تعا تفرج
السوري والانتخابات الإسرائيلية
خطيب بدلة
وأنا أتابع الاهتمام الواسع، الذي أبداه ناشطون سوريون، بالانتخابات الإسرائيلية، خطر لي أن هذا قد يكون نوعًا من التنكيت الجماعي، أو أنه صحوة مفاجئة، جعلت الأشخاص الذين يحاربون الديمقراطية في الليل والنهار، يدركون قيمتها، على نحو مفاجئ.
قد يعترض أحد الإخوة القراء، على ما أقوله، ويسارع إلى تذكيري بأن شعوب هذه المنطقة، عرفت الانتخابات، ومارستها.. نعم، أنا أقر بذلك، ولكن الأنظمة الديكتاتورية، التي قفزت إلى السلطات في هذه البلاد بانقلابات عسكرية، أفرغت مظاهر الحداثة المختلفة، من محتواها، وبضمنها الديمقراطية، وجعلتها تعطي مردودًا عكسيًا.. فمع أن الانتخاب عمل سري، هادئ، يعبر عنه المواطن في غرفة مغلقة، حولوه إلى عرس تقرع فيه الطبول، وتلقى أوراق التصويت في الصناديق على إيقاع حركات الدبكة، أما مؤلفو الأغاني، فقد شحذوا مواهبهم في النظم، وكتبوا أغنيات تتضمن كلمة واحدة هي “نعم”، تترافق بتعداد صفات ملفقة للشخص الذي سينتخب “بالصرماية”، ويأتي الملحنون والمطرب ليمعنوا في مديحه، بل تقديسه.. وأما الانتخابات البرلمانية، فأصبحت أكثر عجبًا، مقرات المرشحين تحولت إلى مراكز لذبح الخراف، وتمليص كراديش اللحم، وتناول البقلاوة، وفي بعض المناطق دأب المرشحون على توزيع الهدايا، والمغلفات التي تحتوي على المال، وهكذا أصبح الأشخاص الذين يمثلون الفقراء، هم أكثر الأشخاص غنى، وطفيلية في المجتمع، ناهيك عن ممثلي البعث، وأحزاب الجبهة التقدمية، الذين كانوا ينجحون، ويقرعون الطبول، ويطلقون الرصاص في الهواء، قبل موعد الانتخابات بيومين!
أظهر المهتمون بمجريات الانتخابات الإسرائيلية سذاجة عجيبة، عندما وضعوا أملهم في أن تؤدي إلى سقوط نتنياهو، بسبب ما أبداه من عنف في الرد على عملية السابع من أكتوبر 2023… مصدر السذاجة أنهم يريدون محاربته بنفس آليات الديمقراطية التي يرفضونها جملة وتفصيلًا. طوال فترة حكم نتنياهو، لم تتمكن الأنظمة، التي تحمل اسم “العربية”، مجتمعة، من تعكير مزاجه، بل إنه كان يتحداهم، وخاصة عندما يظهر بلباسه العسكري، على قمة جبل الشيخ، أو يطل عليهم بفيديو يتحدث فيه عن إنجازاته التي تتلخص بأنه هزمهم.
مصدر السذاجة الآخر، هو اعتقادهم، بأن المرشح الإسرائيلي الآخر، سيكون أرحم منه تجاههم.. وهذا غير صحيح، فالقصة تنحصر ضمن دائرة صراع مستمر منذ 78 سنة، تعاقب خلالها، على رئاسة الحكومة الإسرائيلية، الكثيرون، وكل واحد منهم كان يفخر بأنه استطاع أن يدحرهم، ويقهرهم، مع التنويه إلى أن أحد مصادر القوة الإسرائيلية، هو هذه الديمقراطية، وأهم علامة من علامات ضعفنا، وهزيمتنا، هي غياب الديمقراطية.
ولعل ما يبعث على الغيظ، والألم، والحسرة، أن غياب الديمقراطية في بلادنا مقصود لذاته، مع سبق الإصرار، بدليل أن السوريين الذين أرغمتهم الحرب الأهلية على الهجرة، عرفوا الديمقراطية بأبهى حللها، في أوروبا، والذين حصلوا على الجنسية، في بلد أوروبي، حالفهم الحظ بممارستها، ولكنهم، وكما هي العادة، مارسوها بشكل سيئ، فلم يعطوا أصواتهم للمرشح الأفضل، أو الحزب الأفضل، بل للحزب الذي يعدهم بأن يبقيهم هنا، فلا يعودون إلى بلدهم، على الرغم من أنهم يشتركون في مظاهرات، يؤيدون فيها نظام الحكم الجديد بشدة!
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :






