
جولة في أحياء حمص القديمة لمشاركين في مبادرة "حديث السوريين" التي تهدف لخلق مساحات حوارية لتبديد الصور النمطية وتعزيز التماسك المجتمعي - 17 تموز 2026 (سانا)

جولة في أحياء حمص القديمة لمشاركين في مبادرة "حديث السوريين" التي تهدف لخلق مساحات حوارية لتبديد الصور النمطية وتعزيز التماسك المجتمعي - 17 تموز 2026 (سانا)
عنب بلدي – شعبان شاميه
كان طارق (18 عامًا)، المقيم في حمص، في السادسة من عمره حين بلغت المعارك المسلحة ذروتها في سوريا. اليوم، وبعد نحو عامين على انتقال البلاد إلى مشهد سياسي جديد عقب سقوط النظام السابق، يمارس الشاب دور القاضي والمنفّذ من خلف شاشة هاتفه.
بدأ السجال عندما نشرت راما (19 عامًا)، المقيمة في مدينة اللاذقية، تدوينة دعت فيها إلى تغليب المصالحة الوطنية والعفو المجتمعي لبناء الاستقرار، محذرة من أن الإصرار على تصفية الحسابات يهدد بتجدد العنف.
لم تمر دقائق حتى أعاد طارق مشاركة التدوينة معلّقًا: “المصالحة دون محاسبة خيانة للدماء. نريد قصاصًا فوريًا وشاملًا لكل من تورط أو صمت، دون شفقة”.
يعكس هذا التفاعل انقسامًا حادًا في أوساط الجيل الشاب، إذ تباينت مواقف مئات الحسابات بين مطالب بالعدالة الخشنة، ومدافع يخشى تبعات العقاب الجماعي.
في حين تحولت الفضاءات الرقمية إلى ساحات بديلة لتنفيذ محاكمات علنية تفتقر إلى الضوابط القانونية، وتصاعدت عبرها اتهامات التخوين بين يافعين لم يعايشوا النزاع المسلح بشكل مباشر.
تفرض هذه الظاهرة، من منظور دراسات السلام وبناء السلم الأهلي المستدام، التوقف عن التعامل مع هذا الشحن بوصفه مشكلة أخلاقية ناشئة لدى الشباب، والنظر إليه كنتيجة بنيوية متوقعة لسنوات طويلة من العنف والانقسام والصدمة الجماعية غير المعالجة.
كما يؤكد هذا المنظور التحليلي أن الاحتقان الراهن لا يعكس نموًا في الكراهية لذاتها، بقدر ما يكشف عن تداعيات صراع ممتد يُعاد إنتاجه عبر المنصات الرقمية، إذ يحمل هذا التراشق بين حمص واللاذقية دلالات “سوسيولوجية” ترتبط بإرث النزاع وذاكرته المجتمعية المتبادلة بين المدينتين.
الأزمة الهيكلية لدى الجيل الشاب ظهرت بشكل واضح خلال المباراة الأخيرة بين ناديي سراقب وجبلة، إذ تحول الحدث الرياضي إلى مواجهة لتصفية الخلافات واستدعاء التوصيفات المرتبطة بسنوات الحرب، والتي انتقلت آثارها عبر الأجيال نتيجة غياب المساحات الآمنة لبلورة الهوية والانتماء والمشاركة.
ولم يتوقف التوتر الذي اندلع في المدرجات عند قرار الحكم بإنهاء المباراة قبل وقتها الأصلي، بل امتد فورًا إلى الفضاء الرقمي، إذ اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي باتهامات متبادلة بالتخوين والإقصاء بين جماهير الطرفين، رغم أن معظمهم يمثلون جيلًا لم يختبر تفاصيل النزاع المسلح بوعي تام.
ويعزز هذا السلوك فرضية انتقال الصدمات النفسية والاجتماعية عبر الأجيال، ويوضح كيف تتحول الأنشطة الرياضية في ظل غياب الهوية الوطنية الموحدة من وسيلة لبناء السلام إلى عامل يعمق الاستقطاب المناطقي.
يرى الطبيب النفسي والخبير في الدعم النفسي الاجتماعي الدكتور عمار بيطار، في حديث إلى عنب بلدي، أن تفكيك الخطاب التحريضي المتصاعد يستوجب مقاربة تحليلية هادئة، تتجاوز إدانة الشباب السطحية إلى فهم السياق العام الذي أنتج هذا السلوك.
وأوضح بيطار أن مرحلة ما بعد 8 من كانون الأول 2024 تسجل تناميًا لافتًا في حدة الاستقطاب بين الشباب السوري، مشيرًا إلى أن هذا الشحن لا ينحصر فيمن عاصروا النزاع المسلح، بل يمتد إلى جيل جديد لم يشارك في الصراع ولم يشهد فتراته الأكثر عنفًا.
وفي محاولة لتفسير هذه المفارقة، يتساءل بيطار عن سر اندفاع جيل لم يحمل السلاح ولم يعش ويلات المعارك، نحو تبني مواقف تفوق بحدتها مواقف المحاربين أنفسهم.
ويعزو الخبير ذلك إلى جذور بنيوية عميقة، داعيًا إلى الابتعاد عن الأحكام الأخلاقية المتسرعة، وقراءة هذا الاحتقان بوصفه إفرازًا اجتماعيًا ونفسيًا وسياسيًا طبيعيًا لسنوات طويلة من الحرب والانقسام والتهجير، بدلًا من اختزاله في مجرد خلل سلوكي فردي.
في هذا الإطار، يستند بيطار إلى مفهوم “الصدمة العابرة للأجيال” في علم النفس والصحة النفسية المجتمعية، مبينًا أن آثار الحروب والصدمات الكبرى لا تتوقف عند من عايشوها مباشرة، بل تنتقل إلى الأبناء عبر الحكايا الأسرية، وأنماط التربية، ومشاعر القلق وانعدام الأمان التي تطبع الحياة اليومية.
ولفت إلى أن الشاب الذي لم يشهد القصف أو النزوح أو الاعتقال قد لا يرث الحدث ذاته، لكنه يرث بالضرورة نظرة العالم الناتجة عنه، بما تحمله من شكوك وصور نمطية عن الآخر، لتصبح الذاكرة الجماعية للصراع حاضرة في وعي جيل جديد يحمل أوزار الحرب النفسية والاجتماعية دون أن يعيش تفاصيلها.
ولهذا السبب، يعتبر خبير الدعم النفسي الاجتماعي أن بعض مظاهر الخطاب التحريضي لا تعكس كراهية مجردة، بقدر ما تمثل انعكاسًا لجروح جماعية غائرة لم تُتح لها فرصة حقيقية للتعافي.
من جهة أخرى، يربط بيطار هذه الظاهرة بـ”أزمة الهوية في زمن الانقسام”، مستشهدًا بتجارب مجتمعات خرجت من حروب أهلية وطائفية، مثل لبنان والبوسنة والعراق ورواندا، إذ تشهد فترات ما بعد النزاع صراعًا محتدمًا حول الانتماء.
وقال إن الشباب في البيئة السورية يعيشون حالة من الغموض والتخبط، جراء الركود الاقتصادي، وانحسار الفرص، وتداعيات الانقسام الجغرافي الممتد.
وأمام هذا الأفق المسدود، يندفع الكثيرون نحو الاحتماء بالانتماءات الفرعية الضيقة، كالعشائرية والمناطقية والطائفية، وفقًا لبيطار، باعتبارها ملاذًا يمنحهم شعورًا مؤقتًا بالأمان، لتتحول الهوية هنا من أداة للتعريف بالذات إلى وسيلة لتأطير الآخر بوصفه مصدر تهديد، إذ يتغير السؤال الجوهري مِن “مَن أنا؟” إلى “مَن ليس مثلي؟”.
كما شدد خبير الدعم النفسي والاجتماعي على أن الخطاب التحريضي ليس المعضلة الأساسية، بل مجرد عَرَض سطحي لأزمة أعمق، تجسد تراكمات النزاع، وتآكل الثقة المجتمعية، والعجز عن التأثير في الواقع، فالشباب في جوهرهم لا يبحثون عن الكراهية، بل ينشدون الاعتراف والكرامة والانتماء وإثبات الذات، وحين تغيب هذه المكونات الأساسية لبناء المستقبل، تكتسب الخطابات المتطرفة قدرة أكبر على استقطابهم عبر تقديم تفسيرات مبسطة لمشكلات بالغة التعقيد.
يتجلى مكمن الخطورة في وعي الجيل الحالي، بحسب بيطار، في انتقال حاضنة التنشئة من المؤسسات التقليدية كالأسرة والمدرسة إلى الفضاء الرقمي، بعدما فرضت منصات التواصل الاجتماعي نفسها بيئة أساسية لصياغة المواقف والآراء.
وتبرز المشكلة هنا في طبيعة الخوارزميات الرقمية، إذ تفتقر إلى مكافأة الطرح المتزن، وتمنح الأولوية للمحتوى المثير للغضب والاستقطاب والاستفزاز.
ونتيجة لهذه الديناميكية، يقع الشباب في مصيدة ما يُعرف بـ”غرف الصدى الرقمية”، التي تكرر المواقف المتطابقة وتعزل الفرد تمامًا عن أي احتكاك حقيقي بالرأي الآخر.
وفي هذا السياق، أكد بيطار أن هذا المناخ الافتراضي يشرع الأبواب أمام إطلاق الأحكام النمطية والتحريضية، ويسهم مباشرة في تآكل قيم التعاطف، فكلما تراجع التواصل الإنساني المباشر، زادت القابلية لتجريد الآخرين من أبعادهم الإنسانية وآلامهم المشتركة، وتحويلهم إلى فئات وتصنيفات جامدة.
جدد المتخصص في الدعم النفسي الاجتماعي التأكيد على أن تصاعد خطاب التحريض بين الشباب السوري عقب سقوط النظام السابق ليس دليلًا على فساد قيم هذا الجيل، بل هو عَرَض لمرض أعمق خلفته سنوات الحرب والنزوح.
وقال إن أدوات الوعظ أو الإدانة لم تعد كافية للمواجهة، ما يتطلب الانتقال الفوري إلى مسار علاجي وتنموي مباشر.
يبدأ هذا المسار، وفقًا لبيطار، بتفعيل برامج الصحة النفسية المجتمعية، وذلك من خلال إطلاق تدخلات نفسية واجتماعية واسعة تستهدف اليافعين والأسر التي عانت من الصدمات والتهجير، إذ يشكل الاستقرار النفسي حجر الأساس لمنع الانجرار نحو العنف اللفظي.
ويتوازى مع ضرورة إصلاح المناهج التعليمية عبر إعادة هيكلة النظام التعليمي في المدارس والجامعات ليتجاوز التلقين، والتركيز بدلًا عن ذلك على تدريس مهارات التفكير النقدي، والذكاء العاطفي، وآليات إدارة الاختلاف.
كما يتطلب الواقع تأسيس مساحات شبابية آمنة عبر الاستثمار في مراكز ثقافية ورياضية جامعة، ودعم برامج العمل التطوعي، والمناظرات، والمسرح التفاعلي، إذ تثبت الخبرات الدولية أن هذه الأنشطة العابرة للهويات الفرعية تنجح في تفكيك الأحكام المسبقة وبناء الثقة المتبادلة.
لتحقيق هذه الحلول، شدد الدكتور بيطار على تحديد المسؤوليات التشاركية وتكاملها مؤسسيًا، إذ تشغل الحكومة الدور الأساسي عبر صياغة السياسات العامة الحمائية، وتطوير قطاعي الرعاية الاجتماعية والتعليم.
بينما يتولى المجتمع المحلي ترميم العلاقات الاجتماعية، وتدير المنظمات المدنية منصات الحوار، ليكون الشباب شركاء فاعلين في التنفيذ لا مجرد مستهدفين بالخطط.
ويخلص بيطار إلى أن النزاعات لا تنتهي رسميًا بوقف إطلاق النار، بل عندما يتعلم المجتمع كيف يختلف أفراده دون خوف في فضاء وطني مشترك.
بناء على ذلك، فإن الرهان اليوم لا يقوم على إسكات الأصوات الغاضبة، بل على معالجة الأسباب الهيكلية والنفسية التي جعلت الغضب يبدو لبعض الشباب اللغة الوحيدة المتاحة للتعبير عن أنفسهم.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى