سوريا ماتزال تختنق

سوريا ماتزال تختنق

عنب بلدي عنب بلدي

إبراهيم العلوش

كان من المقرر أن يمر أهالي الزبداني ومضايا صباح الثلاثاء، 4 نيسان 2017، من خان شيخون، وهم يعبرون إلى الشمال السوري، وبعدها ربما إلى منافي العالم المجهولة، وكان من الممكن أن تصيبهم الطائرات التي قصفت خان شيخون بالكيماوي، لولا أن النظام قد بكّر بالقصف وقتل 100 شهيد من الأطفال والنساء والرجال قبل السابعة صباحًا.

وأغارت الطائرات من جديد على المستشفى الذي كان يسعف المصابين وقصفته في حقد طائفي اتسم به سلاح الجو الأسدي ومخابراته، التي بناها حافظ الأسد بيديه البارعتين بالتصفيات، والتي لم يسلم منها حتى شريكه في بناء الجيش الطائفي صلاح جديد، لكن قدر أهالي الريف الدمشقي المرُحّلين ألا يحضروا المقتلة الجديدة، وأن يتم الاكتفاء بخنقهم وهم أحياء في مناف تمزقهم بالحنين.

لعل النظام السوري كان مستعجلًا ومغاليًا في مواساة بوتين، في حادث مترو سانت بترسبورغ الشنيع، حيث تتجه الأنظار إلى بوتين نفسه بالاتهام في محاولة منه لإرعاب معارضيه، خاصة وأن له سوابق في احتقار البشر من مواطنيه عندما قتل في 23 تشرين الأول 2002، جمهور المسرح الموسكوفي كله، من أجل بضعة إرهابيين كان من الممكن القبض عليهم، بدلًا من قتل الجمهور معهم بالغازات الكيماوية، وقد تكون نفس الغازات التي استعملها طيران الأسد في قصف خان شيخون.

أو أن النظام كان كثير الابتهاج بتصريحات الإدارة الأمريكية الجديدة، قبل القصف بعدة أيام، التي استبعدت تركيزها على مصير النظام ورأسه الذي يرتكب الجرائم في سوريا، وأمل النظام بتجديد العهود والمواثيق الأوبامية التي كلفت الشعب السوري مئات ألوف الضحايا، والجرحى، وملايين اللاجئين والنازحين.

فالرئيس الأمريكي السابق أوباما حامل جائزة نوبل للسلام والخط الأحمر للقتل الجماعي، أعطى النظام مشروعية القتل، وتراجع عن تهديداته بتطبيق القانون الدولي ضد النظام إذا استعمل الكيماوي في قصف شعبه، غافرًا له كل أنواع القصف الأخرى ما تقدم منها وما تأخر.

بعد الحلقة الأولى للقصف الكيماوي على الغوطة في 21 آب 2013، تعهّد النظام بإزالة الأسلحة الكيماوية وبإشراف الروس، ما أبهج الحكومة الإسرائيلية الملاك الحارس لنظام القتل، ولحامي حدودها طوال العقود السابقة، واستمتعت بمتابعة المجازر السورية على أيدي النظام، في “أوشفتز” مفتوح يثير شهية حكومات العالم الاستبدادية التي تتمنى أن تحظى بمثل هذا التسامح الدولي ضد شعوبها، وهذا السخاء الروسي في عدد الفيتوهات التي تحمي القتل وتحصّنه من أي محاسبة، بحجة عدم وجود أدلة خطية وموثقة، تثبت أن النظام هو من يقوم بكل هذه المذابح، رغم أن مناظر طائراته وصواريخه وقطعان شبيحته تفقأ عيون الأقمار الصناعية ليل نهار!

ومثل كل مرة بعد القصف، سمعنا التبرير الروسي للنظام بأن مصانع للذخيرة الكيماوية تصنع في خان شيخون، وتصدّر إلى العراق على مسافة أكثر من ألف كيلومتر لاستخدامها هناك ضد الأمريكيين والإيرانيين المساكين.

ورغم أن بثينة شعبان لم تستطع أن تتحفنا حتى الآن بتصريح قوي، مثل تصريحها في 2013، عندما تفتقت قريحتها المخابراتية بتفسير لاستعمال السلاح الكيماوي ضد المدنيين، بأن المعارضة الإرهابية خطفت أطفال الساحل إلى الغوطة، وضربتهم بالكيماوي في عمل طائفي وهابي.

لكننا لن ننتظر مثل تلك التجليات لأن بثينة شعبان بلغت الكمال بعينه بعد تفسيرها الطائفي غير المسبوق، والذي صار يدرّس في كوريا الشمالية حتمًا، وفي بيلاروسيا وغيرها من قلاع الاستبداد والتنكيل بالبشر.

وكالعادة اجتمع مجلس الأمن بعد القصف الكيماوي، وبدأ المندوب الروسي يستغرب هذا الهجوم على النظام الوديع والطيب، مستلهمًا أقوال المحامي خلف الله في مسرحية عادل إمام الشهيرة شاهد ما شف حاجة!

لكن الأمر هذه المرة، لم يكن على نفس المنوال السابق، ولم ينفض بترضية الروس، فالأمريكيون اكتشفوا متأخرين خديعة الروس والنظام، بأن مخزون الأسلحة الكيماوية لم يتم الكشف عنه كاملًا، وهذا ما دفع نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي للتباكي على أطفال خان شيخون الذين اختنقوا بالغاز، في صحوة ضمير لم تعد مفاجئة، فحزب الله حتمًا قد تقاسم مع النظام ما تم إخفاؤه من المخزون الذي يقدره بعض الخبراء بكمية 200 طن من المواد والذخائر الكيماوية، وبدوره وزير الخارجية الأمريكي صرح بأن الروس إما متواطئون مع النظام بإخفاء الكميات غير المصرح بها، أو أنهم غير أكفاء للحفاظ على كلمتهم في ضمان النظام السوري الخالي من الأسلحة الكيماوية.

خمس دقائق من القصف الأمريكي ضد القاعدة الجوية التي انطلقت منها طائرات القصف الكيماوية في صباح السابع من نيسان، يوم ميلاد حزب البعث النازي، كانت كفيلة بتغيير موازين القوى، وتوجيه رسائل حازمة ضد الروس وضد الإيرانيين متعهدي الدمار والتخريب في سوريا، فالصواريخ والمدمرات الروسية، ونظام إس 400 الروسي خرسوا جميعًا، ولم ينبسوا بطلقة واحدة، فقد تم إنذار الروس لإبعاد خبرائهم عن أماكن القصف، وليشاهدوا بأعينهم أن الأرض السورية متحركة، ومن الممكن أن تبتلع أكبر قوة مهما بدت جبارة ومتكبرة وموغلة بالقتل.

الإيرانيون الذين سموا عملية قصف خان شيخون “قدس1” بدأوا يعتبون على الأمريكيين شركائهم في تدمير العراق، واعتبروا ذلك القصف عملًا منفردًا ومن جهة واحدة، معتبرين أنهم شركاء بالتدمير ليس مع الروس وحدهم، بل أيضًا مع الأمريكيين، خاصة وأن إدارة أوباما كانت تدلل “آيات الله” الذين ملأوا المنطقة خرابًا، لكن ما حصل من قصف في الدقائق الخمس، قرع جرس الخروج للإيرانيين ولحزب الله حتمًا، ليبقى الروس وصواريخهم وسفنهم وخبراؤهم في خدمة ما يتبقى لهم في المرحلة المقبلة!

لقد دخلت سوريا في مرحلة جديدة فهل ستكون أكثر قسوة من سابقتها، وتتطور الى صدامات دولية لا مصلحة لنا بها أبدًا؟ أم سيتوقف اختناق سوريا، ويعود إلينا أمل الوصول إلى حل سياسي خالٍ من الأسد، ومن قادته المتورطين بالدم السوري؟ حل يعيد توحيد البلاد، ويداوي جراحها، ويهزم الإرهاب فيها، ويبدأ بإعادة الإعمار.

لقد اختنقنا جميعًا.

مقالات متعلقة

  1. جولة في خان شيخون بعد الهجوم الكيماوي
  2. مركز الدفاع المدني في خان شيخون بإدلب بعد استهدافه
  3. الأسد يقصف خان شيخون بالأسلحة الكيماوية.. معظم الضحايا من الأطفال
  4. "حظر الأسلحة الكيميائية": فريقنا جاهز للتوجه إلى خان شيخون

Top
× الرئيسيةأخبار وتقاريراقتصادرأي وتحليلناسفي العمقملتيميديارياضةتكنولوجياثقافةصحافة غربيةسوريون في الخارجالنسخة الورقية