ع ع ع

عنب بلدي – صالح ملص

بدأت، الخميس 23 من نيسان، أولى جلسات محاكمة أنور رسلان وإياد الغريب، والأول عقيد سابق والثاني أدنى منه رتبة في إدارة المخابرات العامة السورية، وهما مسؤولان عن تهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية نُفذت في مراكز الاعتقال التابعة لحكومة النظام السوري.

داخل قاعة المحكمة الإقليمية العليا في بلدة كوبلنز جنوب غربي ألمانيا، بدأ النزاع القانوني بين الفريقين محل الدعوى، النزاع الذي يتمحور حول نقطة إثبات مسؤولية المتهمين الجرمية عن التهم المنسوبة إليهما.

أولى الجلسات.. أربعة آلاف تهمة

بينما تستمر المعارك في سوريا، يخوض سوريون خارج بلدهم معاركهم القانونية في سبيل تحقيق جزء من العدالة القضائية للضحايا على الأقل.

وفي الجلسة الأولى من محاكمة رسلان، تلا المدعي العام الألماني، جاسبر كلينغ، لائحة الاتهام الخاصة بالمتهمين، وفقًا لما قاله مدير التقاضي الاستراتيجي في “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، المعتصم الكيلاني، لعنب بلدي، والمركز واحد من الجهات الحقوقية التي شاركت في تحريك الدعوى.

وأكد المدعي كلينغ أن العقيد السابق “كان يعلم حجم أعمال التعذيب”، التي كانت ترتكب في مركز الاعتقال الذي كان يشرف عليه، بحسب وكالة “فرانس برس“، مشددًا على “الدور المحوري” لأجهزة الاستخبارات في القمع الدموي للثورة السورية التي انطلقت عام 2011.

وبحسب الاتهام، “ارتُكبت جرائم قتل بحق معتقلين في هذا السجن الواقع شمال شارع بغداد في دمشق، تحت إشرافه (رسلان) ومسؤوليته، لانتزاع اعترافات ومعلومات عن المعارضة” في سوريا.

ملفات وتسجيلات خلال جلسة محكمة ألمانية في كوبلنس لمقاضاة الضابطين السوريين أنور رسلان وإياد الغريب بارتكاب جريمة ضد الإنسانية - 23 نيسان 2020 (AFP)

ملفات وتسجيلات خلال جلسة محكمة ألمانية في كوبلنز لمقاضاة الضابطين السوريين أنور رسلان وإياد الغريب بارتكاب جريمة ضد الإنسانية- 23 من نيسان 2020 (AFP)

اقرأ أيضًا: تفاصيل قضية “أنور رسلان” في ألمانيا

ووصف المدعي شروط الاعتقال في السجن بأنها “غير إنسانية” لافتًا إلى أن الزنزانات “مساحتها 50 مترًا مكعب يتكدس فيها 140 معتقلًا وسط درجات حرارة مرتفعة جدًا، ولم يكن بإمكانهم الجلوس أو الاستلقاء”.

وأمام ست من الضحايا، أشار المدعي إلى الصعق الكهربائي الذي تعرض له المعتقلون، وخاصة امرأة أوقفت في دمشق في أيار 2011، وخلال استجوابها تعرضت أيضًا للاغتصاب الجنسي.

وتضمنت لائحة الاتهام ارتكاب الضابطين جرائم صُنفت بأنها ضد الإنسانية بجانب جريمة التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من خلال تقديم قصص لـ24 ضحية شاركوا بالإدلاء بشهادتهم في أثناء جلسات التحقيق، بحسب ما قاله مدير التقاضي الاستراتيجي في “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، المعتصم الكيلاني، لعنب بلدي.

وكان مجموع عدد التهم المنسوبة لرسلان والغريب، هو أربعة آلاف تهمة، منها التعذيب والعنف الجنسي بحق المعتقلين داخل مراكز الاحتجاز في السجون التابعة للنظام السوري.

ويتهم فريق الادعاء رسلان بالإشراف على تعذيب محتجزين بين نيسان 2011 وأيلول 2012 بصفته المزعومة كرئيس لقسم التحقيقات بـ”فرع الخطيب”، التابع لإدارة المخابرات العامة في دمشق، والمعروف أيضًا باسم “الفرع 251”.

ويقول الادعاء إن مرؤوسي رسلان عذبوا أربعة آلاف شخص على الأقل في أثناء الاستجواب في الفرع، بما في ذلك الضرب والصدمات الكهربائية، واتُّهم أنور أيضًا بـ58 تهمة بالقتل والاغتصاب والاعتداء الجنسي الجسيم.

وأما إياد الغريب، وهو مسؤول أدنى رتبة في إدارة المخابرات نفسها، فمتهم بالمساعدة والتحريض على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ويقول الادعاء إن إياد احتجز أشخاصًا عام 2011 وسلمهم إلى فرع “الخطيب”، حيث تعرضوا للتعذيب لاحقًا.

واستند المحققون بصورة خاصة إلى إفادات ضحايا عانوا من شروط اعتقال “لا إنسانية ومذلة”، بحسب القضاء، وتمكنوا من الوصول إلى أوروبا.

ومن المتوقع أن تُعرض خلال المحاكمة صور من بين آلاف التقطها مصور سابق في الشرطة العسكرية السورية يُعرف باسم مستعار هو “قيصر”، تمكن من الهرب من سوريا صيف عام 2013 حاملًا معه 55 ألف صورة تظهر جثثًا تحمل آثار تعذيب، كما سيتعاقب شهود وضحايا سوريون للإدلاء بإفاداتهم.

قيصر يدلي بشهادته في الكونغرس الأمريكي – 2014 (حساب معاذ مصطفى عبر تويتر)

وينتظر فريق الادعاء تداول قائمة البيانات الخاصة بفريق الدفاع المكون من أربعة محامين، يدافعون عن المتهمين رسلان والغريب.

ويعتقد أن كلا المتهمين انشقا في 2012، بينما قالت السلطات الألمانية إن رسلان والغريب دخلا ألمانيا كطالبَيْ لجوء في تموز 2014 ونيسان 2018 على التوالي.

اقرأ أيضًا: ما الطابع الإجرامي الذي يميز أطراف القتال في سوريا

اليوم ثانية جلسات المحاكمة

وبعد ساعات تبدأ ثانية جلسات محاكمة رسلان والغريب، إذ ستشمل شهادة رئيس قسم التحقيق أمام قاضي المحكمة، وفقًا لما قاله الصحفي والحقوقي السوري منصور العمري، لعنب بلدي.

ورئيس قسم التحقيق، يعتبر الشخص الذي يترأس الشرطة الفيدرالية الألمانية المتخصصة بجرائم الحرب، والذي أجري التحقيق واعتقال المتهمين ضمن اختصاصها القانوني.

كما ستستمر جلسات الحكم في المداولة الأسبوع المقبل، إذ ستقام جلستان في قضية محاسبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في سوريا، بحسب العمري الذي حضر أولى جلسات المحاكمة في هذه القضية.

وتعترف القوانين الألمانية بمبدأ “الولاية القضائية العالمية” على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

وبسبب العدد الكبير من طالبي اللجوء واللاجئين السوريين في ألمانيا، صارت المعلومات حول الضحايا والشهود والأدلة المادية التي لم تكن متوفرة من قبل، وحتى بعض المشتبه بهم، في متناول السلطات القضائية هناك.

وتحقق سلطات العدالة الجنائية في عدة دول أوروبية أخرى أيضًا، بما في ذلك السويد وفرنسا، بشأن الأشخاص الذين يُزعم أنهم ارتكبوا جرائم خطيرة في سوريا.

جلسة محكمة ألمانية في كوبلنس لمقاضاة الضابطين السوريين أنور رسلان وإياد الغريب بارتكاب جريمة ضد الإنسانية - 23 نيسان 2020 (AFP)

جلسة محكمة ألمانية في كوبلنز لمقاضاة الضابطين السوريين أنور رسلان وإياد الغريب بارتكاب جريمة ضد الإنسانية- 23 من نيسان 2020 (AFP)

اقرأ أيضًا: التقاضي الاستراتيجي.. كيف تتحول القضية الخاسرة إلى نجاح

توقعات بالحكم مدى الحياة

ربما قد يكون الحديث عن توقعات قرار الحكم القضائي في هذه القضية مبكرًا، خاصة أن إجراءات التقاضي المعقدة قد تطول إلى سنة على الأقل بحسب الصحفي والحقوقي منصور العمري.

ولكن يأمل العمري أن ينال العقيد السابق رسلان حكم السجن مدى الحياة، ويحق له أن يتقدم بطلب إخلاء سبيل بعد 15 سنة من تنفيذ الحكم، كما يحق للقاضي رفض الطلب إذا رأى أن الجريمة جسيمة جدًا، وفقًا للعمري.

وتتفق تقديرات العمري مع تقديرات منظمة “هيومن رايتس ووتش”، التي ترى أن رسلان يمكن أن يواجه ذلك المصير.

والجرائم المنسوبة للمتهم أنور رسلان، تعد برأي العمري، من الجرائم التي تدخل في توصيف الجرائم الجسيمة، ما يقوي احتمالية قرار حكم السجن مدى الحياة بحق رسلان، وهي أقصى عقوبة بموجب القانون الألماني.

بينما يمكن أن يواجه إياد الغريب السجن بين ثلاث و15 سنة، بحسب تقديرات منظمة “هيومن رايتس ووتش”، في تقرير لها نشر أمس، الخميس.

السوري إياد الغريب أمام محكمة ألمانية في كوبلنس لاتهامه بارتكاب جريمة ضد الإنسانية حين كان ضابطًا في جهاز أمن الدولة السوري في فرع الخطيب الأمني - 23 نيسان 2020 (AFP)

السوري إياد الغريب أمام محكمة ألمانية في كوبلنز لاتهامه بارتكاب جريمة ضد الإنسانية حين كان ضابطًا في جهاز أمن الدولة السوري في فرع الخطيب الأمني- 23 من نيسان 2020 (AFP)

اقرأ أيضًا: كيفية الإبلاغ عن مجرمي الحرب السورية في السويد

بدء محاكمة “نظام الأسد”

يعتبر العمري أن هذه المحاكمة بمثابة محاكمة لأنور وإياد ليس بصفتهم الفردية فقط، بل كعناصر ضمن شبكة تعذيب منهجي يديرها بشار الأسد بطبيعة الحال، وفقًا للعمري.

وإدانة رسلان والغريب هو مفصل مهم في مصير هذه الشبكة، الذي يتمثل بإدانة قضائية لممارسات التعذيب عند النظام السوري.

وسيكون إصدار الحكم بمثابة حكم قضائي يدين نظام الأسد بارتكابه جرائم ضد الإنسانية، بحسب العمري.

وقال الأمين العام لـ”المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان”، المنظمة غير الحكومية الألمانية، فولفغانغ كاليك، لوكالة “فرانس برس” إن المحاكمة المحاطة بتدابير أمنية مشددة والتي ستستمر حتى منتصف آب المقبل على أقرب تقدير تشكل “خطوة مهمة وبداية النظر في جرائم (النظام السوري) أمام محكمة عليا ألمانية”.

وقدم كاليك الدعم لـ16 من الضحايا السابقين، بعضهم أطراف مدنيون في الدعوى. وبين المدعين المحامي السوري والناشط البارز في مجال حقوق الإنسان في وطنه أنور البني المقيم في ألمانيا كلاجئ منذ خمس سنوات ونصف السنة.

واعتبر أنور البني في مقابلة معه نشرتها وكالة “فرانس برس” أن المحاكمة تشكل “رسالة مهمة” إلى المسؤولين السوريين ومن نفذوا الانتهاكات مفادها “أنك لن تفلت من العقاب، لذا فكر بالأمر”.

وقالت المستشارة في برنامج العدالة الدولية في “هيومن رايتس ووتش”، بلقيس جراح، إن “هذه المحاكمة هي لحظة فاصلة بالنسبة إلى الضحايا المصممين على تحقيق العدالة عن الجرائم التي ارتُكبت بحقهم في سوريا. ينبغي أن تكون إجراءات اليوم بمثابة تذكير مهم بالحاجة إلى القيام بالمزيد لضمان المساءلة عن الفظائع المروعة للصراع”.

شاهد سوري يصور جلسة محكمة ألمانية في كوبلنس لمقاضاة الضابطين السوريين أنور رسلان وإياد الغريب بارتكاب جريمة ضد الإنسانية - 23 نيسان 2020 (AFP)

شاهد سوري يصور جلسة محكمة ألمانية في كوبلنز لمقاضاة الضابطين السوريين أنور رسلان وإياد الغريب بارتكاب جريمة ضد الإنسانية- 23 من نيسان 2020 (AFP)

مقالات متعلقة