
قلعة بصرى الشام الاثرية التي يعود تاريخها إلى العصر الأيوبي في الريف الشرقي لمحافظة درعا - 28 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/وسيم العدوي)

قلعة بصرى الشام الاثرية التي يعود تاريخها إلى العصر الأيوبي في الريف الشرقي لمحافظة درعا - 28 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/وسيم العدوي)
عنب بلدي – وسيم العدوي
من مدرج استوعب نحو 15,000 مشاهد في عهد الإمبراطور الروماني تراجانا (ترايانوس)، إلى حصن عسكري تتوزع فيه الأبراج والخنادق ومخازن المؤن، تختصر قلعة بصرى الشام في جنوبي سوريا تعاقب الحضارات وتداخل وظائف العمارة بين الفن والحرب.
ويكشف الموقع، الذي يجمع البناء الروماني والتحصينات الأيوبية، عن حلول هندسية اعتمدت على البازلت والأقواس الحجرية وشبكات المياه، في حين لا يزال ترميمه يواجه تحديات التمويل ونقص الكوادر المتخصصة.
قال جاد الله المقداد، من دائرة آثار بصرى الشام، لعنب بلدي، إن المدرج الذي بُني في العهد الروماني لأغراض ثقافية وفنية، على قاعدة صخرية صلبة، صممه المهندس أبولودور الدمشقي، الذي كان صديقًا للإمبراطور ترايانوس، خلال حكمه ما بين عامي 106 و117م، واستخدمت في تشييده حجارة البازلت السوداء المحلية.
وعلى خلاف مدرجات أخرى اعتمدت على أشكال إنشائية مختلفة، استند مدرج بصرى إلى أقواس حجرية تمتد من قاعدته إلى قمته، ومع تغير الأوضاع العسكرية في المنطقة وبدء الحروب الصليبية، اكتسبت بصرى أهمية دفاعية بسبب موقعها على الطريق المؤدي إلى دمشق، ومن هنا انبثقت القلعة التي شكلت حصنا حول المدرج.
وبدأ بناء برجين على جانبي المدرج، خلال القرنين الـ11 والـ12، قبل أن يتوسع التحصين في العهد الأيوبي خلال القرن الـ13.
وأضاف المقداد أن الأيوبيين وجدوا في الجدار الخلفي للمدرج بنية مناسبة لإنشاء حصن عسكري، فجمعوا حجارة من مبانٍ قديمة انهارت بفعل الزلازل، بينها أديرة وكنائس وأسواق، واستخدموها في بناء القلعة المحيطة به، وهكذا لم يُهدم المدرج ليُقام الحصن مكانه، بل أصبح جزءًا أساسيًا من بنيته الدفاعية.
وشملت التحصينات الأيوبية بناء تسعة أبراج ضخمة، فيما توثق لوحة حجرية بازلتية على أحد الأبراج أعمالًا أمر بها الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب، شقيق القائد التاريخي صلاح الدين الأيوبي.

قلعة بصرى الشام الاثرية التي يعود تاريخها إلى العصر الأيوبي في الريف الشرقي لمحافظة درعا – 28 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/وسيم العدوي)
تُظهر تفاصيل القلعة أن التحصين لم يقتصر على رفع الأسوار، بل شمل تصميم المداخل والممرات والخندق والجسر بما يخدم الدفاع عنها، فالأبراج المربعة والمستطيلة ذات الجدران السميكة تضم فتحات للرمي بالسهام، فيما صُممت الممرات بزوايا قائمة لإعاقة حركة المهاجمين والحد من اندفاعهم عند الاقتحام.
ويحيط بالقلعة خندق يستند إلى قاعدة صخرية، ويُعبر إليه عبر جسر يتألف من خمسة أقواس حجرية بازلتية ثابتة، إضافة إلى جزء خارجي متحرك يبلغ طوله نحو ستة أمتار، مصنوع من الحديد والخشب، وبحسب المقداد، فإن هذا الجزء كان يُغلق في أثناء المعارك، بالتزامن مع ملء الخندق بالمياه، لتعزيز الحماية ومنع الوصول المباشر إلى القلعة.
وتعتمد أجزاء واسعة من البناء على البازلت الأسود، الذي يمنح الجدران صلابة ويتلاءم مع طبيعة حوران البركانية، كما تظهر في الأبنية تقنيات إنشائية تعتمد على الأقواس الحجرية والأشكال الهندسية، ومنها المثلثات الفراغية المستخدمة في بناء الأسقف والممرات.
وأشار المقداد إلى أن بعض “القبوات” تتألف من نحو ثمانية مثلثات تتجه قواعدها إلى الأعلى ورؤوسها إلى الأسفل، في تكوين يوزع الأحمال ويسهم في تماسك البناء.

قلعة بصرى الشام الاثرية التي يعود تاريخها إلى العصر الأيوبي في الريف الشرقي لمحافظة درعا – 28 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/وسيم العدوي)
لم يكن المدرج، بعد تحويله إلى حصن، مجرد مساحة للدفاع، بل أُعيد توظيف طبقاته لتلبية احتياجات السكان والمقاتلين خلال الحصار. وأوضح المقداد أن الطبقة الأولى استُخدمت بئرًا للمياه وحمامًا، من خلال إنشاء ركائز بازلتية وأقواس حجرية وتسقيف المساحات لتصبح صالحة للاستخدام.
أما الطبقة الثانية فاستُخدمت صوامع للحبوب ومستودعات للمنتجات الزراعية والأغذية، بما يتيح تخزين المؤن اللازمة خلال الغزوات والمعارك، وعلى سطح الطبقة الثانية، بُني جامع في عهد الملك الصالح عام 1223 أو 1224م تقريبًا.
واعتمدت القلعة على منظومة لنقل المياه عبر القنوات، ويذكر المقداد أن المياه كانت تصل من وادي الزيدي شرق المدينة عبر قناة تُعرف باسم “البزازية” لتغذي آبار المدينة الأثرية والخندق، إلى جانب أنابيب فخارية داخل المدرج، وكانت المياه تصل عبر قنوات فخارية من بركة تُعرف باسم بركة الحاج أو البركة الرومانية، التي يعود بناؤها إلى القرن الثالث الميلادي.
وتعكس هذه المنشآت تداخلًا بين الهندسة المعمارية والبنية الخدمية، فالمياه لم تكن حاجة يومية فحسب، بل عنصرًا أساسيًا في استمرار الصمود خلال الحصار، مثلما كانت مخازن الحبوب والأغذية جزءًا من منظومة الدفاع.
رغم القيمة المعمارية والتاريخية لقلعة بصرى الشام، يواجه ترميمها تحديات تتعلق بالتمويل ونقص الاختصاصيين، وفقًا للمقداد، إذ تضم المدينة مواقع أثرية كثيرة تحتاج إلى أعمال صيانة وتأهيل، لكن ضعف التمويل يمثل العائق الأول، إلى جانب نقص المهندسين والآثاريين والفنيين والمراقبين الفنيين والعمال المهرة.
وفي هذا السياق، أكد رئيس المجلس المحلي في بصرى الشام، عبد الله المقداد، لعنب بلدي، أن ترميم القلعة والمسرح يحتاج إلى خطة متكاملة بالتنسيق مع المديرية العامة للآثار والمتاحف، نظرًا إلى القيمة العالمية للموقع وضرورة الالتزام بالمعايير العلمية، مشيرًا إلى تنفيذ أعمال ترميم بالتعاون مع منظمات دولية شملت القلعة والمسرح الروماني ومدرسة “أبي الفداء”، مع ضرورة التمييز بين المشاريع المنفذة فعليًا والجهات التي أبدت اهتمامًا مستقبليًا، وبين وجود اتفاقيات رسمية للتمويل والتنفيذ.
وفي الجانب السياحي، عمل المجلس على إعادة تأهيل المقصف السياحي وحديقة “تراجانا” عبر عقد استثماري، كما يُنتظر البدء بترميم فندق “بصرى الشام” بعد استكمال التفاصيل المالية والفنية بين الشركة المالكة والمستثمر.
وتتجاوز استعادة بصرى الشام ألقها الأثري حدود الترميم الشكلي أو أعمال تأهيل البناء البازلتي لقلعتها الأثرية، إلى كونها مسؤولية مؤسساتية متكاملة تهدف إلى حماية هذا الإرث الإنساني الفريد، وإعادة وضعه في موقعه الطبيعي على الخارطة الثقافية والسياحية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى