على منهج الأسد الأب..

سرد أساليب التعذيب في سوريا خلال محاكمة رسلان والغريب

ملفات وتسجيلات خلال جلسة محكمة ألمانية في كوبلنس لمقاضاة الضابطين السوريين أنور رسلان وإياد الغريب بارتكاب جريمة ضد الإنسانية - 23 نيسان 2020 (AFP)

ملفات وتسجيلات خلال جلسة محكمة ألمانية في كوبلنس لمقاضاة الضابطين السوريين أنور رسلان وإياد الغريب بارتكاب جريمة ضد الإنسانية - 23 نيسان 2020 (AFP)

ع ع ع

كان نيسان الحالي شاهدًا على اقتياد مسؤولَين سوريين سابقين إلى القضاء، ليحاكما علنًا في قاعة المحكمة الإقليمية العليا في بلدة كوبلنز جنوب غربي ألمانيا.

في منتصف تشرين الأول 2019، قدّم المدعي الفيدرالي الألماني في المجلس الأعلى للمحكمة الاتهام بحق أنور رسلان (57 عامًا) وإياد الغريب (43 عامًا)، بعد أن اعتُقل الرجلان السوريان في ألمانيا في شباط 2019، ضمن تحقيق مشترك مع مسؤولين قضائيين فرنسيين.

التحقيق الذي أدى إلى الاعتقالات، كان أيضًا نتيجة لسلسلة من الشكاوى الجنائية التي رفعتها المنظمة الحقوقية الألمانية “المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان” مع محامين وناشطين سوريين وناجين من التعذيب وأقاربهم.

اقرأ المزيد: ماذا تعني محاكمة رسلان والغريب في ألمانيا

الجلسة الأولى.. سابقة تاريخية

عندما يغلب طابع إجرامي ما على طرف محدد، فهو مؤشر قوي على أن هذا الطابع نتج عن تكرار الجريمة في سياسة ممنهجة ومتعمدة، وليست ممارسات فردية.

وانطلاقًا من هذه القاعدة القانونية بدأت، في 23 من نيسان الحالي، أول محاكمة في العالم حول القتل تحت التعذيب، وظروف الاعتقال غير الإنسانية، والاغتصاب داخل مراكز الاعتقال الخاضعة لسيطرة حكومة النظام السوري.

وفي الجلسة الأولى من محاكمة العقيد السابق رسلان، تلا المدعي العام الألماني، جاسبر كلينغ، لائحة الاتهام الخاصة بالمتهمين.

وأكد المدعي كلينغ أن رسلان “كان يعلم حجم أعمال التعذيب”، التي كانت تُرتكب في مركز الاعتقال الذي كان يشرف عليه، مشددًا على “الدور المحوري” لأجهزة الاستخبارات في القمع الدموي للثورة السورية التي انطلقت عام 2011.

وبحسب الاتهام، “ارتُكبت جرائم قتل بحق معتقلين في هذا السجن الواقع شمال شارع بغداد في دمشق، تحت إشرافه (رسلان) ومسؤوليته، لانتزاع اعترافات ومعلومات عن المعارضة” في سوريا.

ووصف المدعي شروط الاعتقال في السجن بأنها “غير إنسانية”، لافتًا إلى أن الزنزانات “مساحتها 50 مترًا مكعبًا، يتكدس فيها 140 معتقلًا وسط درجات حرارة مرتفعة جدًا، ولم يكن بإمكانهم الجلوس أو الاستلقاء”.

في الجلسة الثانية.. تفاصيل التحقيق

واستمعت المحكمة الإقليمية العليا إلى إفادة المحقق في قضية رسلان والغريب، في الجلسة الثانية في 24 من نيسان الحالي.

وشرح رئيس التحقيق، مانويل دوسينغ، الذي تولى التحقيق مع المتهمين، كيف بدأت التحقيقات التي أوصلته إلى رسلان، حين دخل ألمانيا كلاجئ عام 2017، وطلب الحماية من الشرطة.

وبالتزامن مع تقديم رسلان طلب اللجوء، شكا المتهم للشرطة الألمانية من خلال تقديمه بلاغًا يطلب بمقتضاه الحماية كونه يتعرض لمضايقات من أشخاص مؤيدين للنظام السوري، بسبب انشقاقه عن النظام عام 2012.

وانتقل بعدها إلى الأردن، وبعد عامين سافر إلى ألمانيا حيث حصل على اللجوء هناك، بحسب إفادة المحقق.

ووفقًا للمحقق دوسينغ، قدم المعلومات التي جمعها إلى المدعي العام الألماني الذي بدوره تواصل مع المحامي السوري أنور البني و”المركز الأوروبي لحقوق الإنسان”، بعد أن رفع شكوى على العقيد السابق المتهم أنور رسلان.

وطلب المدعي العام من المحامي البني و”المركز الأوروبي” المساعدة في جمع الأدلة والشهود، كما قدم المحقق دوسينغ ملف إياد الغريب الذي أدلى بشهادته لدى وصوله إلى ألمانيا طالبًا اللجوء أيضًا.

واعترف الغريب بأنه عمل لدى المخابرات العامة السورية لعدة أشهر، ورأى التعذيب الذي كان يحصل للمعتقلين داخل فرع “الخطيب” الأمني الذي كان يرأسه رسلان.

تعذيب الأسدين للمعارضة

في الجلسة الثالثة من المحاكمة، في 28 من نيسان الحالي، قدمت خبيرة الأدلة ضمن تقرير للمدعي العام الاتحادي الألماني تحليل الوضع السياسي العام في سوريا عام 2011، وكذلك حملة قمع قوات النظام السوري للمعارضة بين عامي 2011 و2012.

قدمت الخبيرة في البداية لمحة عامة عن التطور السياسي في سوريا، وخاصة منذ استقلالها عام 1946. وذكرت أنه في السبعينيات، تميز حكم حافظ الأسد “بحرية التعبير المقيدة ومناخ الخوف”.

ومنذ ذلك الحين، “يمارس التعذيب مرارًا وتكرارًا” بعد مرحلة قصيرة من الانفتاح السياسي والإصلاح عام 2000، ضمن ما عُرف وقتها بـ”ربيع دمشق“، إذ استمر بشار الأسد في قمع “وحشي” للمعارضين السياسيين السوريين.

تسرد خبيرة الأدلة كيف زادت الاحتجاجات حين كتب عدد من الأطفال عبارة “إجاك الدور يا دكتور” على الجدران في مدينة درعا، وألقي القبض عليهم، وعادوا من الاحتجاز بعلامات التعذيب.

ترك هذا الحدث البلاد كلها “خائفة وغاضبة “، كما عبرت خبيرة الأدلة، وأدى ذلك إلى انتفاضات واسعة النطاق من آذار 2011، وتحولت إلى نزاع مسلح فيما بعد.

تتبعت الخبيرة مسار النزاع بالتفصيل، وشرحت دور أربعة أجهزة مخابرات، وأعطت نظرة مفصلة على الظروف في مرافق الاحتجاز، وطرق التعذيب التي تطبّق هناك، على سبيل المثال العنف الجنسي، “غالبًا ما كانت تقنيات التعذيب هي نفسها التي استُخدمت بالفعل ضد المعارضة في السبعينيات”، بحسب الخبيرة.

الجلسة الرابعة.. الاستماع للشهود

في اليوم الرابع من المحاكمة أمس، الأربعاء 29 من نيسان، لم يكن هناك مدعون مشتركون في القاعة رقم 128 في المحكمة الإقليمية العليا، ولكنّ محاميهم والمتهمين ومحامي الدفاع والمترجمين الفوريين بالإضافة إلى 12 صحفيًا وغيرهم من الأطراف المعنية، من بينهم الطلاب أو المحامون كانوا يراقبون المحاكمة.

تم الاستماع إلى ثلاثة شهود في ذلك اليوم حول دخول أنور رسلان إلى ألمانيا وإجراءات اللجوء التالية، ومع ذلك ركزت المحكمة بشكل أقل على إفادات الشهود.

كان الشاهد الأول موظفًا في المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (Bundesamt für Migration und Flüchtlinge ،BAMF) فرع برلين.

نسق الموظف إجراءات عائلة رسلان في اللجوء عام 2015، وتحدث الشاهد بسرعة كبيرة لدرجة أن المترجمين السوريين والمحامين ومدوني الملاحظات بالكاد استطاعوا الاستمرار بالكتابة والترجمة، وكان عليهم أن يطلبوا من الموظف عدة مرات التحدث ببطء أكثر.

تم استيفاء شروط اللجوء لأنور رسلان، ولأنه يمكن أن يثبت من خلال تأشيرة في جواز سفره أنه سُمح له بالبقاء في ألمانيا، لم تعقد جلسات استماع في عام 2015 حول كيفية دخوله ألمانيا، ومُنح اللجوء وفقًا لذلك.

الشاهدة الثانية كانت مستشارة في وزارة الخارجية الألمانية (Auswärtiges Amt, AA)، ووصفت أولًا ما تعرفه عن دور رسلان في المعارضة السورية بالمنفى.

وشهدت أن أنور رسلان كان جزءًا من وفد المعارضة الذي شارك في مؤتمر “جنيف” الثاني في كانون الثاني 2014، ضمن مؤتمر سلام للأمم المتحدة حول سوريا. وبالنسبة للمستشارة كان هذا “دليلًا أساسيًا على دوره المعارض في ذلك الوقت”.

كما شهد موظف في مكتب الدولة للهجرة (Ausländerbehörde)، وشرح في جلسة الاستماع، ببيان قصير موجز، طلب إعادة دخول رسلان من تركيا إلى ألمانيا اعتبارًا من أيار 2015.

وفي ذلك الوقت، صادرت السلطات التركية جواز سفره السوري على أساس التزوير، وفقًا لموظف مكتب الهجرة.

وستُعقد الجلسة الخامسة من المحاكمة في 18 من أيار المقبل.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة