة استخدامها.

ويرى السلوم أن إنشاء منظومة لامركزية لمعالجة الركام، تتضمن محطات للفرز والتكسير بالقرب من مواقع الهدم، حيثما تسمح الظروف الفنية والبيئية، يمكن أن يسهم في تقليل مسافات النقل وتكاليفه، وتخفيف الضغط على الطرق، مع مراعاة الكثافة السكانية والآثار البيئية الناجمة عن الغبار والضوضاء وحركة الشاحنات.

وفيما يتعلق بنماذج التمويل، يرى بكر أن القطاع الخاص يمكن أن يؤدي دورًا أساسيًا في تنفيذ عمليات إزالة الأنقاض وإعادة تدويرها، معتبرًا أن الاستثمار في هذا المجال قد يحقق عوائد مجزية.

واقترح اعتماد الشراكة مع القطاع الخاص، ولا سيما شركات التطوير العقاري، من خلال تحديد مناطق لإعادة الإعمار وتكليف شركات بتنفيذ عمليات الهدم وإزالة الأنقاض ومعالجتها.

وقال إن النموذج المقترح يقوم على تجهيز مواقع العمل بآليات الهدم والتكسير والطحن والفرز، ثم معالجة الأنقاض لاستخراج المواد القابلة للاستفادة، مثل المعادن، بما فيها الحديد والألمنيوم والنحاس، وبيع الخردة إلى معامل الصهر، واستخدام المواد الناتجة لإنتاج البلوك اللازم للبناء.

فيما دعا السلوم إلى تطوير نماذج شراكة واضحة بين الجهات العامة والمستثمرين المحليين، تقوم على توزيع المخاطر والعوائد، ويمكن أن تشمل عقود تشغيل محطات المعالجة أو الاستثمار المشترك في المعدات والبنية التحتية، إضافة إلى عقود طويلة الأجل لتوريد المواد المعاد تدويرها إلى مشروعات عامة.

وشدد على أهمية وضع قواعد شفافة لتسعير خدمات المعالجة والمواد المستخرجة، وتحديد آليات الرقابة والمحاسبة، بما يحد من مخاطر احتكار مواقع المعالجة أو الموارد الناتجة عن إعادة التدوير.

وأشار إلى إمكانية دعم الطلب على المواد المعاد تدويرها خلال المراحل الأولى من تطوير هذا القطاع، من خلال استخدامها في المشروعات العامة التي تسمح مواصفاتها الفنية بذلك، ولا سيما الردميات وطبقات الطرق وبعض أعمال البنية التحتية، على أن يخضع استخدامها لفحوص مخبرية مستقلة وشهادات مطابقة ومراقبة دورية للجودة.

التشريعات وحقوق الملكية 

أكد السلوم أهمية مراجعة التشريعات الناظمة لإزالة الأنقاض وإدارة الملكيات العقارية والاستثمار، بما يحدد مسؤوليات الجهات العامة والمشغلين والمقاولين، ويحمي حقوق أصحاب العقارات.

وأضاف أن الحوافز الضريبية والجمركية للمعدات اللازمة لإعادة التدوير، وتخصيص مواقع مناسبة للمعالجة، وتوفير الطاقة وفق آليات واضحة، يمكن أن تشجع الاستثمار في هذا المجال، شرط ربطها بمؤشرات أداء قابلة للقياس، تشمل كميات الركام المعالجة، ونسب المواد المستردة، ومستوى الالتزام البيئي، وحجم القيمة المضافة المحلية.

ولفت إلى أن تسريع إزالة الأنقاض يجب ألا يؤدي إلى المساس بحقوق المالكين أو تعقيد إجراءات إثبات الملكية، مشددًا على ضرورة إخضاع استخدام الأراضي ومواقع تجميع الأنقاض ومعالجتها لإجراءات قانونية واضحة تحد من النزاعات وتضمن الشفافية.

وختم بالقول إن إعادة تدوير الأنقاض لا تشكل بديلًا عن التمويل الكبير الذي تحتاج إليه سوريا لإعادة الإعمار، لكنها قد تمثل أحد المسارات العملية لخفض جزء من التكاليف، وتعزيز الاعتماد على الموارد المحلية، وتوليد قيمة مضافة داخل الاقتصاد السوري.

خطة لإزالة ثمانية ملايين متر مكعب حتى نهاية 2027

رحّلت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث نحو 3.5 مليون متر مكعب من الأنقاض في سوريا، من أصل نحو 40 مليون متر مكعب، فيما تستهدف إزالة أكثر من ثمانية ملايين متر مكعب حتى نهاية عام 2027، وفق ما ذكرته إدارة الإعلام والاتصال في الوزارة، لعنب بلدي.

وقالت إدارة الإعلام، إن نسبة الأنقاض التي أُزيلت من الطرق الرئيسة والمرافق العامة بلغت نحو 43%، مقارنة بالأنقاض الموجودة داخل الأحياء والمناطق السكنية.

تتراوح تكلفة إزالة الأنقاض وترحيلها بين 2.5 وستة دولارات للمتر المكعب الواحد، وفق الأسعار الحالية وطبيعة كل منطقة، بحسب الوزارة.

وأوضحت إدارة الإعلام أنه لا يمكن تحديد تكلفة إجمالية متوقعة للمشاريع خلال الفترة المقبلة، بسبب تعدد المتغيرات التي تؤثر في التنفيذ، ومنها نوع الآليات الثقيلة ومدى توفرها في المنطقة أو الحاجة إلى استجرارها من مناطق أخرى، والتقلبات المتكررة في أسعار الوقود والمحروقات، والمسافة بين مواقع الأنقاض والمكبات المخصصة للترحيل.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة