جولة في الإعلام الرسمي "أحب أن أتأكد من صحة خياري في المشاركة بالثورة"

ما الذي تغيّر في وسائل إعلام النظام السوري بعد سبع سنوات؟ 

ما الذي تغيّر في وسائل إعلام النظام السوري بعد سبع سنوات؟ 

عنب بلدي عنب بلدي
CRISIS-SYRIA-BLAST.jpg

الإعلام الرسمي في تغطية لتفجيرات القصر العدلي في دمشق - 15 آذار 2017 (إنترنت)

عنب بلدي – حنين النقري

في الذكرى السنوية للثورة السوريّة، ومع تزايد عدّاد سنواتها، يحلو للكثيرين سواء من مؤيدي النظام أو معارضي الثورة أن يدلّلوا على ما جناه السوريون الثوريّون على أنفسهم، وأيّ جحيم حصلوا عليه مقابل التفريط بـ “الجنة” التي كانوا فيها يعيشون.

ولعلّ أحدًا لا يختلف على سوء الأحوال الراهنة في مختلف أماكن سوريا بعد أن حُرّفت الثورة عن مسارها وأُقحمت في حرب دولية، لكن هل كان السوريون يعيشون في الفردوس فيما مضى؟ تكفينا جولة على وسائل إعلام النظام اليوم لنجد الإجابة، فما ثار عليه السوريون في الأمس، مازال مستمرًا حتى اللحظة، دون أيّ تغيير.

إعلان

في هذا التقرير، تستطلع عنب بلدي في جولة على مواقع إعلام النظام السوري الحكومية، وقنواته الفضائية، وصحفه الرسمية، الخطاب الإعلاميّ للنظام في الذكرى السابعة للثورة، في محاولة لاستقراء التغييرات، والبحث عن إجابة لسؤال، هل تغيّرت سياسة التجهيل والصوت الواحد؟

غسيل قذر

يمكن بسهولة لمتصفح مواقع إعلام النظام السوريّ الحكوميّة، والمطلع على ما تنشره من مقالات ومواد صحفية، أن يتوصل لنتيجة مفادها استمرار تجريم وتخوين من يخالف النظام، وعدم قبول أي تيارات مختلفة، والتعبير عن ذلك باستخدام كلمات مسيئة، كتلك التي امتلأ بها مقال بسام هاشم رقم 46 من العدد 15789 من صحيفة البعث، الناطقة باسم الحزب، والمنشور في 16 آذار الجاري بمناسبة ذكرى “الأزمة” السابعة، من قبيل “الأفاقين”، “فقاعات صغيرة”، “التكالب على الحظوة”، “السطو المتبادل على الكراسي”، وفيه وصف المعارضة بأنها “معارضة مأزومة مشتتة المنصات متضاربة الولاءات ساقطة أخلاقيًا في قرارها للأجنبي”.

ولعلّ أسوأ ما في المقال هو خاتمته التي استهان فيها بمأساة ملايين المهجرين، ومئات آلاف الشهداء والمعتقلين، باعتبارهم قذارة تطهرت منها سوريا حسب تعبيره، “سبع سنوات نظّفت فيها سورية غسيلها القذر، وليس عليها بعد الآن إلا أن تجتاز مطهر إعادة البناء”.

لا يختلف ما كُتب في المقال المذكور أعلاه عن مجمل ما يُكتب في الجرائد الرسمية، بل يُعتبر مثالًا نموذجيًا عن اللغة والأفكار السائدين فيها، ويكفي اطلاع على العناوين العريضة في جرائد الثورة وتشرين البعث للتأكد من ذلك.

تربية كلاب الهاسكي!

أما فضائيات النظام فليست بأحسن حالًا، إذ تتراوح برامجها ما بين التجييش والتخوين، والتجهيل على الجانب المقابل، في انفصال تامّ عمّا يعيشه السوريون من هموم وتحديات، كتخصيص برنامج يتحدث عن فوائد القراءة ومواهب العزف الشابة في وقت تشتدّ فيه الحملة العسكرية على حلب، أو الحديث عن تربية الحيوانات المنزلية الأليفة في حين يعجز معظم السوريين عن تأمين قوت أولادهم.

ومن ذلك ما ورد في حلقة لبرنامج شباب.Com المعروض على الفضائية السورية، وفيه تنتقل المقدّمة ما بين إطعام كلاب الهاسكي للبطيخ، وممارسة الكلاب للرياضة، إضافة لكيفية تنظيم ركن خاص للكلاب في المنازل يؤمن لها الدفء بإعادة تدوير ملابس قديمة، في الوقت الذي تعتبر فيه “البالة” والملابس القديمة مصدر كساء أكثر من نصف الشعب السوري في الداخل.

والغريب أن هذه الفقرة المخصصة للاهتمام بالكلاب وتربيتها كانت في برنامج أُذيع بعد تفجيري قصر العدل والربوة العنيفين في دمشق بيوم واحد.

أبو علي: طفلهم يقاتل ضدنا

ولئن كان الانفصال عن الواقع سمة لصيقة بالتلفزيون السوري وقنواته منذ بدء بثّه، فإن التجييش على من ثار من الشعب صار جزءًا لا يتجزأ من برامجه منذ ست سنوات، حشد المشاعر ضدّ من خربوا البلاد وأمراء الحرب فيها، وحثّ المزيد من الشباب على المشاركة في حربهم على السوريين عبر إعلانات التطويع ومزاياه، والإبلاغات للالتحاق بالجيش عن طريق الصحف، واللغة العنيفة والمشبعة بالرغبة بالقضاء على الآخر “قبل أن يقضي علينا”.

يتم إيصال هذه اللغة عبر قصص التضحية والفداء من عائلات الساحل السوريّ، كعائلة المقاتل أبو علي الذي يتحدث في برنامج “سوا ورح نبقى سوا” عن “مشاركة” أبنائه الثلاثة في القتال معه، يقول في الدقيقة السادسة “سألني ابني خضر، قلي كيف لقيت الحروب، قلتلو بابا طفلهم عم يقاتل معهم، مشايخهم عم تقاتل معهم وعم تحرضهم على دبحنا، ما عم يفرقو بين مسلم ولا بين مسيحي نهائيًا… ما فينا إذا ما رحنا كلياتنا أنا وإنت وجاري والكل.. مننطرهم ليجو لبيوتنا مثلًا.. أكيد لأ!”.

وهكذا، يصبح الطفل ندًا شرعيًّا لأبي علي وأبنائه، الذي يروي بفخر بطولاته في الغوطة الشرقيّة وحماة، ضد الإرهابيين.

من يتابع الإعلام السوري؟

تقتصر متابعة السيدة هيفاء، ربة منزل من حمص، على الفضائيات العربية، وتضيف “على الأقل تقدّم المسلسلات فيها بمواعيد دقيقة، الأخبار تحمل مصداقية أكبر، انقطعنا عن مشاهدة القنوات السورية منذ بدأت الثورة وحتى اليوم، ولا أعرف أحدًا من قريباتي أو جاراتي يتابع برامجها، أشاهدها فقط حينما أرغب بالتأكد من وجود عطلة رسمية بسبب سوء الأحوال الجوية، أو معرفة بداية رمضان والعيد”.

لدى سؤالنا السيدة هيفاء عن قراءة الصحف ضحكت مطولًا، وقالت “من يوم يومنا نعرف أنه لا أحد يقرأ الجرائد إلا الموظفين بغرض حل الكلمات المتقاطعة، كما توصي ربات البيوت عليها عادة لتنظيف الزجاج… عندما اشتدت الأوضاع الأمنية على حمص صار لدينا أزمة جرائد إذ توقفوا عن بيعها، لكننا استخدمنا الجرائد القديمة للتنظيف”.

ولئن كانت السيدة هيفاء تتابع القنوات الإخبارية العربية، فإنّ الحال بالنسبة للسيدة (ح.ل) من دمشق مختلف تمامًا، تقول “أعرف أن إعلامنا يقلب الحقائق، من الصعب عليّ أن أقرأ كلمة إرهابيين عن أهل الغوطة الذين عشت بينهم، لكنني مجبورة على متابعة قنوات النظام الإخبارية بسبب موقع بيتي، نحن وفرع الخطيب جيران، وزياراتهم لنا متكررة، حياتنا مراقبة بشكل كامل، لذا لا نجرؤ حتى على توليف القنوات الإخبارية (المغرضة) على تلفازنا، وهكذا صارت القنوات الرسمية مصدر الأخبار بالنسبة لنا، والحال مشابه بالنسبة لزوجي في دكانه حيث يعمل”.

مهندس يتأكد من صحة خياراته

أما المهندس رامي من حماة، فله دافع آخر لمتابعة وتفقّد برامج التلفاز السوري ومواقع صحفه من حين لآخر، يقول “أحب أن أتأكد من صحة خياري عندما شاركت بالثورة على النظام كل فترة، وذلك عبر التقليب بين محطاته التلفزيونية، الغريب أن شيئًا لم يتغير إلا للأسوأ، النظام لديه عنجهية واضحة بأن الشعب لا يستأهل ما هو أفضل، وهو نفسه لا يعطي السوريين فرصة للشعور بالندم أو الإحساس بأنه قد يكون أفضل مما ظنوا”.

ويشير رامي إلى أن الأمر لا يرتبط فقط بالفقرات الإخبارية والبرامج السياسية، وإنما يمتد للبرامج والفقرات الترفيهية، يشرح “هل يمكن تخيل أن برامج المنوعات السورية صارت عبارة عن مقاطع يوتيوب قديمة وتعليق سخيف من المذيعين عليها؟ هل يمكن أن تكون البرامج فارغة لهذا الحد”.

أما عن الجرائد، فيقول “عندما كان ثمنها خمس ليرات لم يكن يشتريها أحد، فكيف عندما أصبحت الجريدة بـ 25 ليرة، أتصفح أحيانًا مواقع الجرائد الرسمية، في الواقع يكون ذلك عندما أرغب بقليل من الضحك”.


Top