الكرة السورية في الملعب الأمريكي

الكرة السورية في الملعب الأمريكي

عنب بلدي عنب بلدي

حذام زهور عدي

مؤتمرات واجتماعات وأمم متحدة ومجلس أمن وتصريحات من هنا وهناك، تتلقفها النفوس العطشى إلى بصيص أمل بعد السنوات الست العجاف، متلهّفين للسنة السابعة علّها تحمل بشرى الأمطار وسنابل القمح التي يُعجب الزّراع منظرها، لكنّ الحصاد دائمًا هشيم، والجواب من العارفين ببواطن الأمور: لم ينضج الحل بعد…

يبدو أن الحل لن ينضج في المدى المنظور، والأسباب متعددة، لكن واحدًا منها قد يكون في هذه الأيام أكثر أهمية من البقية، إذ لا بد منه لإنضاج الحل” المعجزة”،

إعلان

بدايةً: إن أي حلّ يلوح بالأفق هو حلٌ ليس في صالح الشعب السوري، وقد لا يحقق من أهداف ثورته إلا أقل من القليل، ربما وقف القصف الجوي مع استمرار الاقتتال الأرضي. ولكن لماذا يحدث كل هذا ومن وراءه؟

بالتأكيد، عبارة “لم ينضج الحل بعد” تعني أن القرار ليس سوريًا، وأن القوى صاحبة القرار لم تتفق بعد على تقاسم النفوذ، ليس في سوريا فقط وإنما على كافة المستويات العالمية، ويبدو أن سوريا هي عتلة الوضع العالمي الذي فيه يتخاصمون.

كما يبدو أن عدم وضوح ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها الجديد من العالم لم يتبلور بعد، وبالتالي لم تعمل المؤسسات الأمريكية على تحويله إلى التنفيذ.

الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تعيش حالة فوضى حقيقية، والسبب الأساسي ليس فقط شخصية ترامب، الغريبة على المشهد السياسي الأمريكي، ونقص خبرته بالإدارة السياسية عامة، وإدارة دولة عظمى كانت إلى وقت قريب القطب الأوحد المنظم لشؤون العالم خاصة، بل بسبب الإرث الأوبامي الذي تمثل بالانسحاب من الشرق الأوسط ثم العودة إليه، من بوابة الحرب على داعش، والذي سبب أضرارًا غير قليلة للثورة السورية، وسمح للبراغماتية الروسية أن توظفه بحده الأقصى، فكانت التصريحات الروسية تتحدث بصوت مرتفع عن قبول الولايات المتحدة أعمالها السورية، موحية أن كل ما تفعله بها هو من خلال التنسيق معها، بينما الخارجية الأمريكية تكاد تهمس همسًا بأن خلافًا بينهما لا يزال موجودًا حول كيفية حل “الأزمة” السورية كما يراها الطرفان، هذا عدا عن التسارع في ترتيب روسيا وحليفتها إيران أوراقهما، سنة الانتخابات الأمريكية، التي تميزت بعجز الإدارة الأمريكية عن اتخاذ موقف صارم وواضح تجاه ما يحدث من جرائم بشرية، ترقى بما لا يدع مجالًا للشك إلى جرائم حرب، وكان على أمريكا أن تقود المجتمع الدولي لمحاسبة أصحابها وإنزال العقاب المناسب بهم.

واليوم وبعد أن انتهت الانتخابات وتولى الرئيس الجديد المسؤولية مازال الغموض يكتنف السياسة الأمريكية، ومازالت البراغماتية الروسية وديماغوجيتها تستغل الوضع لترتيب مصالحها على حساب كوارث الشعب السوري، والملاحظ أن أمرين اثنين فقط يتضحان شيئًا فشيئًا من السياسة الأمريكية بمواجهة الحلول المطروحة لسوريا:

أولهما: إبعاد إيران عن الحدود الإسرائيلية، وفق طلب نتنياهو.

وثانيهما: احتضان شكلٍ من أشكال الاستقلالية الكردية في شمال سوريا، ولعلها المنطقة الآمنة التي تحدث عنها ترامب، أسوة بمنطقة كردستان العراق التي بقيت مدة عشر سنوات، أو تزيد، محميةً من قوى التحالف الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة، التي كانت تمنع اقتراب أي نشاط عسكري معادٍ منها.

والحقيقة أن الموقفين السابقين لا يستفزان المصالح الروسية أو يؤثران سلبًا عليها، ولذا فإن الصوت الأمريكي فيهما واضح دون اعتراض روسي عليه.

وبالرغم من شبه الاتفاق السابق، فإن روسيا لا تستعجل إخراج إيران قبل التوصل إلى حلٍ نهائي مُرضٍ إلى حدٍ ما، فهي لا تُريد خسارة أو صدامًا معها وبينهما تحالف استراتيجي، بينما تختلف أمريكا في سرعة إنجاز ذاك الهدف ليس ترضية لإسرائيل فقط، وإنما لدول الخليج أيضًا ليقبض ترامب ثمنه منهم ماليًا، ومن الإسرائيليين دعمًا سياسيًا وإعلاميًا.

أما تعقيدات الوضع السوري الأخرى وعلى رأسها الغاز والنفط وما يتبعهما من ثروات طبيعية مسكوتٍ عنها، فلا يزال الاتفاق على تقاسمها في علم الغيب، لكن الملاحظ أن تسارعًا غريبًا روسيًا قد يصل إلى درجة اللهاث لإيجاد حلٍ ما للوضع السوري، من الصعب أن يُفسّر بالحرص الإنساني على المأساة الإنسانية السورية، والقذائف الروسية المحرمة دوليًا ماتزال تحصد السوريين بوحشية بعيدة كل البعد عن الغاية الإنسانية.

كذلك من الصعب فهم ذلك التسارع من خلال استعجالها الخروج من المستنقع السوري، لسبب بسيط أن الوضع السوري لم يسبب لها إلى الآن أي مستنقع، فسلطة الأمر الواقع السوري أطلقت يدها تعبث ماتشاء في سوريا، وجيشها جوًا وبحرًا له الحرية المطلقة في فعل ما يراه مناسبًا، وهو آمن من أي رد فعلٍ عسكري، مطمئنٌ إلى أن السلاح الذي يُحول الأمر إلى مستنقعٍ ممنوع على الشعب السوري، وهي مستفيدة اقتصاديًا، تقبض أثمان خردة جيشها نقدًا من بترول إيران والعراق، ومساومات دول الخليج، عدا عن الأرباح السياسية في الخارطة الدولية.

إذن ماذا يُمكن أن يكون وراء ذلك التسارع؟

هل هو الاطمئنان إلى ما وصلت إليه من سيطرة على القرار السوري، فلا أحد سينافسها عليه مستقبلًا؟

أم الإقرار بدورها الكوني في النظام العالمي الجديد ذي الأقطاب المتعددة، والذي حققه بوتين من خلال الوضع السوري، ولايريد خسارته مجددًا؟

أم استغلال اضطراب الإدارة الأمريكية قبل أن تصحو وتعيد النظر في ترتيب أوراقها المتوسطية؟

قد أجد مبررًا مقنعًا إلى حدٍ ما في الافتراض الثالث، وأرى أن ما يحدث من تسريبات للتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية ليس من صنع الحزب الديمقراطي الخاسر فقط، كما تتهمه الإدارة الترامبية، ولا بسبب شخصية ترامب، إنما يلوح لي شبح بوتين ذي البعد الأمني وراء ذلك، وكأنه يقصد تلك التسريبات وتقوم أجهزته بها لبث الفوضى في الإدارة الأمريكية أكبر وقت ممكن، وبالتالي يسمح الزمن بترتيب زعامته العالمية المقبلة، ولأنه يعلم تمام العلم أن هذه المسألة مهما طالت يبقى وقتها محدودًا يتسارع اليوم في فرض الحل السوري –عتلة زعامته- قبل أن يتبلور موقف أمريكي ينافسه.

وما يجعل ملامح هذا الافتراض مقبولًا هو الاستقالات المتتالية لأصحاب مراكز مهمة كمايكل فلين، مستشار الأمن القومي، ثم المدعي العام جيف سيشونز، ثم الصهر جاردكو، واتهام الروس للأمريكيين بتسميم تشوركين، مندوب روسيا في الأمم المتحدة للتخلص من شاهد كبير قد يكون له علاقة ما بتلك التسريبات.

ومن يدري ماذا تخبيء جعبة بوتن بعد؟ فما تزال التسريبات مستمرة، تعرقل استقرار السياسة الأمريكية.

لكنّ سؤالًا آخر يطرح نفسه هنا، هل سيسمح توازن القوى الدولية لبوتن بأن يمضي بلعبته حتى النهاية؟ وهل يستطيع أن يفرض الحل المهترئ على الشعب السوري ويشطب تضحياته ووجوده بألاعيبه؟

والأهم هل ستطول غيبة أمريكا عن الساحة، فلا تنسيق لها مع بوتين ولا عرقلة أو منعًا من تنفيذ أحلامه الإمبراطورية عبر سوريا؟

كرة الحل السوري اليوم تنتظر ركلة الجزاء الأمريكية في الشباك السورية- الروسية، وبانتظارها تدخل الكارثة السورية عامها السابع وتجري دماء السوريين أنهارًا…


Top