fbpx

دخلت لإجراء عملية "ديسك" وخرجت جثة هامدة

تقارير الطب الشرعي في سوريا.. شرعنة للموت أم انعكاس للواقع

ع ع ع

عنب بلدي – عالية كمال الدين

“ذهبت الممرضة روان سحتوت، التي توفيت في 1 من آب الحالي، إلى مستشفى المهايني وهي خائفة، وطلبت من أمها الاتصال بها والاطمئنان عليها، قبيل أن تبدأ بعملية (ديسك) غير مسجلة في المستشفى، ولكنها خرجت منه جثة هامدة”.

كانت هذه رواية صفحة “حق روان سحتوت“، عبر “فيس بوك”، بشأن ملابسات قضية وفاة الممرضة، إذ اتهمت الصفحة مستشفى “المهايني” بالتعمد بقتل الضحية، “لأنها اطلعت على معلومات عن تجارة أعضاء داخل المستشفى”.

وأضافت أن الممرضة لم تدخل غرفة العمليات، بل حقنها عاملون في المستشفى بحقن لا يعرف نوعها، تسببت بوفاتها.

رئيس الطبابة الشرعية في دمشق، أيمن ناصر، أوضح لصحيفة “الوطن” المحلية أن الوفاة جاءت نتيجة “قصور أعضاء متعدد ناجم عن صدمة تحسسية نتيجة تناول جرعة دوائية” من قبل المتوفاة نفسها، كونها ممرضة وتناولت الدواء بمفردها.

وقال الطبيب “في كتير ناس بفكرو حالن صاروا دكاترة، وهون غلطة الشاطر بألف، هي أخذت مادة دوائية بشهادة الشهود، لتسكين آلام مغصية، ما سبب لها التحسس، ونوعًا من الصدمة، فلم تتحمل وتطور الأمر إلى وهن قلبي ونقص أكسجة، وتأذت بقية أعضاء الجسم”.

أُغلق ملف الممرضة المتوفاة ما إن أدلى الطبيب الشرعي بشهادته، بين تضارب الرواية الرسمية والأشخاص المطالبين بإرجاع حقها الضائع.

كيف يجري التلاعب بشهادة الطب الشرعي

لا شيء يحكم الطبيب الشرعي سوى ضميره وأخلاقه.

شرح الطبيب الشرعي السابق في ريف دمشق علي محمد، لعنب بلدي، الضغط الأمني الذي كان يتعرض له الطبيب الشرعي في سوريا لتغيير أسباب الوفاة، فالجثث التي تعرضت للشدة والعنف داخل السجون كانت تُصنّف بأنها وفيات طبيعية أو حالة مرضية.

وقال إنه في الحالات التي يكون الطبيب فيها صارمًا ولا يغير من شهادته لا يجري استدعاؤه غالبًا، بل يُستدعى أطباء مقربون من النظام الأمني.

وأضاف أنه في الحالات الجنائية غير الحربية، كان يعرض الأشخاص المستفيدون من تضليل الحقيقة الرشوة على الطبيب، وما إن يقبل الطبيب هذه الرشوة حتى تُطمَس الحقيقة، لأن قرار الطبيب الشرعي يحمل طابعًا إلزاميًا غير قابل للطعن.

أمينة، شابة سورية اُعتقل والدها في ريف دمشق في عام 2014، لكن شهادة وفاته لا تعكس حقيقة ما جرى معه.

وقالت أمينة، “وصلت جثة والدي بعد أن قضى في سجون النظام عدة أشهر مع كدمات كثيرة وتشوهات تدل على التعذيب الممارس ضده، لكن كُتب في تقرير الوفاة أنه توفي باحتشاء لعضلة القلب”.

تكررت هذه الحادثة مع كثير من العائلات السورية التي قُتل أحد أفراد عائلتها في سجون النظام، وتقارير الطب الشرعي كانت تشير إلى “سكتة قلبية” أو إصابة بمرض ما كـ”الربو”.

وفي تحقيق استقصائي أجراه موقع “Vice“، فإن عشرات الصور والوثائق والشهادات الحية تؤكد وفاة عدد من المعتقلين جراء التعذيب، على الرغم من تسجيل وفاتهم في الأوراق الرسمية للمستشفيات العسكرية والأحوال المدنية، باعتبارها وفاة طبيعية لأسباب مثل توقف القلب والتنفس، والاحتشاء القلبي (نوبة/ ذبحة قلبية)، على غير الحقيقة، وفق ما تمكن الموقع من رصده وتوثيقه.

الطب الشرعي.. آثار حقوقية وأخلاقية وإنسانية وقانونية

دور الطبيب الشرعي لا يقتصر على تشريح ومعاينة الجثث، ومهامه تشمل المعاينة السريرية للأحياء، والتحاليل المخبرية، ولا يجري هذا إلا بمعايير مهمة يجب ألا تغيب، وهي الشفافية والمصداقية والضمير.

ما يعني أن مهمة الطب الشرعي هي طبية وقضائية، ويجب عليه أن يلم بجميع العلوم الطبية، كما يجب أن يلم بالقانون بشكل عام.

وفي حديثه لقناة “الميادين”، قال المدير العام لـ”الهيئة العامة للطب الشرعي”، زاهر حجو، إنه خلال فترة قصيرة بعد الحرب، فُحص 230 ألفًا و407 حالات بين قتيل ومصاب.

وأشار في حديثه إلى أهمية دور الطب الشرعي في الحرب السورية، والأدوار غير التقليدية التي تسلّمها، والتي تتمثل بكشف الغموض والحقيقة، بحسب تعبيره.

للطب الشرعي دور مهم في الحرب السورية، بحسب زاهر حجو، فموضوع التعرف إلى الجثث، وأسباب الوفاة، وطريقتها، وأسباب القتل، والنية، كلها تدخل بتحديد مصير التحقيقات في المحاكم الدولية وجرائم الحرب.

وأشار الطبيب علي محمد إلى بدء الحكومة السورية بالاهتمام المتأخر في مجال الطب الشرعي، إذ أُقر إحداث “الرابطة السورية للطب الشرعي” بتاريخ 15 من شباط عام 2000، ما أدى إلى نقص في أعداد الأطباء الشرعيين بعد الحرب.

وأكد حجو أن عدد الأطباء الشرعيين الموجودين في سوريا حاليًا لا يتجاوز 56 طبيبًا، من أصل 150، بعد أن سافر 70% منهم خلال السنوات السابقة.

وهذا ما يضع إشارات استفهام عديدة حول مدى شفافية هؤلاء الأطباء، ومدى قربهم من الجهاز الأمني، ولأي درجة يستغلون حساسية مواقعهم لخدمة النظام السوري.

واجبات الطبيب الشرعي

عندما يقدم الطبيب الشرعي تقريره للمحكمة يجب أن يراعي الأمور التالية:

– أن يكتب التقرير بلغة بسيطة بعيدًا عن المصطلحات العلمية المعقدة، لسهولة فهمها من قبل المحكمة والأطراف.

– ألا يطلق أحكامًا مسبقة ونعوتًا على أحد الخصمين، ما يمكن أن يعتبره محامي الخصم الآخر تحاملًا وسببًا للطعن في التقرير.

– وينظر الطبيب الشرعي في حالات الاعتداء، وتقدير نسبة العجز الناجم عنه، كما ينظر في حالات الاغتصاب، والحمل والإجهاض، وغيرها من الجرائم الجنسية التي تتعلق بشرف العائلة.

– يعاين الجثث لتحديد هوياتها، وسبب وفاتها، عن طريق التشريح والتحليل المخبري للبقع والسوائل والأنسجة، مثل فحص الحمض النووي (DNA).

– كما يلعب دورًا في تحديد صحة الأبوة أو نفيها.

ويشمل دور الطب الشرعي كشف حالات التسمم، بسبب ضعف الثقافة الطبية عند الناس، فهناك حالات وفاة كثيرة تم تحديد سببها بـ“توقف في عضلة القلب”، ولكن أسباب توقف القلب تختلف من شخص لآخر، وأحيانًا يكون السبب جنائيًا، كالتسمم.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة