قمح الجزيرة السورية أمام تحدي الجودة.. إجراءات لإنتاج البذار

تسلم القمح في صوامع الحسكة - 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

camera iconتسلم القمح في صوامع الحسكة - 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

تواجه زراعة القمح في الجزيرة السورية تحديات تتعلق بجودة البذار ونقاوته وتعدد الأصناف المتداولة في الأسواق، بالتزامن مع مخاوف من انتشار بعض الأمراض والآفات التي قد تؤثر في إنتاجية المحصول خلال الموسم المقبل.

وتتركز المخاوف التي تحدث عنها مختصون وتجار في محافظة الحسكة، لعنب بلدي، حول خلط أصناف القمح القاسي والطري، وتداول بذار غير مطابق للمواصفات، إلى جانب ما وصفوه بتراجع جودة بعض البذار المتداول في الأسواق، في وقت تقول المؤسسة العامة لإكثار البذار إن خطتها للموسم الزراعي 2026-2027 تتضمن تخصيص بذار محلي معتمد لمحافظات الحسكة والرقة ودير الزور، وفق “الخارطة الصنفية” المعتمدة من قبل البحوث العلمية الزراعية.

وقال المهندس الزراعي حسن حمدي، لعنب بلدي، إن الجزيرة السورية لطالما اعتمدت أسلوب “الخريطة الصنفية الصارمة”، التي تحدد سلالات القمح القاسي والطري الملائمة لكل منطقة استقرار زراعي، من الأولى حتى الثالثة، استنادًا إلى معدلات الأمطار وخصائص التربة الطينية.

وبحسب حمدي، يواجه القطاع الزراعي حاليًا خطرًا يتعلق بـ”غياب نقاوة البذار الموزع، وتأخر التجديد الوراثي للأصناف”، بالتوازي مع تنامي هجمات الآفات الفطرية والديدان النيماتودية.

خلط الأصناف يهدد تجانس الحقول

أوضح حمدي أن خلط قمح الخبز، وهو القمح الطري المخصص للطحين، مع القمح القاسي المخصص للبرغل والمعكرونة، يؤدي إلى عدم تجانس الحقل في مواعيد الإنبات وطول النبات وفترات النضج الفسيولوجي.

وأضاف أن سلامة المحصول تعتمد كذلك على جودة التعقيم الكيميائي للبذار ضد الأمراض الكامنة، مشيرًا إلى وجود قصور، خلال الموسم الحالي، في آليات الغربلة الطاردة لبذور الأعشاب الضارة والشوائب.

وحذر من رصد حالات إصابة بـ”نيماتودا ثآليل القمح” في بعض العينات الموجودة محليًا وغير الخاضعة، بحسب قوله، للرقابة المخبرية الدقيقة، إلى جانب وجود أبواغ مرض التفحم الشائع والسائب.

وبحسب حمدي، فإن زراعة بذار ملوث بهذه الأبواغ دون معاملة فطرية مركزة باستخدام مبيدات جهازية مثل “التيبوكونازول”، تسمح للفطريات بالتحرك داخليًا مع نمو النبات، لتستبدل الحبوب السليمة بكتل مسحوقة سوداء من الأبواغ عند مرحلة الطرد، الأمر الذي “يدمر القيمة التسويقية للمحصول”.

ويربط حمدي جانبًا من المخاطر التي تواجه زراعة القمح بالتغيرات المناخية، إذ أدى، بحسب وصفه، التذبذب الحاد في درجات الحرارة والرطوبة النسبية في الجزيرة، مع تأخر الأمطار ثم تركزها ووجود دفء نسبي في الربيع، إلى تهيئة بيئة مناسبة لانتشار مرض الصدأ الأصفر الفطري.

وأشار إلى أن الأصناف الموجودة في الجزيرة حاليًا فقدت تدريجيًا “المقاومة الوراثية”، نتيجة عدم كسر دورة مسببات الأمراض عبر دورات زراعية علمية، في ظل عزوف عدد من المزارعين، بحسب قوله، عن التناوب مع البقوليات والاستمرار في زراعة القمح سنة بعد أخرى.

كما لفت إلى أن الرطوبة الأرضية العالية المصاحبة للدفء المفاجئ تنشط فطريات التربة مثل “Fusarium” و”Pythium”، التي تسبب أعفان الجذور وموت البادرات، ما يؤدي إلى ضعف الكثافة النباتية في المتر المربع الواحد.

بذار مختلط وأصناف متعددة

من جهته، قال أحمد الملا علي، أحد تجار القمح في سوق الحسكة للحبوب، لعنب بلدي، إن أسواق القمح في الجزيرة تشهد انتشار كميات من القمح المختلط الأصناف وتراجعًا في نقاوة البذار.

وأضاف أن جزءًا كبيرًا من البذار المتاح للمزارعين حاليًا يعاني من “الخلط الصنفي”، مشيرًا إلى أن القمح المنتشر يفتقر في كثير من الأحيان إلى الصفات الوراثية النقية التي تميز سلالات سورية مثل “شام 3″ و”شام 7” و”دوما”، إلى جانب حدوث خلط بين القمح القاسي والطري.

وأشار الملا علي إلى انتشار أصناف عديدة في الأسواق جرى استيرادها عبر تجار من خارج البلاد، ومنها القمح الألماني والفرنسي والأوكراني والكندي والأمريكي، وقال إن جودة البذار تختلف بين هذه الأصناف.

وبحسب الملا علي، فإن إنتاج “البذار الأمهات” يكون جيدًا جدًا، لكنه يبدأ بالتراجع مع “البذار الأبناء”، مضيفًا أن جودة الصنف وكميات إنتاجه تنخفض مع كل دورة إنتاج جديدة للصنف ذاته.

وتحدث التاجر عن تجربة واجهها مزارعون خلال العام الماضي، إذ قال إن عددًا منهم حصلوا على بذار قمح لم ينبت، مرجحًا أن يكون السبب، بحسب تقديره، قدم البذار وفقدانه فاعلية الإبذار وجفافه بشكل كامل.

الوزارة: لجان لفحص الحقول وإنتاج البذار

في المقابل، أوضحت وزارة الزراعة، عبر مدير الإنتاج في المؤسسة العامة لإكثار البذار، ياسر أبرص، لعنب بلدي، أن الوزارة اتخذت إجراءات لفحص حقول القمح المتعاقد عليها مع المزارعين في محافظتي الرقة ودير الزور، وأن العملية جرت من خلال لجنة مركزية ضمت البحوث العلمية الزراعية ووزارة الزراعة والمؤسسة العامة لإكثار البذار.

وقال أبرص، “قامت وزارة الزراعة بتشكيل لجنة مركزية من البحوث العلمية الزراعية ووزارة الزراعة والمؤسسة العامة لإكثار البذار للكشف على حقول القمح المتعاقد عليها مع المزارعين في محافظتي (الرقة ودير الزور) مع “قسد”، حيث تم تقييم الحقول وقبول المطابق منها للمواصفات المورفولوجية للأصناف المحلية المعتمدة من قبل البحوث العلمية الزراعية ورفض كافة الحقول المزروعة بأصناف غير معتمدة أو مخالفة لمواصفات الأصناف المحلية المعتمدة”.

وقامت بعد ذلك المؤسسة العامة لإكثار البذار، وفق أبرص، بمتابعة الحقول المقبولة من قبل اللجنة المركزية والإشراف عليها حتى الحصاد وتسلم البذار من المزارعين بعد إجراء كافة التحاليل المطلوبة من قبل المؤسسة ومطابقتها للمواصفات من حيث النقاوة الصنفية ونسب الإنبات والشوائب.

وتشير المؤسسة بذلك إلى أن المتابعة لم تقتصر على مرحلة الكشف الأولي على الحقول، وإنما استمرت، بحسب التصريحات، حتى مرحلة الحصاد وتسلم البذار، مع إجراء التحاليل المطلوبة للتحقق من النقاوة الصنفية ونسب الإنبات والشوائب.

وفيما يتعلق بالبيانات المتوفرة عن المزارعين والحقول التي كانت متعاقدة مع “قسد”، أوضح أبرص أن المؤسسة حصلت على بيانات هؤلاء المزارعين لمتابعة الحقول التي قبلتها اللجنة المركزية.

وقال، “حصلت المؤسسة العامة لإكثار البذار على بيانات للمزارعين المتعاقدين مع (قسد) وذلك لمتابعة حقولهم المقبولة من قبل اللجنة المركزية حيث تابعت هذه الحقول حتى الحصاد وتسلم الإنتاج المقبول وفق الشروط المحددة في قرار الشراء الصادر عن المؤسسة.”

بذار محلي معتمد للمناطق الثلاث

وبالتوازي مع الحديث عن واقع البذار المتداول، وضعت المؤسسة العامة لإكثار البذار خطة لإنتاج بذار القمح على مستوى سوريا، تتضمن تخصيص جزء منها لمحافظات الحسكة والرقة ودير الزور.

وقال أبرص، “وضعت المؤسسة الخطة الإنتاجية لبذار القمح على مستوى سوريا وتم تخصيص جزء من هذه الخطة للزراعة في محافظة الحسكة والرقة ودير الزور. وتم تخصيص كمية من البذار المحلي المعتمد لزراعته في هذه المناطق حسب قرار اعتماد هذه الأصناف وتوزعها وفق الخارطة الصنفية المعتمدة من قبل البحوث العلمية الزراعية”.

وتأتي الإشارة إلى “الخارطة الصنفية” في إجابة المؤسسة بشأن سياق تحديد الأصناف التي ستزرع في المناطق المستهدفة، إذ تربط المؤسسة توزيع البذار المعتمد بقرار اعتماد الأصناف وبالخارطة الصنفية التي تضعها البحوث العلمية الزراعية.

أما بالنسبة إلى الفحوص التي خضع لها البذار، فأوضح أبرص أن المؤسسة أجرت الاختبارات المحددة في قرار الشراء ضمن مختبرات الجودة التابعة لها.

وقال، “تم إجراء كافة الاختبارات المحدد في قرار الشراء الصادر عن المؤسسة العامة لإكثار البذار ضمن مختبرات الجودة التابعة للمؤسسة.”

متابعة الإنتاج المطابق

وفي سياق الحديث عن البذار الموجود والحقول التي دخلت في دورة إنتاج البذار، أوضح أبرص أن المؤسسة تابعت جميع حقول المزارعين المتعاقدين معها، وأنها قبلت الإنتاج الذي يطابق المواصفات بعد إجراء الاختبارات اللازمة.

وقال، “تابعت المؤسسة كافة حقول المزارعين المتعاقدين وقبول الإنتاج المطابق للمواصفات المحددة من قبل المؤسسة بعد إجراء كافة الاختبارات اللازمة عليها”.

وتتزامن هذه الإجراءات مع المخاوف التي طرحها المهندس الزراعي حسن حمدي بشأن الأمراض والآفات المحمولة بالبذار، ومنها نيماتودا ثآليل القمح والتفحم، إضافة إلى ما تحدث عنه تاجر القمح أحمد الملا علي بشأن الخلط الصنفي وتداول بذار متفاوت الجودة في الأسواق.

غرابيل حديثة خلال الموسم المقبل

فيما يتعلق بالإجراءات التي تستعد المؤسسة لتنفيذها خلال الموسم الزراعي 2026-2027 لتحسين جودة البذار ونقاوته، تحدث أبرص عن استمرار العمل على تأمين بذار نقي، وإجراء الاختبارات، ورفض البذار غير المطابق، إلى جانب توسيع العمل في مجال الغربلة.

وقال، “تعمل المؤسسة دائما على تأمين بذار نقي بمواصفات جودة عالية للمزارعين من خلال التعاقد معهم وإجراء كافة الاختبارات التي تضمن جودة هذه البذار ورفض البذار غير المطابق للمواصفات المطلوبة، وتسعى المؤسسة لتوسيع العمل من خلال إنشاء غرابيل حديثة في كافة المحافظات لتحسين نقاوة البذار النوعية وتشكيل لجان فنية من أجل العمل على تغطية كافة الحقول في المناطق المتعاقد عليها واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة ضمان جودة ونقاوة البذار وذلك خلال الموسم 2026-2027”

وبحسب المؤسسة، فإن إنشاء الغرابيل الحديثة وتشكيل اللجان الفنية يأتي ضمن الإجراءات التي ستنفذ خلال الموسم المقبل بهدف تغطية الحقول المتعاقد عليها واتخاذ الإجراءات المتعلقة بجودة ونقاوة البذار.

خطة لإكثار القمح في الحسكة والرقة ودير الزور

وفي الإطار نفسه، وضعت المؤسسة خطة إنتاجية لإكثار بذار القمح خلال الموسم الزراعي 2026-2027، تشمل محافظات الحسكة والرقة ودير الزور.

وقال أبرص، “تم وضع خطة إنتاجية لإكثار بذار القمح خلال الموسم 2026-2027 تضمنت محافظات الحسكة والرقة ودير الزور سيتم تنفيذها خلال الموسم الحالي”.

وتأتي الخطة الحكومية لإنتاج وإكثار البذار في وقت يطرح فيه مختصون وتجار في الحسكة مسائل تتعلق بجودة البذار المتداول، بما فيها خلط الأصناف والقمح القاسي بالطري، وتداول بذار مستورد أو قديم، إلى جانب مخاوف من الأمراض والآفات المحمولة بالبذار.

ويعد القمح من المحاصيل الأساسية في الجزيرة السورية، فيما ترتبط جودة البذار بمراحل متعددة تبدأ باختيار الصنف وإكثاره، ولا تنتهي عند توزيعه على المزارعين، بل تشمل الفحص والغربلة والتخزين والتأكد من مطابقته للمواصفات قبل استخدامه في الموسم الزراعي.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة