
مزارع يروي محصول الفول في بلدة المزيريب بريف درعا الغربي التي تعاني من أزمة مياه حادة - 5 تشرين الثاني 2026 (عنب بلدي/محجوب الحشيش)

مزارع يروي محصول الفول في بلدة المزيريب بريف درعا الغربي التي تعاني من أزمة مياه حادة - 5 تشرين الثاني 2026 (عنب بلدي/محجوب الحشيش)
درعا – محجوب الحشيش
تشهد محافظة درعا تحديًا مائيًا متزايدًا في ظل استمرار تراجع الموارد المائية وجفاف عدد من الينابيع، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة قضية تنظيم حفر الآبار واستثمار المياه الجوفية، ولا سيما بعد بدء مديرية الموارد المائية والمحافظة إجراءات “تشميع” الآبار المخالفة وغير المرخصة، إلى جانب تحديد استطاعة مضخات الآبار التي سُوّيت أوضاعها بما لا يتجاوز عشرة أحصنة.
وفي الوقت الذي يحذر فيه خبراء من خطورة التدهور المائي المتسارع في المحافظة، يحتج مزارعون على قرار تحديد استطاعة المضخات بعشرة أحصنة، مؤكدين أنه يشكل تهديدًا لمحاصيلهم لعدم كفاية هذه القدرة على ضخ المياه من الآبار العميقة.
وفي المقابل، يُرحب آخرون بالقرار معتبرين أن تأمين مياه الشرب للسكان يجب أن يشكل أولوية قصوى، خاصة في ظل الأعباء المادية والخدمية التي يتكبدها الأهالي منذ سنوات.
في مطلع تشرين الأول الماضي، بدأت مديرية الموارد المائية في محافظة درعا حملة لـ”تشميع” الآبار المخالفة بمؤازرة قوى الأمن الداخلي، شملت عشرات الآبار في محيط ينابيع “الأشعري” و”عيون الساخنة” ومنطقة بصرى، للحد من استنزاف المياه الجوفية ومواجهة أخطار الجفاف.
وكشف عضو المكتب التنفيذي للموارد المائية في درعا، أحمد خطاب، في حديث إلى عنب بلدي، أن عدد الآبار المخالفة في المحافظة يتجاوز 50,000 بئر، خرج جزء منها من الخدمة نتيجة الجفاف، ولا سيما في الريف الغربي، في حين يبلغ عدد الآبار المصرح عنها 8050 بئرًا فقط.
وكانت المحافظة قد شكلت، في 27 من آب الماضي، لجانًا مختصة لتوثيق الآبار المخالفة وإحصائها، وحددت إجراءات التعامل معها، إذ مُنحت الآبار المستثمرة في زراعة الخضراوات مهلة أقصاها 1 من كانون الأول المقبل لتسوية أوضاعها قبل “تشميعها”، في حين أُلزمت الآبار المستثمرة في ري الأشجار بتخفيض استطاعة مضخاتها إلى ما دون عشرة أحصنة.
أما الآبار غير المصرح عنها فتقرر إغلاقها و”تشميعها” مباشرة دون منح أي مهلة، مع مصادرة معدات التشغيل بما فيها المضخات “الغاطسة” وألواح الطاقة الشمسية.
وفيما يخص الآبار الواقعة داخل المخططات التنظيمية أو القريبة من مناطق الإرواء والينابيع، أوضح خطاب أنها تخضع لأنظمة مؤسسة المياه، التي تقرر إما ربطها بشبكة مياه الشرب أو إغلاقها بناء على تقييماتها الفنية.
أبدى مزارعون في محافظة درعا شكوكًا واسعة حول جدوى إلزامهم بتركيب مضخات “غاطسة” لا تتجاوز قدرتها عشرة أحصنة، مؤكدين عدم كفايتها الفنية لاستخراج المياه من أعماق تتخطى 300 متر.
أحمد الحريري، وهو مزارع في ريف درعا الشرقي يمتلك 1500 شجرة زيتون و1200 شجرة رمان، قال لعنب بلدي، إن إجباره على تركيب مضخة بهذه القدرة المحدودة لا يكفي لري أشجاره المثمرة.
وأضاف أنه اضطر للتخلي تمامًا عن زراعة الخضراوات كالبندورة والبطيخ والبطاطا ليركز على إنقاذ الأشجار، مشيرًا إلى أنه قد يضطر لاستئجار بئر أخرى لتغطية النقص.
وعن الحلول البديلة لمواجهة هذه القيود، تحدث أحمد عن توجهه لاعتماد شبكات ري حديثة لترشيد الاستهلاك، إضافة إلى إنشاء بركة مائية لتجميع مياه الأمطار خلال فصل الشتاء والاستفادة منها في الري.
وفي ريف درعا الشمالي، وصف سعيد النايف، وهو مزارع من مدينة إنخل، قرار “تشميع” الآبار وتحديد استطاعة المضخات بعشرة أحصنة بـ”الجائر”، مؤكدًا لعنب بلدي أن هذه الإجراءات تلحق ضررًا بالغًا بالفلاحين وبالثروة الزراعية التي تشكل عصب الاقتصاد ومصدر الدخل الأساسي لمعظم سكان المحافظة.
وحذر سعيد من أن تطبيق القرار سينعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي، وقد يدفع السكان إلى الهجرة نحو المدن أو باتجاه مناطق شمال شرقي سوريا بحثًا عن سبل عيش بديلة.
ودعا المزارع إلى اعتماد خطة زراعية مدروسة تتناسب مع القدرة المائية المتاحة، وتلبي في الوقت نفسه احتياجات السوق المحلية من الخضراوات والفواكه دون استنزاف عشوائي للمخزون.
في المقابل، رحب سكان في محافظة درعا بقرار “تشميع” الآبار المخالفة، آملين أن يسهم الإجراء في حماية المخزون المائي المتبقي وإعادة إحياء الينابيع التي جفت نتيجة الحفر العشوائي.
حسين الحشيش، وهو من سكان بلدة تل شهاب، قال لعنب بلدي، إن القرار رغم تأخره يُعد خطوة صائبة إذا طُبق بجدية، ولا سيما على الآبار ذات الغزارة العالية، معتبرًا أن تأمين مياه الشرب يجب أن يكون الأولوية القصوى بعد أن باتت معظم القرى بلا مياه نتيجة جفاف المصادر الحيوية.
وتعاني مناطق واسعة في المحافظة من أزمة خانقة في تأمين المياه، إذ تواجه مدينة نوى في الريف الغربي نقصًا حادًا في مياه الشرب منذ أربعة أشهر إثر تراجع منسوب ينابيع الأشعري.
كما أدى جفاف “عيون الساخنة”، المصدر الرئيس لبلدة تل شهاب والقرى المحيطة بها، إلى حرمان المنطقة من المياه لثلاث سنوات متتالية، ما أجبر السكان على الاعتماد الكامل على صهاريج النقل التجارية التي تشكل عبئًا ماليًا ثقيلًا على العائلات.
وقال عضو المكتب التنفيذي للموارد المائية في درعا، أحمد خطاب، إن الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي حفرت العديد من الآبار المخصصة لمياه الشرب في الآونة الأخيرة، وهي بصدد حفر آبار جديدة لربطها بالشبكة العامة.
إلا أن هذه الجهود تصطدم أحيانًا بوجود مياه كبريتية تمنع استخدامها للشرب، كما حدث مؤخرًا في بلدة المزيريب، إذ تبيّن بعد حفر إحدى الآبار اختلاطها بمياه كبريتية، وهو الأمر نفسه الذي تكرر في بئر أخرى ببلدة تل شهاب.
في السياق ذاته، أكد عضو المكتب التنفيذي للموارد المائية في درعا، لعنب بلدي، أن المحافظة تتابع بدقة الالتزام بالخطة الزراعية المعتمدة لضبط الاستهلاك المائي، على حد قوله.
وقال خطاب إن المتابعة تجري عبر الوحدات الإرشادية والجولات الرقابية المستمرة في مختلف المناطق، لرصد أي تجاوزات في المساحات المحددة أو زراعات زائدة على الخطة المقررة، مشددًا على اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين وفقًا للأنظمة والتعليمات النافذة.
من جانبه، أشار المهندس الزراعي أحمد كيوان، في حديث لعنب بلدي، إلى وجود ثغرات في آليات التنفيذ، مبينًا أن حملة مديرية الموارد المائية ركزت على الآبار التي لا يتجاوز عمقها 150 مترًا، في حين تكمن الخطورة الحقيقية في الآبار ذات الأعماق الكبيرة التي تتراوح بين 300 و400 متر.
وانتقد كيوان غياب تطبيق معايير المسافات الآمنة بين الآبار، لافتًا إلى وجود أكثر من بئر في العقار الزراعي الواحد.
وأضاف كيوان أن الحل الأمثل لوقف هدر المياه يكمن في تنظيم خارطة دقيقة للآبار والإشراف المباشر على خطة زراعية مدروسة، إلى جانب إلزام المزارعين باتباع أساليب الري الحديثة، وتشجيعهم على التوجه نحو زراعات بديلة منخفضة الاستهلاك المائي.
الباحث في الاستدامة والبيئة والموارد المائية الدكتور صفوان الحلبي، أكد في حديث إلى عنب بلدي، أن وجود أكثر من 50,000 بئر مخالفة يعكس حجم التحدي المعقد في إدارة المياه الجوفية وتنظيمها، ولا سيما في محافظة تعتمد شريحة واسعة من سكانها على الزراعة كنشاط اقتصادي أساسي.
وأوضح الحلبي أن استمرار استخراج المياه بمعدلات تفوق قدرة الخزانات الجوفية على التجدد يؤدي “هيدروجيولوجيًا” إلى هبوط مستمر في مناسيب المياه وتراجع غزارة الينابيع.
وتبرز خطورة هذا الواقع في مناطق مثل نوى وتل شهاب وحوض اليرموك، إذ تراجعت تدفقات ينابيع “الأشعري” وجفت “عيون الساخنة”، ما تسبب في أزمة حادة لتأمين مياه الشرب ودفع بعض السكان للاعتماد على صهاريج نقل المياه المكلفة.
ويرى الباحث أن “تشميع” الآبار المخالفة خطوة اضطرارية للحد من الاستنزاف العشوائي، مستدركًا بأن تنظيم الاستطاعة الميكانيكية للمضخات (تحديدها بعشرة أحصنة) يحتاج إلى دراسة فنية تراعي تباين أعماق الآبار ومعدلات التصريف.
وأشار إلى أن المعيار الأساسي لحماية المخزون ليس قوة المضخة وحدها، بل كمية المياه المستخرجة فعليًا ومعدل الضخ اليومي، مقترحًا ربط تسوية الأوضاع بتركيب عدادات لقياس الاستهلاك وتحديد حصص مائية وساعات تشغيل خاضعة لمراقبة دورية.
واختتم الحلبي بالإشارة إلى ضرورة تحقيق التوازن بين حماية الموارد الجوفية ومراعاة الظروف المعيشية للمزارعين، عبر وضع خطة زراعية تتوافق مع الموازنة المائية المتاحة، والتوسع في تقنيات الري الحديث، وإنشاء برك لتجميع مياه الأمطار، بالإضافة إلى تشجيع المحاصيل الأقل استهلاكًا للمياه لضمان الأمن المائي والغذائي للأجيال القادمة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى