“ميكروفون متبادل”.. اسمعوا الأطراف واذهبوا إليها

tag icon ع ع ع

علي عيد

ليست المشكلة في السياسة دائمًا، والشعور بالتهميش يأتي من مواقع أخرى، بصرف النظر عن النيات، وهذا ما عبر عنه، مثلًا، كثيرون في دير الزور والحسكة، خلال العامين الماضيين، إذ إن مقابل أخبار استثمارات النفط ومشاريعها في منطقتهم، كانت الردود تأتي بعبارات استياء منها: لسنا مجرد بئر نفط.

وقد ينطبق الأمر على أبناء الساحل مع توارد أخبار الاستثمارات السياحية، أو الجنوب لأسباب أخرى، أمنية أو اجتماعية.

ليس بالضرورة أن تكون المشاريع أو الخطط ذاتها سببًا للتذمر، بل الشعور بأنهم دائمًا خاضعون لرسالة المركز، وأنهم مجرد مستمعين، ويريدون بأي شكل أن يحصلوا على حصة من “الميكروفون” كي يوصلوا أصواتهم.

لفتني حديث أحد الأصدقاء القريبين من مركز صنع القرار في سوريا عن نيات بهذا الشأن، ما دفعني لوضع “الميكروفون” أمام هذا التوجه، وأنا من مناصريه، وربما عملت عليه مع زملاء آخرين، حتى وإن اختلفت الأهداف، وهي محاولات غير مكتملة بعد.

إهمال المركز للأطراف أو ما يسمى “إعلام العواصم”، تحدث عنه العالم النرويجي يوهان غالتونغ (Johan Galtung)، صاحب المثلث المعروف لتفسير الصراع داخل المجتمعات (التناقضات، المواقف، السلوك)، منبهًا إلى تركيز هذا الإعلام “الفوقي” على القادة والنخب والبروتوكولات.

يدعو غالتونغ إلى صحافة “القاعدة الشعبية”، ومنح “الميكروفون” للضحايا وللناس العاديين في الأطراف من كلا جانبي الصراع، ما يخلق تبادلًا إنسانيًا يقلل من فجوة الشقاق.

استراتيجية ‘الميكروفون المتبادل” أشارت إليها توصيات تقرير “ماكبرايد” الصادر عن “اليونسكو” (1980)، ونظريات الاتصال التشاركي (باولو فريري)، فالسلام المجتمعي يحتم إنهاء التدفق الأحادي للمعلومة، وتحويل الإعلام من منصة تلقين مركزية إلى قناة باتجاهين، تمكن الأطراف المهمشة، أو التي تشعر أنها مهمّشة، من صياغة روايتها وإيصال معاناتها لصناع القرار.

تضخيم أصوات الأطراف لا يساعد فقط في السلام المجتمعي على المدى الطويل، بل يسهم في إعادة ربط الأطراف ببعضها، وتعزيز الشعور بالانتماء المتبادل، وأضرب مثالًا الموقف العام من التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري (القنيطرة ودرعا)، وربما يحتاج هذا المثال إلى دلائل قائمة على دراسات علمية أكثر من مجرد استنتاج.

في حالة الجنوب السوري، انشغلت المجتمعات المحلية في المحافظات “الأطراف” عن المناصرة مع مخاوف سكان الجنوب لأسباب منها اقتصادية ومنها ضعف الإعلام أيضًا، وعندما تحرك الإعلام باتجاه سماع صوت هذه المنطقة الجغرافية، وإعادة توزيع هذا الصوت على بقية الأطراف، كما حصل في تغطيات التلفزيون والإعلام الحكومي وغير الحكومي الذي نقل الأحداث عبر المراسلين، وساند دعوات الشارع للتحرك، انعكس الأمر بصورة واضحة على الموقف الشعبي، وعزز قدرة الناس على الصمود، كما مكّن المركز من أدوات جديدة في مواجهة التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية، حتى ولو لم يتخطَّ الأمر عتبة التلميح بأن الجنوب ليس وحيدًا، وأن المعركة في النهاية هي مع السوريين لا مع الحكومة فقط.

هناك تجارب يمكن الاستدلال بها على أثر تعزيز إعلام الأطراف، وإمكانية تطبيقها في سوريا، مثل إذاعات المجتمع المحلي وراديو “سوتاتينزا” في كولومبيا، إذ أظهر الصراع الطويل مع حركة “FARC”، أن إعلام المركز “بوغوتا” لا يصل إلى الفلاحين في الجبال، فجرى تأسيس شبكة ضخمة من الإذاعات المجتمعية المحلية، لعبت دورًا مهمًّا في نشر ثقافة السلام بالأطراف، عبر توعية المزارعين بحقوقهم، وأسهمت في إنجاح اتفاق السلام عام 2016، وتسهيل دمج المقاتلين في مجتمعاتهم المحلية.

في سيراليون، أيضًا، لعب راديو “بارلوما” والإذاعات المحلية في المناطق الريفية دورًا بعد الحرب الأهلية المدمرة، إذ جمعت هذه الإذاعات الضحايا بالجناة في حوارات علنية، ونشرت جلسات لجنة المصالحة والحقيقة، ما أسهم في نزع السلاح النفسي والفعلي لسكان الأقاليم، وإعادة دمج الأطفال الجنود، وهي مشكلات تعاني منها مجتمعات الأطراف في سوريا أيضًا، وإن بصورة غير متطابقة.

أما في الفلبين، فلعبت الإذاعات المحلية بجزيرة مينداناو التي شهدت صراعًا إسلاميًا- مسيحيًا طويلًا، دورًا في إرساء السلام، عبر التغطية المحلية المحايدة، وتفكيك الشائعات الدينية التي كانت تشعل الفتن في القرى النائية، والتركيز على التنمية المشتركة بدلًا من الهوية الطائفية، وهذا أيضًا نموذج يحاكي بعض الظواهر في الأطراف داخل سوريا.

التجارب المذكورة آنفًا لعبت دورًا إيجابيًا ومعاكسًا لتجارب “مركزية” مدمرة، منها نموذج إذاعة “الألف تلة” (RTLM) في رواندا قبل إبادة 1994، وإعلام “مركزي الحوش” السوداني، الذي تركز في الخرطوم وأهمل قضايا التنمية والنزاعات القبلية في دارفور، كردفان، والشرق، والتركيز الإعلامي في عواصم مالي ودول الساحل الإفريقي، إذ جرى إهمال القرى والبلدات النائية دون تغطية وطنية تبدد مخاوفهم وتنقل معاناتهم من الجفاف والفقر، فاستغلت الجماعات المتطرفة هذا الفراغ وبسطت نفوذها على الأطراف.

يحتاج سكان كل قرية في سوريا اليوم إلى “ميكروفون”، يريدون من يستمع لأبسط قصصهم، يريدون إعلامًا يبدد مخاوفهم، وتواصلًا يردم الهوة بينهم.. وللحديث بقية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة