صراع المياه يرهق الحسكة.. الطرفان يتنصلان

طفلة سورية نازحة تحمل المياه إلى مخيمها في مدينة الحسكة شمالي سوريا - 24 من آب 2020 (فرانس برس)

ع ع ع

عنب بلدي – صالح ملص

استقرت أزمة المياه في محافظة الحسكة مؤقتًا، بعدما سمحت “الإدارة الذاتية” العاملة في شمال شرقي سوريا، في 22 من آب الحالي، بعودة التيار الكهربائي إلى مدينة رأس العين في ريف الحسكة الشمالي، حيث تسيطر قوات المعارضة المدعومة تركيًا، ويقع تحت سلطتها المورد الأساسي للمياه في المحافظة.

شهدت منصات التواصل الاجتماعي حملات، تحمل بمعظمها اتهامات لتركيا، تحاول الضغط لإعادة المياه إلى المحافظة، وحملت عنوان “العطش يخنق الحسكة”.

وكان انقطاع المياه عن الحسكة، الذي استمر 22 يومًا، جزءًا من سلسلة انقطاعات تشهدها المنطقة، من خلال تعطيل مضخات محطة مياه آبار “علوك” قرب مدينة رأس العين بريف الحسكة الشمالي.

وتضم محطة “علوك” 30 بئرًا ارتوازية، اُستثمرت عام 2013، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، وتغذي مدينة الحسكة والريف الغربي بما يقارب 175 ألف متر مكعب من مياه الشرب يوميًا، وهي حاجة مدينة الحسكة وضواحيها وبلدة تل تمر وقراها.

لماذا قُطعت المياه؟

رئيس هيئة “الاقتصاد والزراعة” التابعة لـ”الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا، سلمان بارودو، قال لعنب بلدي، في مراسلة إلكترونية، إن السبب المباشر لانقطاع المياه هو “الضغط على الإدارة الذاتية” و”إفشال مشاريعها التنموية في المنطقة” من قبل الفصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا.

واستند بارودو بهذا الاتهام إلى بيان لـ89 منظمة مدنية وحقوقية نددت بقطع تركيا والمجالس المحلية التابعة لها المياه عن المدنيين للمرة الثامنة على التوالي، واستخدام المياه كـ”ورقة ابتزاز”.

وتشكل محطة “علوك” المصدر الوحيد لمياه الشرب لنحو 800 ألف شخص من سكان مناطق شمال شرقي سوريا، بحسب المنظمات، التي حذرت من تأثير قطع المياه على جهود احتواء انتشار فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) في تلك المناطق.

ووصف مسؤول “الإدارة الذاتية” إدخال المياه بالصراعات السياسية والعسكرية بـ”جريمة حرب” يعاقب عليها القانون الدولي.

ويحمي القانون الدولي فئات معينة من الأشخاص والممتلكات التي تدخل في تنظيم ضخ مياه الشرب للمناطق والمدن، باعتبارها عنصرًا لا غنى عنه لتلبية الحاجات الأولية لبقاء الأفراد على قيد الحياة.

لكن آبار “علوك” تتغذى من خط خاص من محطة تحويل الكهرباء في الدرباسية شمال شرقي الحسكة (تحت سيطرة الإدارة الذاتية)، إذ تحتاج المضخات (عددها 12) إلى الكهرباء لدفع المياه إلى الحسكة، وهو ما يلقي باللوم على “الإدارة الذاتية” التي تقطع التيار بشكل دوري عن رأس العين.

وقال بارودو، ردًا على هذا الاتهام، إن فصائل المعارضة التي تسيطر على رأس العين تعمل على ربط خطوط الكهرباء الواصلة إلى محطة “علوك” بنقاطها العسكرية وبعض القرى التي تسيطر عليها، لتتضخم الكمية الاعتيادية التي يجب أن تصل إلى محطة “علوك” ثلاثة أضعاف، بحسب تعبيره.

اتهام متبادل

من جهته، اتهم مدير المكتب الإعلامي للمجلس المحلي في مدينة رأس العين، عبد الله الجشعم، في حديث إلى عنب بلدي، قوات حزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD)، وهو نواة “الإدارة الذاتية”، كونه الجهة التي تصدّر الكهرباء إلى المنطقة الممتدة من تل أبيض بريف الرقة إلى رأس العين بريف الحسكة، المسيطر عليها من قبل الجيشين التركي و”الوطني السوري”.

وحين تنقطع الكهرباء عن منطقة عمليات “نبع السلام”، فإن “PYD” يعلم أن آبار المياه، ومن ضمنها محطة “علوك”، ستتوقف عن ضخ المياه إلى الحسكة، وفق ما قاله الجشعم.

وسيطرت تركيا خلال معركة “نبع السلام”، التي انطلقت في 9 من تشرين الأول 2019 وانتهت في 22 من الشهر نفسه، على مدينتي تل أبيض بريف الرقة ورأس العين بريف الحسكة.

وهذه العملية تكررت لثلاث أو أربع مرات، دون الارتباط بأي أحداث سياسية محلية أو دولية، وإنما الهدف تحميل المعارضة المسؤولية أمام الرأي العام في المحافظة، وفق الجشعم.

وتوجد ثلاث مضخات (من أصل 12 في محطة علوك) تضخ المياه إلى مدينة الحسكة، والتوتر العالي الذي يصل إليها من الكهرباء أقل من المطلوب لتشغيل المضخات، ما يؤدي إلى تشغيل مضخة واحدة من أصل ثلاث، بحسب الجشعم.

وقال مدير الخدمات في المجلس المحلي بمدينة رأس العين، عدنان الجدعان، في 18 من آب الحالي، إن النظام السوري وحزب “العمال الكردستاني” (تتهم المعارضة حزب الاتحاد الديمقراطي بالتبعية المباشرة لحزب العمال المحظور في تركيا والمصنف إرهابيًا) هما المسؤولان عن قطع التيار الكهربائي عن المحطة، من المصدرين الدرباسية وسد “تشرين”.

وأضاف الجدعان، في لقاء مع منصة “الخابور” المحلية، أن طاقم الصيانة الخاص بالآبار والمحطة يأتي من مدينة الحسكة، ويعمل على الصيانة بشكل مستمر دون أن يعترضه أحد.

وتساءل مدير الخدمات: “لماذا نسمح لهم بإجراء الصيانة إذا كنا لا نريد وصول الماء إلى الحسكة؟”.

وفي بعض الأوقات تتعطل بعض المضخات عن العمل بسبب ضعف التيار الكهربائي، بحسب ما أشار إليه المسؤول.

ليست المرة الأولى

ولا تعتبر هذه المرة الأولى التي تشهد فيها محافظة الحسكة انقطاعًا لمياه الشرب فيها خلال العام الحالي، إذ عاشت المدينة وعدة أجزاء من أريافها انقطاعًا للمياه لأكثر من يوم، في شباط الماضي.

وأوضح حينها مدير مؤسسة المياه في مدينة الحسكة، محمود العكلة، لوكالة “سانا”، في 25 من شباط الماضي، أنهم يزودن سكان الحسكة والتجمعات السكانية في ناحية تل تمر بمياه الشرب عن طريق نقلها بالصهاريج من آبار “نفاشة”.

وفي حديث سابق مع عنب بلدي، قال رئيس المجلس المحلي لمدينة رأس العين، مرعي اليوسف، إن السبب وراء قطع المياه في تلك الفترة هو بسبب قطع الكهرباء عن محطة “علوك” التي تأتيها من “سد تشرين” الخاضع لسيطرة قوات النظام السوري، بإشراف القوات الروسية.

وأضاف اليوسف، أن السد قطع الكهرباء عن محطة المياه، ما أدى إلى انقطاع المياه عن الجميع، مشيرًا إلى أن “سكان الحسكة ليسوا هم الهدف من قطع المياه، لأن المياه قُطعت في نفس الوقت عن سكان رأس العين وتل أبيض”.

حين يكون المياه سلاحًا

واتهمت منظمة “هيومن رايتش ووتش” في تقرير نشرته، في 31 من آذار الماضي، حمل عنوان “تركيا- سوريا: المياه سلاح خلال وباء عالمي؟”، السلطات في أنقرة بالتقاعس عن ضمان إمدادات مياه كافية لمنطقة شمال شرقي سوريا، الذي يضر بدوره المنظمات الإنسانية ويؤثر على تجهيز المجتمعات الضعيفة لحمايتها في ظل انتشار جائحة فيروس “كورونا”.

ويمثل الحصول على مياه الشرب تحديًا للأسر الموجودة في شمال شرقي سوريا، التي لا تملك المقدرة على الوصول إلى المياه الكافية، و36% من المواقع المدنية في المنطقة غير متصلة بشبكة المياه، أو أن شبكة المياه غير متاحة للمنازل، وفق تقرير لموقع “reliefweeb” المتخصص بتنسيق الشؤون الإنسانية.

ويعتبر النقل بالشاحنات ثاني أكثر مصادر مياه الشرب شيوعًا في المنطقة، للتعامل مع نقص المياه، لذلك حدت الأسر من نفقاتها الأخرى، واستخدمت أموالها لتغطية التكاليف المتعلقة بمياه الشرب، وفق تقرير الموقع، بالتزامن مع ارتفاع سعر نقل المياه بالشاحنات الخاصة بشبكة المياه، التي لا تعمل بشكل جزئي أو كلي في بعض الأوقات، ولا يوجد ضغط كافٍ لضخ المياه.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة