صكّ فئة الـ50 ليرة من جيوب المواطنين

ع ع ع

يونس الكريم

نشر البنك المركزي السورري على موقعه إعلانًا مفاده “نظرًا لاستكمال عقود الطباعة الخاصة بالعملة السورية، أصبح بإمكان حملة الفئات النقدية السورية التي لم تعد بحالة جيدة، التوجه إلى فروع المصارف في مختلف المحافظات لاستبدال الأوراق التالفة لديه من فئة 50- 100- 200، اعتبارًا من تاريخ 19 من أيلول 2018، للحصول على نقود بحالة جيدة، وعدنا لكم بأن يتم قبل نهاية العام الحالي أيضًا طرح فئة 50 ليرة سورية معدنية، وفق ما نصّ عليه القانون منذ عام 2009”.

وقد ترافق ذلك مع انتشار صور للعملة الجديدة من فئة 50 ليرة لدى شركات الصرافة وعلى موقع البنك المركزي، وهنا يتولد السؤال: هل يملك المركزي القدرة على تبديل الأموال من فئتي 100-200 ليرة؟ وهل تحويل الـ50 ليرة الورقية إلى معدنية تصرف نقدي صائب؟

للإجابة عن السؤال أعلاه لا بدّ من تقسيمه إلى قسمين:

فيما يخص الفئتين 100 و200

مصدر الطباعة: حتى الآن ما زال مصدر طباعة فئة الـ 100 ليرة والـ 200 ليرة مجهولًا، فلا توجد تسريبات حول مكان الطباعة، أو مواصفاتها، وفيما إذا كانت ذات الطباعات القديمة، أمّ أن هناك تغييرًا، وخاصة أنه من المعلوم أنه لا يوجد احتياطي لدى البنك المركزي من العملة لهاتين الفئتين، فقد استهلك كل الفئات وخاصة الفئات الصغيرة (200 وما دون) لكثرة التداول خلال سنوات الثورة، بعد أن رفضت النمسا استكمال طباعة الكميات المطلوبة من العملة، بسبب العقوبات الاقتصادية على نظام الأسد، وكثر تداول هذه المشكلة على مواقع التواصل الاجتماعي، كما لم تستطيع مطابع روسيا إصدارها، لأسباب تقنية، وقانونية، عدا أن كليشيهات العملة موجودة أصلًا لدى مطابع النمسا، لذا فإن توفر هذه العملة الآن يفتح سيناريوهات التوقع الآتية لمصادرها:

1- مصدر الخليج العربي، فقد عمل الخليج العربي، ممثلًا بالسعودية وقطر والإمارات، وعبر شركائهم في لبنان بالمضاربة على الليرة السورية بشرائها وطرح الدولار. وكان الهدف في البداية هو محاولة إسقاط النظام اقتصاديًا، كما صرّح نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، قدري جميل، آنذاك ليتغير المزاج بعدها إلى مساعدة النظام بشكلٍ خفيّ بالعملة الصعبة كي يستمرّ في محاربة “الجماعات الإرهابية” حسب التصنيف الخليجي، ثم إلى التغير الكليّ للخطاب الخليجي حاليًا من الأسد وبقائه.

2- من الأموال التي حصل عليها النّظام من المعارضة التي أجرت مصالحات، أو التي سلَّمت نفسها، فمع انحسار مناطق المعارضة، وخروجها إلى الشمال السوري، فإنّ الأموال من العملة السورية التي كانت لديها تمّ تحويلها إلى دولار أو ذهب، هذا بالنسبة لمن خرجوا إلى الشمال في عملية مقايضة، كون الشمال السوري يتعامل أكثر بالدولار، لميزات الدخول إلى تركيا، أو للعمل هناك، أضف إلى ذلك أموال الذين بقوا في مناطقهم ولم يُهجَّروا. وهذه الأموال جزء منها من العملة السورية التي تحتوي على فئتي 100-200، والتي عادت بطبيعة الحال إلى البنك المركزي.

3- طباعة العملة ولو جزئيًا في روسيا، كما حدث سابقًا مع الفئتين 500 و1000 ليرة، وهذه الطباعة ليست بجودة سابقتها الأوروبية، لكن تعطّش السوق للسيولة من فئتي 100 و200 كبديل للعملة المهترئة غير القابلة للتداول، ولأنّ روسيا باتت تحظى بقبول من حاضنة النظام، فإنّ هذه الطبعة ستلقى قبولًا على مضض، مع وجود المخاوف من التزوير فيها، بسبب ضعف نقاط الأمان لديها.

لكن لا بد لنا من القول إن استبدال التالف من فئتي العملة السورية 100-200 ليرة، مع ترجيح أنه لن يتجاوز كونه استبدالًا جزئيًا مؤقتًا ريثما تتم طباعة ذات الفئتين إلى عملتين معدنيتين، حتى لا يبقى النظام مرهونًا للحاجة إلى المطابع الأوروبية، أمر بات يربك خطط النظام الاقتصادية لمرحلة إعادة الإعمار، وحرية سياسته النقدية.

أما فيما يخص الـ50 ليرة المعدنية

إن فكرة طباعة العملة السورية من فئة 50 ليرة هي فكرة قديمة منذ العام 2010، وكانت لها شروط فنية أشبه باليورو، وهذا ما رأيناه في طباعة فئة الـ25 ليرة، وكان الهدف من التفكير في صكها آنذاك هو إيجاد “اليورو السوري”، بحيث تكون قيمة الخمسين ليرة قريبة من اليورو، وذلك كطريقة من النظام لإيجاد عملة للمستثمرين الراغبين في الدخول إلى السوق السورية، بحيث يستطيع النظام من خلالها جمع الأموال بالعملة الصعبة منهم لصالحه دون الاضطرار إلى التعامل بالدولار أو اليوور.

ومن وجهة نظر اقتصادية، لا بد من التنويه إن صك هذه الفئة من العملة مساوئ عدة حسب الصور التي ظهرت لهذه العملة النقدية على موقع البنك المركزي السوري، أو حساب الشام للصرافة على موقع “فيس بوك”، نذكر منها:

1- انخفاض جودة الطباعة: حسب الصور المنشورة لهذه العملة يظهر أنها قد صكت من معدن رخيص، ويظهر فرق كبير بين جودتها وجودة الفئة التي تسبقها (25 ليرة)، فهذه العملة أقرب ما تكون مصكوكة من الألمنيوم، أو الحديد الرخيص، دون جودة حتى في النقش، أو الطباعة.

2- القابلية للتآكل والتشوه، نتيجة الاحتكاك، والتعرق، والتعرض للمؤثرات الجوية، كالماء، والهواء؛ وذلك بسبب استخدام الألمنيوم في صناعتها.

3- تحدد قيمة العملة من خلال قوة النظام الاقتصادية، وبما أن الحياة الاقتصادية في سوريا أصبحت شبه متوقفة، والتضخم يخسرها 90% من قيمتها، فإن سك هذه العملة لا يتجاوز كونه أمرًا معنويًا يعمد إليه النظام لإيهام حاضنته أنّ الحياة ستعود إلى سابق عهدها، وأن الليرة آيلةٌ إلى تحسن. لكن الحقيقة أن قيمتها منخفضة لدرجة لا يمكن معها استخدامها في أي عملية شرائية حياتية بذاتها، دون استخدام عدد كبير منها، ولو على مستوى الحاجات اليومية الأساسية.

4- التكلفة المرتفعة للطباعة الإجمالية مقابل القيمة الشرائية لها: إنّ قانون طباعة العملات، من الجانب النفسي، يشير إلى أنّ العملة المطبوعة حديثًا سوف تطرد الطبعات القديمة من التداول، وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أن عدد القطع النقدية من فئة 50 ليرة حتى عام 2010 بلغت 2536 مليون قطعة، حسب الإحصاءات المنشورة على موقع البنك المركزي، ونتيجة العقوبات الاقتصادية فإن تكلفة طباعة وحدة واحدة تتراوح بين 25-35 سنتًا (كل دولار أمريكي يعادل مئة سنت) حسب أوراق بحثية مسربة من البنك المركزي، كما أنّ جريدة الثورة في عددها المنشور بتاريخ 29 حزيران الماضي، ذكرت أنّ كلفة استبدال الورقة الواحدة تتجاوز المرة والنصف من قيمتها المطبوعة، أي تتراوح قيمة الاستبدال الكلية بحوالي 687 مليون دولار في الحد الأدنى، وهي تكلفة مرتفعة لا يملكها النظام، إذًا سيكون الحل بصك نقود رخيصة، وضخّها في السوق دون استبدال، وبشكل محدود، بحيث يتحمّل المواطنون خسارة الاستبدال، سواء بخسارة قطعهم الورقية، أو الحصول على الصكّ الجديد، وهذا الأمر ينحدر إلى مستوى الجريمة بحق السوريين، تضاف إلى جرائم النظام.

أخيرًا، يقول القانون الاقتصادي إن العملة القوية تطرد الضعيفة من التداول، في حين أن النظام مضطر للبحث عن حلول لطباعة المزيد من العملات الورقية من فئة 1000 و2000 ذات الأثر الجدي في الحياة الاقتصادية اليومية، مع توقع بأن التضخم سيرتفع مع عودة جزء من اللاجئين من مخيمات الموت في لبنان والأردن، لذا فإن طباعة العملة النقدية من فئة 50 ليرة لن يكون لها أي دور في الحياة الاقتصادية، بسبب التضخم المتزايد.

إذًا لن يكون بوسع النظام الاستفادة من أثر طباعة 50 ليرة على حركة الاقتصاد، وتلبية حاجة المواطنين إلى العملة بغرض عمليات التبادل اليومية.

لذا أعتقد أن النظام سيتجه إلى صك النقود من فئة 100 و200 ليرة، وضخها في السوق، وليس الاستبدال ليحمل المواطنين الكلفة كلها، وهي كلفة مرهقة عليهم، وسيكون المواطنون مجبرين على تحمل هذه الخسارة. هذا الصك سيبدأ مع نجاح طرح الـ50 ليرة الجديدة، وامتصاص الموطنين لخسارته.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة